آخر تحديث:15:09(بيروت)
الإثنين 14/09/2020
share

"نتفليكس" تتسامح مع البيدوفيليا..خبر كاذب صدّقه أنصار "المؤامرة"

وليد بركسية | الإثنين 14/09/2020
شارك المقال :
"نتفليكس" تتسامح مع البيدوفيليا..خبر كاذب صدّقه أنصار "المؤامرة"
من المنطقي أن تجد حملة مقاطعة "نتفليكس" التي انطلقت في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، صدى واسعاً في منطقة تحكمها الأعراف المحافظة والنصوص الدينية المتشددة، مثل الشرق الأوسط، إلا أن التغريدات العربية في معظمها لم تلامس سبب الغضب الأميركي من الشبكة التي عرضت فيلماً فرنسياً يتهم بنشر البيدوفيليا، بقدر ما كانت غاضبة من الشبكة عموماً، إلى درجة باتت فيها الحملة بالعربية، أقرب إلى نظرية مؤامرة، منها إلى رد فعل بسيط.

ولم يكن غريباً انحراف الحملة التي تجاوزت الأمهات الغاضبات وجمهور المحافظين، إلى أعضاء في الكونغرس الأميركي اتهموا الفيلم الفرنسي "Cuties" بنشر البيدوفيليا، عن مسارها بهذا الشكل، فالشبكة الأميركية قدمت محتوى لا يتواجد في الشرق الأوسط بسهولة، بالنظر إلى ممارسة الشبكات التلفزيونية المحلية رقابة شديدة على ما تعرضه، بما في ذلك الأفلام والمسلسلات العالمية، ليطاول الحذف مشاهد القُبل والمشاهد الحميمية والأجساد العارية والمضمون "الذي لا يتناسب مع البيئة العربية"، مثل قضايا المثلية الجنسية وغيرها، ووصل الأمر في شبكة قنوات "أم بي سي" قبل سنوات، إلى تغيير الترجمات نفسها وتمويه الأصوات عندما تتحدث الشخصيات بما لا يجب بثه في المنطقة.

ومن المثير للاهتمام أن الجمهور في المنطقة لم يتحدث عن الفيلم نفسه، رغم أنه يدور حول طفلة تدعى أيمي تعيش قرب باريس وتتحدر من أسرة مسلمة مهاجرة من السنغال. رغم أن فكرة الهجوم على الإسلام تعتبر جذابة من قبل مروجي نظريات المؤامرة التي تتهم الغرب بالعداء للإسلام أو من قبل مروجي فكرة "الإسلام الكول" في زمن الصواب السياسي. وتحدث كثيرون في "تويتر" بصراحة عن أنهم لم يشاهدوا الفيلم لكنهم يتفقون على "الخطر" الذي تمثله "نتفليكس" على القيم والأخلاق والدين.


الفيلم الذي حاز على جائزة أفضل إخراج في مهرجان "صن دانس" السينمائي، لم يثر جدلاً يذكر في فرنسا رغم طرحه هناك في 19 آب/أغسطس الماضي. لكن الجمهور الأميركي كان مختلفاً حيث دعا الآباء والسياسيون والمؤمنون بنظرية المؤامرة إلى حذف الفيلم من "نتفليكس" بينما وصل البعض إلى حد مطالبة وزارة العدل بالتدخل في الموضوع، حسبما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز".

ولا يعتبر ذلك مفاجئاً في بلد يعرف 88% من أعضاء الكونغرس فيه، عن أنفسهم، كمسيحيين، بحسب استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث العام الماضي. كما أن نصف الناخبين الأميركيين تقريباً يؤمنون أنه يجب على الرئيس المنتخب أن "يتمتع بمعتقدات دينية راسخة". فيما يرى ثلث الأميركيين أن السياسات الحكومية يجب أن تدعم القيم الدينية. وهي نقاط كانت تشكل جدلاً مستمراً حول علاقة الدين بالتقدم والحضارة والرفاه الاقتصادي، ضمن الدول الغربية نفسها التي تبدو أكثر علمانية مقارنة بالولايات المتحدة.

وبحسب مجلة "فورين أفيرز"، صنفت الولايات المتحدة بين العامين 1981 و2007 واحدة من أكثر دول العالم تديناً، مع تغير طفيف في مستويات التدين، ومنذ ذلك الحين أظهرت أكبر معدلات عزوف عن الدين مقارنة بأي بلد آخر. ومع اقتراب نهاية الفترة الأولى المدروسة كان متوسط تقدير الأميركيين لأهمية الرب في حياتهم 8.2 نقاط على مقياس من 10 نقاط. وفي أحدث دراسة استقصائية أجريت في الولايات المتحدة العام 2017 انخفض الرقم إلى 4.6، وهو انخفاض حاد بشكل مذهل.

هذا الانخفاض بالتحديد هو ما يجعل المؤمنين والمحافظين أكثر تشنجاً لشعورهم بأنهم في مواجهة خطر وجودي، ويدل على ذلك وصول رئيس مثل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض باستخدام أساليب عديدة، منها اللعب على الوتر الديني المحافظ، رغم أن ترامب نفسه لا يعرّف عن طبيعة معتقداته الدينية بشكل صريح. وليس من الغريب بالتالي أن يتوحد صوت المحافظين حول الفيلم، مع الدفع بحملة المقاطعة إلى صدارة النقاشات في الولايات المتحدة، مع ملاحظة أن موجة الغضب نفسها تبقى محدودة مقارنة بحوادث سابقة، مثل الغضب العام من نجمة البوب بريتني سبيرز العام 1998 عندما قدمت فيديو كليب أغنيتها الأشهر "Baby one more time" واتهمت بالترويج للإباحية في المدارس وتم تهديدها بالقتل من قبل أمهات محافظات بسبب أغانيها "الفاسدة".

ولا يرتبط انخفاض مستوى الغضب العام تجاه الشبكة اليوم، بفكرة أن الفيلم لا يتطرق للمحتوى الديني مباشرة، مثل حوادث سابقة شهدت غضباً عاماً من إنتاجات فنية كبرى، مثل فيلم "الإغواء الأخير للمسيح" الذي قدمه المخرج مارتن سكورسيزي العام 1988، والذي تحدث بطله ويليام ديفو عنه مؤخراً مع مجلة "فانيتي فير"، خصوصاً أن "نتفليكس" عرضت في السنوات الماضية الكثير من الأفلام والمسلسلات التي تتناقض مع الإيمان والديانات الابراهيمية، بما في ذلك عرض فيلم "الإغواء الأول للمسيح" الذي صور المسيح كشخص مثلي للجنس يعيش مع والدته مريم المدمنة للحشيش، ولم يثر مستوى الغضب نفسه الذي كان ليحدث لو طرح الفيلم في ثمانينيات القرن الماضي على سبيل المثال.


وتجيب "فورين أفيرز" عن السؤال المتعلق بسبب عزوف الناس عن التدين حول العالم تدريجياً. فعندما حقق المجتمع مستوى عالياً من الأمن الاقتصادي والبدني نشأت الأجيال الشابة على اعتقاد أن هذا الأمان أمر مفروغ منه، ما أدى إلى تراجع المعايير المتعلقة بالخصوبة التي كان الدين يحددها في السابق ضمن نظام اجتماعي قديم محدد بعاملين هما ارتفاع معدل وفيات الرضع وانخفاض متوسط العمر البشري. ولهذا أصبحت الأفكار والممارسات والقوانين المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والطلاق والإجهاض والمثلية الجنسية تتغير بسرعة حالياً، بشكل يخفف من مستوى التدين لأن الأديان الكبرى لا ترحب بمثل هذه الأفكار.

ولا يعتبر ذلك مجرد تحليلات شخصية، بل هو تغير قابل للقياس الكمي. وتقدم البيانات التي جمعت من قبل رابطة القيم العالمية على مر السنين لمحة عن تحول عميق، ويستخدم الاستطلاع الذي نقلته "فورين أفيرز" مقياساً من 10 نقاط مبنياً على كيفية تقبل كل دولة الطلاق والإجهاض والمثلية الجنسية. وتستقر نقطة التحول تقريباً عند منتصف المقياس، أي 5.50. وتشير الدرجات الدنيا إلى أن غالبية السكان في البلاد لديهم وجهات نظر أكثر تحفظاً، فيما تشير الدرجات العليا إلى أن الغالبية لديها وجهات نظر أكثر ليبرالية تتمحور حول الاختيار الفردي. ولا يعني ذلك حكماً التسامح مع جرائم مثل البيدوفيليا، وهو ما تمثله قضية نجم البوب الأشهر مايكل جاكسون، الذي مازالت تهم استغلال الأطفال جنسياً تلاحقه حتى اليوم بعد وفاته بأحد عشر عاماً.

وكانت الولايات المتحدة تاريخياً، في مستوى منخفض عند نسبة 3.49، لكن هذا الرقم ارتفع إلى 5.86 بحلول العام 2019، لكنه يبقى منخفضاً مقارنة مع السويد مثلاً التي سجلت رقماً مبهراً عند 8.49. وتعكس هذه الأرقام التسارع الأخير للعلمانية حول العالم، والذي يستدعي ردود أفعال عنيفة، عند الشعور بالتهديد، مثلما يحصل في حالة الفيلم الفرنسي اليوم، الذي يمكن قراءته من دون تشنج، كقصة واقعية عن علاقة البنات الصغيرات بمفهوم الأنوثة في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، مع الإشارة إلى أن القصة تتمحور حول انضمام الفتاة إيمي إلى فرقة رقص مع ثلاث فتيات صغيرات أخريات من سكان حيها، يقلدن فيها نجمات البوب العالميات.

وقالت مخرجة الفيلم ميمونة دوكوري في مقابلة مع "نتفليكس" أن الفيلم يضم عناصر من طفولتها الشخصية، في تصويره لنضالات إيمي بين نمطين مختلفين من الأنوثة: أحدهما تمليه القيم التقليدية لتنشئتها السنغالية والمسلمة، والآخر تمليه القيم السائدة في المجتمع الغربي. وأكملت: "أعدت تكوين الفتاة الصغيرة التي كنتها في ذلك العمر. نشأتي في ثقافتين مختلفتين هو ما منحني القوة والقيم التي أمتلكها اليوم". وأوضحت: "عندما كنت طفلة كان هوسي الوحيد هو كيف أصبح امرأة".

وأتت فكرة الفيلم حسب دوكوري من رؤيتها لمجموعة من الأطفال في سن الحادية عشرة، يؤدين رقصات شهوانية للغاية في أحد أحياء باريس. وأشعل ذلك فضولها لمعرفة شعور البنات في هذا العمر تجاه أنوثتهم في المجتمع المعاصر، وإن كان هنالك اختلاف عما عاشته هي شخصياً قبل عقود.

ويمكن القول أن القضية تجاه الفيلم تبدو أقرب للأخبار الكاذبة، حيث نشأت الإشاعة بأن الفيلم يتضمن لقطات إباحية خاصة بالأطفال في موقع "IMDP" لتقييم الأفلام من قبل الجمهور، وكان ذلك غلطة تم التراجع عنها وتصحيحها، حيث لا يتضمن الفيلم سوى لقطة عارية واحدة لامرأة بالغة ليست قاصراً. وبحسب مجلة "فوربس" فإن القضية دُفعت إلى صدارة النقاش الثقافي من قبل أنصار جماعة المؤامرة "QAnon" الذين يعتقدون أن الرئيس ترامب يحارب عصابة عالمية لجنس الأطفال، وتحولت بسرعة إلى قضية انتخابية في بلد منقسم على نفسه.

المثير للسخرية هنا، أن كثيرين ممن ينتقدون الفيلم لم يشاهدوه أصلاً، ولا يختلف في ذلك المغردون العرب عن أعضاء الكونغرس، الذين صرحوا بتلك الجزئية في تغريدات أو عبر بيانات مثلما فعل السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز: "بالطبع لم يشاهد السيد كروز فيلماً يصور الفتيات بشكل جنسي. كانت هنالك شكاوى عالمية من المحتوى على نطاق واسع. وليس هنالك مكان للجدال بهذا الخصوص... بغض النظر عن الهدف المزعوم للمخرجة".

وعلقت ناطقة باسم "نتفليكس" لوكالة "فرانس برس" أن الفيلم اجتماعي "ضد إضفاء طابع جنسي على الأطفال" حيث "يتناول الضغوط التي يشكلها المجتمع ككل، وشبكات التواصل الاجتماعي، على الفتيات الصغيرات" وأضافت: "ندعو جميع من يعتبرون أنفسهم معنيين بالقضايا، التي يطرحها هذا الفيلم، إلى مشاهدته".


وفي حالة العالم العربي، كانت غالبية التغريدات الغاضبة من "نتفليكس" تتحدث عن المثلية الجنسية حصراً، من دون أي إشارة للبيدوفيليا أو الفيلم الفرنسي، فيما تحدث آخرون عن موضوعات أخرى مثل المساواة الجندرية وحقوق المرأة. وفي أحد التعليقات قال مغردة أن "نتفليكس تتضمن أموراً أقذر من إباحية الأطفال"، وهي جملة مروعة لأنه لا يوجد حكماً ما هو أسوأ من الترويج للبيدوفيليا في حال وجودها، إلا أن التعليق يلخص ببساطة الاتجاه المحافظ في البلاد الإسلامية، التي تشكل الاستثناء ضمن اتجاهات التدين عالمياً.

وبقي سكان البلدان الـ18 ذات الغالبية المسلمة التي تتوافر عنها بيانات في رابطة مسح القيم العالمية، أقل بكثير من نقطة التحول، وظلوا متدينين بشدة وملتزمين بالحفاظ على الأعراف التقليدية المتعلقة بالجنس والخصوبة، وحتى في حالة السيطرة على التنمية الاقتصادية، تميل البلدان ذات الغالبية المسلمة إلى أن تكون أكثر تديناً وتحفظاً ثقافياً من المتوسط.

ولعل السؤال الأساسي هنا يتمحور حول هوية من يحاول تكريس مفاهيم الانغلاق في المنطقة، لأن المسألة تتخطى وجود حالات فردية ينشر فيها أشخاص معينون قناعاتهم الشخصية، إلى حقيقة تداخل السلطة الدينية مع السلطة السياسية لتوجيه الأفراد في المجتمعات العربية وفرض وصاية عليهم، فيما يتم التحكم بالدين من قبل السلطات الحاكمة الفاسدة في دول الشرق الأوسط، بموازاة استخدامه أيضاً كذريعة تعطي شرعية للسلطات الدكتاتورية التي تطرح نفسها أمام الجمهور المحلي كحارس للقيم والتقاليد والأخلاق، والتي من دونها تصبح السلطات الحاكمة غير مؤهلة للبقاء في السلطة مع فشلها في كافة جوانب الحياة العامة الأخرى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها