آخر تحديث:16:26(بيروت)
الخميس 10/09/2020
share

الهجوم على أنس مروة وأصالة المالح.. حقد طبقي؟

وليد بركسية | الخميس 10/09/2020
شارك المقال :
الهجوم على أنس مروة وأصالة المالح.. حقد طبقي؟
لا مشكلة بالتأكيد في السخرية من الشهيرين في عالم "يوتيوب" أنس مروة وأصالة المالح، أو توجيه انتقادات إليهما بالتبذير والسطحية. إلا أن توسع تلك المقاربات نحو تحميل الزوجين اللذين أنفقا مبلغ 95 ألف دولار أميركي لإضاءة برج خليفة في دبي من أجل معرفة جنس مولودهما، وزر مشاكل منطقة الشرق الأوسط المتراكمة التي تغرق في أزمات لا نهائية، هو مبالغة محكومة بالحقد الطبقي.

وحتى قبل الحديث بشكل موسع عن أن الشاب هو ابن المُعارِض هشام مروة، عضو الائتلاف السوري المعارض، كان هناك اتجاه عام لتحميل العائلة التي يتابعها في "يوتيوب" منذ العام 2016 نحو مليوني مشترك، وزر مشاكل المنطقة، حيث باتت العائلة سبباً في مآسي السوريين وتشرد السودانيين واستمرار أزمة الفلسطينيين وبكاء الأطفال اليمنيين، وغيرها من الأوصاف التي امتلأ بها "تويتر" و"فايسبوك" في تعليقات غاضبة.

وإن كان امتلاك المال بحد ذاته لا يشكل مشكلة خصوصاً أن العالم الذي نحيا فيه هو عالم مادي ولا يمكن لذلك أن يتغير، فإن رغبة بعض المعلقين بالانتقام من الأغنياء لمجرد امتلاكهم المال وإنفاقه بالطريقة التي يريدونها، مهما كانت تلك الطريقة سخيفة ومستفزة وغير مبررة لمن لا يمتلكون المال، تأتي صدامية. حيث عبّر كثيرون عن رغبتهم بإعدام الأغنياء فيما استذكر آخرون المقصلة أيام الثورة الفرنسية، كما تحدث البعض بأسلوب أقرب لخطاب الشيوعية البائد، الذي مجد الفقر كخاصية نبيلة بدلاً من العمل على نشر العدالة الاجتماعية.

والمثير للسخرية، أن تقارير إعلامية ذكرت أن العائلة لم تدفع فلساً واحداً من نفقتها الخاصة، بل كان الموضوع كله حملة إعلانية سددت تكاليفها شركة "أعمار" الإماراتية وبرج خليفة، ترويجاً ربماً للإمارة التي تجذب المسافرين والسياح من حول العالم، وتحاول أن تبني صورة ذهنية لها كمكان مستقر يرحب بالعائلات تحديداً في زمن غير مستقر من الناحية الاقتصادية. 


واللافت أن الأسئلة التي طرحت، لم تركز على مصدر المال مثلاً، بل قفزت فوراً إلى اتهامات بالفساد لاحقت هشام مروة، وخصوصاً من موالي النظام السوري الذين رأوا في المشهد تجسيداً لكذبة الثورة السورية حسب وصفهم، وبأنها كانت حركة قام بها "عملاء" تلقوا ملايين الدولارات من الدول الأجنبية مقابل خيانتهم حتى للمعارضين أنفسهم. أما المعارضون فعقدوا مقارنات بين "استهتار" مروة وما يقوم به أبناء عائلة الأسد ومخلوف عبر مواقع التواصل الاجتماعي من استفزاز للسوريين.

الفرق ربما أن عائلة الأسد ومخلوف احتكرت الثروة في سوريا طوال عقود، ومازال أفرادها يتحكمون بالسلطة، ما يجعل المقارنة غير منطقية، خصوصاً أن الشهرة في مواقع التواصل تدر أرباحاً كبيرة على المشاهير، وخصوصاً في المنطقة العربية التي مازال فيها هذا العالم أقل ازدحاماً مما هو عليه في أماكن أخرى، كالولايات المتحدة مثلاً.

وكان الأجدى ربما، توجيه مشاعر الظلم والاستفزاز نحو أسبابها الحقيقية، بدلاً من ممارسة وصاية أخلاقية على الأفراد ومطالبتهم بالشعور بمآسي الآخرين، فمن يتحمل مسؤولية تشرد الشعب السوري في مخيمات اللجوء وفقر السوريين وجوعهم في الداخل السوري هو نظام الأسد، وبالقياس فإن بقية الأنظمة السياسية العربية، التي تشكل كل منها ديكتاتورية بشكل أو بآخر، تتحمل مسؤولية مشاكلها المحلية. وليس من العبث بالتالي أن تكون كافة دول المنطقة تشهد اضطرابات بصورة احتجاجات تطالب بالإصلاح والعدالة الاجتماعية.

وفي سوريا التي تتركز حولها النقاشات، أشارت تقارير ذات صلة،  إلى أن هناك عدداً من الوجوه الجديدة باتت تملك الثروة في سوريا، وتقدم الدعم المالي للنظام، وتسهم في بقائه في الحكم بأساليب أسهمت في انهيار ما تبقى من اقتصاد البلاد، فيما تركت الحرب في البلاد الناس منقسمين بين أغنياء أو فقراء، وبات الأغنياء قلة تتربح من الحرب، وتدير اقتصاده الذي لم يعد سوى هيكل عظمي عما كان قبل الحرب، بموازاة تمزق النسيج الاجتماعي أيضاً. وفي مثل هذه الظروف فإن الفقير يزداد فقراً ويزداد الغني غنى، ما يفسر حجم الاستياء الشعبي من بذخ سوري آخر يعيش برفاهية في كندا.

ويعني ذلك أن الحرب قضت على الطبقة المتوسطة، وتوسعت الثغرة القائمة أصلاً، بين الفقير والغني داخل سوريا، حيث تعيش نسبة 80% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقدير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية. وتراجعت ميزانية سوريا من 60 مليار دولار قبل الحرب إلى 15 ملياراً العام 2016، كما أن الحرب والتجنيد واللجوء والموت شكلت عوامل قضت على القوة العاملة، ما أجبر الشركات على البحث عن عمالة، في الوقت الذي يواجه فيه أصحاب الأعمال مشكلات في انقطاع الطاقة، ومحاولات الدولة والميلشيات النافذة الحصول على أموال منها، كما أن التجارة الدولية توقفت بسبب العقوبات على النظام، فيما فاقم الفساد من الأزمة، حيث تصنف منظمة الشفافية العالمية، سوريا كثاني دولة فاسدة في العالم.

وإن كان ذلك كله مرتبطاً بالسوريين في الداخل، فإن السوريين خارج البلاد لا يعيشون ربما حالة أفضل، بعد فشل الثورة السورية في الوصول إلى أهدافها، وتحولها إلى صراع بأبعاد طائفية وطبقية متعددة. وقد يشكل الإحباط من فشل الثورة والعجز عن تصحيح مسارها نحو أهدافها النبيلة الأولى، منطلقاً للمبالغة في الاستياء، حيث أفضت للأسف إلى تشرد نحو 5.6 مليون سوري في المخيمات ودول الجوار في ظروف مأساوية لا يمكن لأحد أن يتخيلها، بدلاً من الوصول إلى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية مثلما كان الحلم قبل عشر سنوات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها