آخر تحديث:17:47(بيروت)
الإثنين 05/08/2019
share

أسماء الأسد.. اعترافات كيماوية وصورة بديلة للنظام

وليد بركسية | الإثنين 05/08/2019
شارك المقال :
أسماء الأسد.. اعترافات كيماوية وصورة بديلة للنظام
ركزت أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، في اطلالتها الاعلامية الاخيرة، على أسلوب القوة الناعمة الذي اعتمدته منذ العام 2000، وغيّرت به حينها دعاية النظام القديمة المباشرة والفجة. وفيما كانت "سيدة الياسمين" تعلن شفاءها من السرطان، اعتمدت أسلوباً مباشراً بشكل غير مألوف في خطابها، للتعليق على الواقع السياسي ومستقبل البلاد.


وتضمن ذلك بشكل لافت، حديث أسماء عن أن جولاتها الماضية مع أولادها الثلاثة، حافظ وزين وكريم، على عائلات الجرحى وقتلى جيش النظام، والذي فسرته بأنه إعداد وتحضير لهم لأدوارهم المستقبلية ضمن النظام. وإن كان ذلك معروفاً للجميع في سوريا، التي ورثها بشار عن والده حافظ، إلا أن الاعتراف بذلك في الشاشة الوطنية يشكل مرحلة متطورة في عجرفة النظام واعتداده بنفسه عطفاً على فكرة "انتصاره" في الحرب السورية.

ومنذ الإعلان عن إصابة أسماء بالسرطان العام الماضي، بدا وكأن النظام يستغل المرض بشكل قبيح للترويج لدعايته في أكثر لحظاتها ضعفاً على المستوى الجسدي، وبدت أسماء للحظة وكأنها ضحية لذلك النظام حتى وإن كانت جزءاً لا يتجزأ منه، من ناحية إجبارها على لعب دور دعائي لتلميع صورة زوجها الدموية، مثلما كان الحال منذ بداية الثورة السورية العام 2011. لكنها في المقابلة تلغي كل تلك الشكوك، لأنها كانت مقتنعة جداً بكل ما قامت به، وكأنها ضحية لنفسها فقط، وهو أمر منطقي في سياق حياتها، حيث أنها بزواجها بالأسد العام 2000، كانت تتخلى عن دورها كإمرأة بعيدة من مراكز النفوذ، وتنضم بقرار واع إلى عائلة الأسد.

ورغم أن هذه الفيديوهات والصور، "شخصية"، إلا أنها توثق حياة سوريا في ظل سنوات الحرب، بحسب وصف أسماء لها. ويعني ذلك كليشيهات النظام عن الصمود والتحدي في وجه المؤامرة الكونية. ومع وجود مرض أسماء، يصبح لتلك المعاني بُعداً شخصياً، خصوصاً أن الكثيرين اختبروا مرض السرطان بشكل شخصي أو في محيطهم العائلي، ما يجعل التماهي مع التجربة التي تعمم إلى مستوى وطني/سياسي، سهلاً.

ويتم هنا تمرير معلومات يشكك فيها كثيرون، أو على الاقل معلومات قديمة. فتقول أسماء في مقابلتها مثلاً أن علاجها من السرطان يلقي الضوء على تطور الطب في سوريا رغم الحصار والعقوبات و"الاستهداف الممنهج للكوادر الطبية"، وهي عبارة دقيقة ترد في كافة التقارير الحقوقية عن سوريا، عند الحديث عن قصف النظام للمستشفيات واستهدافه للأطباء بشكل خاص في مناطق المعارضة طوال سنوات الحرب. وقد يوضح هذا الاجتزاء الخبيث، كيفية صناعة دعاية النظام من ناحية لغوية على الأقل.

ورغم التحول في دور أسماء هذه المرة، إلا أنها تبقى لدعاية النظام الناعمة، فإعلان إصابتها بالسرطان بحد ذاته العام الماضي كان تجسيداً لهذا الدور، خصوصاً أن النظام مثلاً لم يعلن عن إصابة حافظ الأسد بالسرطان الذي أودى بحياته العام 2000. علماً أن هذا الانتقال والتعاقب والسلاسة التي يتسم بها تقديم البروباغندا الرسمية، يظهران خطورة النظام القابل للتطور، وهي خاصية تراكمية أظهرها النظام منذ وصوله للسلطة في انقلاب عسكري لحافظ الأسد العام 1970.

وفيما كان النظام متماسكاً على مستوى الخطاب الدبلوماسي بعد العام 2011، إلا أنه كان هشاً على مستوى الضخ للرأي العام عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي كانت منطقة جديدة بالنسبة إليه. وذلك سواء على صعيد مخاطبة الجمهور المحلي أو العالمي، أو مع تغيير التكنولوجيا لطبيعة تبادل المعلومات عن الأسلوب الذي اعتاده النظام في ثمانينيات القرن الماضي على سبيل المثال، حينما كان في الإمكان الاعتماد على التعتيم والإعلام الرسمي لخلق "حقائق" مزيفة. ويشكل الضخ الرسمي عبر السوشيال ميديا في مواقع التواصل الاجتماعي، مثالاً على ذلك التطور، وصولاً إلى الاستفادة من لقاء إعلامي لتقديم خطاب الانتصار على السرطان الذي يتمدد نحو "انتصار الدولة على الإرهاب" في وقت واحد.


ويجب القول هنا، أن المقاربة الموازية التي اعتمدها معلقون في السوشيال ميديا وأفادت بأن مقابلة أسماء الأسد حملت اعترافاً ضمنياً للمرة الأولى من شخصية رسمية في النظام، بارتكاب جرائم بالأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في البلاد، كانت بعيدة من المنطق تماماً، ولا تشكل في مجملها إلا تفكيراً بالتمني أو رؤية للواقع بعين حالمة لا أكثر.

ففي نهاية المقابلة التي بثها التلفزيون الرسمي وصفحات "رئاسة الجمهورية العربية السورية" في مواقع التواصل، بشكل متزامن مساء السبت الماضي، سألت المذيعة ليزا ديوب، التي عانت بنفسها من مرض السرطان قبل سنوات وتعافت منه، أسماء، عن رأيها بالتعليقات التي شمتت من مرضها وقالوا فيها "كي تذوق ما أذاقه زوجها للناس"، في إشارة رآها المعلقون حتمية لاستخدام السلاح الكيماوي باعتباره الرابط الوحيد في سياق الحديث مع العلاج الكيماوي المؤلم الذي يتلقاه أي مريض للسرطان، بما في ذلك أسماء، رغم الاختلافات العلمية بين العلاج الكيماوي وبين غاز السارين مثلاً، من ناحية التركيب وناحية الآثار على الجسد البشري.

ولم يأت جواب أسماء للسؤال استنكارياً أو استفهامياً عن المقصود بعبارة "ما فعله زوجها للناس"، بل تجاوزت أسماء السؤال، وتحولت إلى استراتيجية الهجوم الاستباقي بالقول أن كل من علق بشكل سلبي على مرضها هو خائن، وأنه لا يمكن تأمل أي شيء ممن باع أرضه ووطنه وحمل السلاح في وجه "أخوته السوريين"، وهو أسلوب كلاسيكي يعتمده زوجها بشار عند طرح أسئلة مشابهة له من طرف الإعلام الأجنبي.

إلى ذلك، حرصت أسماء، كعادتها، على لعب دور "سيدة الياسمين"، لدرجة ارتدائها فستاناً مطرزاً بزهور الياسمين، والتي تشكل نموذجاً في الكمال وقدوة للناس العاديين وكأنها كائن من مرتبة أسمى من "الوضيعين" المحيطين بها من عامة الشعب. ورغم أنه لا يمكن إغفال كمية التصنع في هذه الصورة الإعلامية لأسماء، إلا أن الموالين للنظام مازالوا ينظرون إليها بإعجاب.

وفي المقابلة، ركزت أسماء على فكرة التعاطف العام معها في أوساط المؤيدين. وهو تقدير لا يأتي من كونها "السيدة الأولى" فحسب، بل لأنها "فضّلت تلقي العلاج في الداخل السوري" بدلاً من "اللجوء للخارج"، في مقارنة مع اللاجئين السوريين بوصفهم ناكرين للجميل. وربما لا يتم التعبير عن تلك المقارنة بشكل صريح، إنما يمكن تلمّسها في الحوارات والتعليقات عموماً، على المقابلة وعلى إطلالات أسماء منذ إصابتها بالسرطان والصور والفيديوهات التي وثقتها لرحلة علاجها منه في "المستشفى العسكري" إلى جانب "جرحى الجيش السوري".

في ضوء ذلك، قد يكون شفاء أسماء من السرطان معكوساً، حيث تبدو في النهاية أكثر شراً من السرطان نفسه، والذي نجا منها بعكس مئات آلاف السوريين الذين قتلوا بسبب إجرام عائلتها ودموية زوجها، وبالتالي تبقى المطالبة بالمحاكمات العادلة لرموز النظام السوري، بمن فيهم أسماء الأسد، ضرورية، لتحقيق شيء من العدالة يوماً ما، مع غياب "العدالة الإلهية" التي يأمل بعض الرومانسيين في وجودها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها