آخر تحديث:20:01(بيروت)
الإثنين 27/05/2019
share

"عندما تشيخ الذئاب": الإسلام "الكول" في سوريا الأسد

وليد بركسية | الإثنين 27/05/2019
شارك المقال :
"عندما تشيخ الذئاب": الإسلام "الكول" في سوريا الأسد
يعود مسلسل "عندما تشيخ الذئاب" الذي تعرضه حصرياً وتشارك في إنتاجه، قناة "أبوظبي"، إلى فترة تسعينيات القرن الماضي لتحديد علاقة السوريين مع السلطة، بالتركيز على تجاذبات أجهزة المخابرات مع رجال الدين والمثقفين اليساريين والناس العاديين وسيطرة رجال الأمن على الفضاء العام في البلاد، ضمن شبكة معقدة تربط بينها المصالح والبحث عن النفوذ.


وتشكل شخصية الشيخ عبد الجليل الصراف (سلوم حداد) العنصر الأبرز في المسلسل المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأردني الفلسطيني جمال ناجي. وخلال الحلقات الأولى، يبدو الشيخ لطيفاً في تعامله مع الناس في الحارة الشعبية البسيطة، وكأنه رمز لشيوخ "الإسلام الكول" المضادين للتطرف والمروجين لفكرة أن العنف لا جذور له في الإسلام، إلا أن الحلقات تكشف تباعاً عن ماضٍ مظلم للشيخ يتم الحديث عنه بضبابية، عندما كان يحمل لقب "الجنزير" ويعتنق فكراً جهادياً خلال أحداث مدينة حماه في ثمانينيات القرن العشرين.


وتشكل أحداث حماه بالتحديد أحدث تحولات النظام السوري في توصيفه لـ"الإرهاب" في البلاد. فرغم أن المجزرة التي ارتكبها جيش النظام السوري العام 1982 في المدينة، كانت أساساً ضد حركة "الإخوان المسلمين" حينها، إلا أن المسلسل يصور المسألة معكوسة وكأنها عملية إرهابية أشرف عليها تنظيم "القاعدة" ليرد عليها الجيش السوري، ولا يتم ذكر اسم التنظيم بشكل صريح بل يستخدم تعبير "المجاهدون في أفغانستان"، والذين يتنقلون في دول الشرق الأوسط لإقامة الخلافة الإسلامية. لدرجة أن بعض العائدين إلى سوريا منهم في سياق الأحداث، يتحدث عن مخطط كبير في السنوات المقبلة، وكأنها إشارة إلى أن الثورة السورية هي نتيجة ذلك التخطيط طويل الأمد ضد "الدولة السورية العلمانية".

ووسط هذا التزوير للتاريخ، يشكل الشيخ عبد الجليل، نمط رجل الدين المرتبط مع السلطة، لأنه أدرك التحولات الحاصلة في البلاد وقرر القيام بتغييرات جذرية في سلوكه العام كرجل سياسي يلبس ثوب الدين، بحسب وصفه في إحدى الحلقات. 

ويرتبط الشيخ عبد الجليل بعلاقة مع رجل المخابرات أبو سامر (بشار إسماعيل)، الذي يعطيه التوجيهات والمكافآت على خدمته للدولة، بما في ذلك محاضرة طويلة عن قيم العلمانية، حيث توصف الدولة الأسدية بأنها دولة تحمي جميع الطوائف والمذاهب الدينية بما في ذلك اليهودية وحتى حق الفرد في الإلحاد، أما وظيفة رجل الدين فهي جعل التدين مسألة شخصية بدلاً من جعلها مسألة عامة.

وقد يكون ذلك القول نبيلاً لو كان صحيحاً على أرض الواقع، وليس مجرد شعارات تلمّع صورة سوريا الأسد كدولة طائفية، وهو جدل بات مكرراً ويدركه كل السوريون من خلال قانون الأحوال الشخصية مثلاً، كما أنه تفجر مؤخراً بعد المرسوم 16 الذي أعطى وزارة الأوقاف السورية صلاحيات غير مسبوقة.

والحال أن علاقة الشيخ بضابط المخابرات مذهلة في كمية التسامح التي تظهرها السلطة ضد إرهابي سابق يفترض أنه حمل السلاح في وجهها واعتقل لسنوات طويلة. ومن هنا يأتي اسم المسلسل ربما وفكرته العامة، ويصبح معنى "عندما تشيخ الذئاب" موازياً للحكمة التي يتحصل عليها أولئك الإرهابيون عندما يكبرون في السن ويدركون أن هناك طريقاً واحداً للحكم في سوريا ويجب التعايش معه، بحسب وصف الشيخ عبد الجليل نفسه، أو عندما يتخلون عن الإرهاب لصالح الصوفية كمذهب محبب كرسه النظام طوال عقود، وينسحب ذلك نحو الحاضر، حيث المصالحات التي أقامها النظام مع مسلحين في المعارضة السورية ومسلحين إسلاميين على حد سواء في مناطق متفرقة.

اللافت هنا أن هذه المعارضة الإسلاموية تبقى مقبولة لدى النظام مقارنة بالمعارضة اليسارية/الشيوعية أو المعارضة العلمانية التي تشكل تهديداً وجودياً له. فشخصية جبران (عابد فهد) وهو شيوعي سابق اعتقل لسنوات أيضاً، مازالت تعاني من ذلك الماضي الذي يدمر حتى حياة أقربائه وأصدقائه، وكأن امتلاك فكر سياسي عميق هو لعنة بحد ذاته لأنه يعري حقيقة النظام الشمولية، من دون أن يوجد في المسلسل حتى الأن إشارة لوجود تغير في تلك العلاقة مع السلطة على غرار الشيخ عبد الجليل.

ويمكن تلمس النقطة السابقة في الحاضر أيضاً، حيث يبقى المفكرون والإعلاميون والمعارضون السلميون مثلاً هم الأكثر اضطهاداً من طرف النظام، وتشكل معارضتهم "جريمة" لا يمكن التسامح معها، بينما أطلق النظام سراح المتطرفين والجهاديين من معتقلاته العام 2011 من أجل أسلمة الثورة ما يسهل عليه التعامل معها بوصفها إرهاباً، بدلاً من حقيقتها كحركة سلمية مطالبة بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

إلى ذلك، يرسم المسلسل صورة للمتشدد الإسلامي أو الإرهابي الصغير، عبر شخصية عمران (محمد حداقي)، والذي رغم اتباعه لأوامر الشيخ عبد الجليل عموماً، إلا أنه يظهر ميلاً للعنف من خلال ارتكابه لجريمة قتل بحق جاره السكير أبو فاروق (أيمن رضا)، ورغم أن الشيخ عبد الجليل يتستر عليه أمام الشرطة ويحرق له ثيابه الملطخة بالدماء التي تربطه بالجريمة النكراء، فإنه ينسب ذلك التطرف إلى "شيوخ خارجيين" من دون تحديد هويتهم أو مذهبهم، سواء كان القصد هو "الأخوان المسلمين" أو "شيوخ الوهابية السعودية" الذين يتم التعامل معهم في المسلسل وكأنهم شيء واحد، رغم أن ذلك ليس دقيقاً. وهو ما بالمقارنة التي وردت في خطاب رئيس النظام بشار الأسد مؤخراً خلال افتتاح "مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف" التابع لوزارة الأوقاف السورية.

وتظهر شخصية عمران مضطربة جداً، لكن كل مشاكلها تلقى على جهات خارجية، لا على رجال الدين المحليين ولا الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد في انتشار التطرف، والذي تتحمل الدولة نفسها مسؤوليتها عنه في النهاية. ويضاف إلى ذلك الكبت الجنسي الذي تعانيه شخصية عمران، والذي يظهر بوضوح في علاقته مع عفاف (رشا بلال)، وهي الزوجة الثانية للشيخ عبد الجليل التي يخدمها عمران من حين إلى آخر، ويحصل بينهما إعجاب متبادل عبر الأبواب المغلقة وحدود الخمار الأسود قبل أن يتطور إلى نزهات في الحدائق وتخيلات شهوانية يتم التلميح لها. وكأن "الحب" هو الحل السحري لإنهاء التطرف، أو أن الكبت هو دافعه الوحيد بوصفه سلوكاً بدائياً تحركه الغريزة فقط، ما يستوجب التحكم به عبر رجال الدين ضمن دائرة مغلقة ترسم علاقة السلطة بالفرد المسلم حصراً في الدولة الأسدية.

ويجب القول أن كثيراً من الحذف طاول المسلسل الذي كتبه حازم سليمان وأخرجه عامر فهد، بسبب الرقابة التي تفرضها شبكة "أبوظبي" على بعض المشاهد الدينية أو التي تحوي إيحاءات جنسية. كما أن العمل نفسه يغرق في الملل والإطالة بسبب الحوارات التقليدية والشخصيات الثانوية التي لا تشكل إضافة تذكر، علماً أن أجواء التسعينيات تبدو باهتة، كما أن أداء الممثلين كسلوم حداد وسمر سامي، مهما كان جيداً، لا يكفي لانتزاع الإعجاب أمام كل هذا الضخ من البروباغندا والتسييس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها