آخر تحديث:15:41(بيروت)
الثلاثاء 14/05/2019
share

"كونتاك": كوميديا النظام السوري تسخر من مواطنيها!

وليد بركسية | الثلاثاء 14/05/2019
شارك المقال :
"كونتاك": كوميديا النظام السوري تسخر من مواطنيها!
لا يقدم مسلسل "كونتاك" الذي تنتجه شركة "إيمار الشام" لرجل الأعمال المقرب من النظام، سامر فوز، أي مستوى درامي مميز. بل على العكس، يغرق المسلسل في الصور النمطية المعيبة، والتي تصور السوريين عموماً كمتخلفين وغير قادرين على مواكبة الحضارة البشرية، ما يجعلهم بحاجة مستمرة للحكم الديكاتاتوري.


ويزعم المسلسل الذي يفترض أن يقدم الكوميديا عبر لوحات منفصلة، يتكرر فيها من حين إلى آخر أبطال يسكنون في بناء واحد، أنه بعيد من السياسة وتداعيات الثورة السورية، لكنه يقدم وجهة نظر النظام السوري تجاه الأحداث التي حصلت في البلاد بعد العام 2011، وتحديداً من الناحية الاجتماعية، وتحميل مسؤولية كل المشاكل في سوريا للشعب السوري، وليس إلى السلطة ونظام الحكم السياسي نفسه، رغم كل ما يعانيه السوريون من ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية، خلقها النظام.

قدمت السلسلة على سبيل المثال، في الحلقة الخامسة، عدداً من اللوحات التي سخرت من اللاجئين السوريين في بلاد اللجوء الأوروبية، عبر تقديمهم كمهاجرين لأسباب اقتصادية لا إنسانية، لعدم وجود سبب آخر للجوء كالحرب وسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام وحلفاؤه لإخماد الثورة السورية. بالإضافة لتصويرهم كأشخاص خدعتهم مواقع التواصل الاجتماعي نحو تصديق "الحلم الأوروبي"، قبل أن يُصدموا بواقع الحياة الصارمة في أوروبا بوصفها "تمييزية" ومجحفة بحق الأجانب الذين لا يمكنهم أبداً الاندماج والعيش بصورة طبيعية.


وكان لافتاً أن اللاجئين في السلسلة هم نساء مع أطفالهن فقط، يحاولن الحصول على لمّ شمل لأزواجهن الموجودين في سوريا، مع التلميح بأنهم جبناء وعاطلون عن العمل وهاربون من الخدمة العسكرية. وفي الوقت نفسه، يُعطى انطباع بأن الزوجات يكرهن أزواجهن وبتن على وشك الخروج عن الطاعة الزوجية! والأسوأ من ذلك كله، تقديم اللاجئين كمتخلفين وهمج يمارسون الشعوذة ويضربون الأطفال ولا يحترمون القانون، ولا يفكرون إلا في الحصول على المساعدات الاجتماعية، ويقومون بنشر التخلف في المجتمعات الأوروبية!

في الحلقة نفسها، تم تقديم لوحة أخرى، تخيلت حصول لجوء عكسي، تستقبل فيه سوريا المستقرة اللاجئين من كافة أنحاء العالم، حيث تتم معاملة اللاجئين القادمين إليها بشيء من العنصرية والإذلال، من أجل تحقيق الاندماج، والذي يقضي بتعلم "العادات السورية الأصيلة" بقلّة النظافة والخروج عن القانون وعدم احترام الآخرين وغيرها، مع الوصول إلى نتيجة حتمية مفادها استحالة تحقيق الاندماج بسبب الخصوصية السورية.

ويجب القول أن كمية التحقير التي قدمتها هذه اللوحة تجاه السوريين، لا تصدق! فمن جهة، حُكم على السوريين بأنهم أسرى تلك العادات المفترضة، ومن جهة أخرى، ثمة حكم عكسي باستحالة اندماج اللاجئين السوريين في المجتمعات الأوروبية تحديداً، بسبب العادات نفسها التي يحملونها معهم في جيناتهم وباتت عبئاً على دول اللجوء. وبالتالي يكمن الحل في إعادتهم أو التضييق عليهم.

هذه المقاربة، وإن لم يتم البوح بها بشكل صريح، يمكن استشفافها بسهولة من السياق العام الذي تجري فيه الأحداث. وللوهلة الأولى، قد يعتقد المتابع أن السلسلة من إنتاج أحزاب يمينية متطرفة مثلاً، أو أنها لوحات ساخرة مثل تلك التي قدمتها تلفزيونات لبنانية تعادي اللاجئين السوريين خلال السنوات الماضية، وليست سلسلة سورية يتحدث فيها سوريون عن سوريين. علماً أن ذلك ليس مفاجئاً تماماً، بقدر ما هو معيب ومثير للاشمئزاز، بالنظر للمواقف السياسية لأصحاب السلسلة وتبعيتهم للنظام السوري بطريقة أو بأخرى.

إلى ذلك، تتواجد الصور النمطية تجاه اللاجئين، وتقع في بقية اللوحات التي تقدم قصصاً محلية. فالأبطال الثابتون أنفسهم، هم صور نمطية لسوريين من مناطق سورية مختلفة كحلب والسويداء وغيرها، لكن أولئك السوريين ليسوا متمدنين. بل هم ريفيون وساذجون وحمقى ويقاربون الهمجية، وما جمعهم في العاصمة دمشق هو "الإرهاب" فقط! كما أن الممثلين أنفسهم يستجرون صوراً نمطية من مسلسلات سابقة، وأبرز مثال هنا هو الأداء الذي يقدمه الممثل محمد حداقي والمستنسخ من سلسلة "الخربة" الكوميدية الشهيرة.

وربما يحاول أصحاب المسلسل هنا محاكاة تجارب سابقة بارزة في نمط اللوحات المتصلة المنفصلة. مثل سلسلة "مرايا" للممثل ياسر العظمة، أو سلسلة "بقعة ضوء". لكن المسلسل يفشل حتى في تقديم شيء من تنفيس الغضب الشعبي عبر النقد الساخر، مع توجيه اللوم فقط للمواطنين على كل ما يحصل في البلاد. علماً أن المسلسل من تأليف عدد من الكتّاب ومن إخراج حسام الرنتيسي، وتشارك في بطولته أسماء مثل أمل عرفة وأندريه سكاف وحسام تحسين بيك وغادة بشور وجمال العلي وبشار إسماعيل.

ومن اللافت أن الشركة المنتجة للعمل تُعتبر شقيقة لتلفزيون "لنا" الذي يمتلكه فوز أيضاً، وقدمت في عدد من برامجها المقاربة نفسها تجاه اللاجئين والسوريين، وبالتحديد في برنامج "منقدر" الساخر الذي يقدمه الممثل علي بوشناق. وتعمل هذه المنظومة ككل، على تكريس بروباغندا النظام السوري، وتقديم الدعاية الأسدية بصورة "أكثر حداثة" من تلك المقدمة في وسائل الإعلام الرسمية، مع الادعاء الكاذب بالاستقلالية والحيادية ومخاطبة كل السوريين بلغتهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها