الخميس 2015/09/17

آخر تحديث: 17:12 (بيروت)

"بي بي سي" في دمشق.. لغسل وجه النظام؟

الخميس 2015/09/17
"بي بي سي" في دمشق.. لغسل وجه النظام؟
رمزية التقرير: "صمود جيش النظام طوال أربع سنوات"
increase حجم الخط decrease
لا يُنظر الى التقرير الذي بثته قناة "بي بي سي" من دمشق، الا بوصفه تقريراً صادراً عن قناة حليفة لنظام الرئيس السوري بشار الاسد! فالمفردات الجدلية التي انتقاها مراسل القناة في العاصمة السورية جيريمي بوين، أراد منها تمرير رسائل سياسية، تظهر النظام على الشاشة البريطانية بمظهر المدافع عن الوطنية والمدنية في وجه خطر "المعارضة الجهادية الإرهابية".

يستقل بوين سيارة العقيد في الحرس الجمهوري السوري رامز سلطان، حيث يتجه الأخير إلى "العمل". ميدان العمل هنا، ليس هو جبهة القتال المهمة في ضاحية جوبر شرق العاصمة، والتي لم تهدأ فيها المعارك منذ نيسان/أبريل 2013 بين النظام السوري وقوات المعارضة.

التقرير المنشور في موقع الهيئة باللغتين العربية والانكليزية، أظهر جيش النظام بمظهر المدافع عن العاصمة أمام الهجمات البربرية للمعارضة "الجهادية"، وتحديداً في المقطع الذي نزل فيه بوين مع جنود من الحرس الجمهوري السوري إلى أحد الأنفاق العسكرية في منطقة جوبر التي ترمز في التقرير إلى "صمود جيش النظام طوال أربع سنوات"، بعكس التوقعات الغربية بانهياره السريع، وهي رسالة سياسية - إعلامية واضحة، تبرئ النظام من مسؤولية قتل المدنيين، بالتزامن مع تغيّر أجواء السياسة العالمية بخصوص الملف السوري.

على أن هذا التقرير، قد لا يتطابق مع سياسة لندن الرسمية حيال الازمة السورية. ولا يمكن الجزم بتغير السياسة البريطانية تجاه الملف السوري جذرياً. فتصريحات المسؤولين البريطانيين لم تختلف كثيراً سوى فيما يخص مسألة اللجوء السوري التي نقلت الأزمة السورية من مجرد كلمات في الصحف وصور على الشاشات، إلى عينات واقعية كأشخاص من لحم ودم يجوبون الشوارع الأوروبية بحثاً عن الأمان، وهو ما لا يمكن تجاهله سياسياً أمام الرأي العام المحلي في كل دولة على حدة، إضافة الى بروز تحديات تتعلق بالقومية والهوية الأوروبية والاقتصاد في أكثر من دولة منها بريطانيا، مما يستدعي تحركاً سياسياً لإيجاد حل جذري لأزمة اللجوء من مصدرها وليس بحلول مؤقتة على الأراضي الأوروبية.

في تقديمها للتقرير، تتحدث "بي بي سي" عن أسباب اللجوء السوري الأساسية متمثلة بالحرب والصراع على السلطة، وهو ما يتكرر في التقرير أيضاً لأسباب محلية تتعلق بالجدل الدائر في بريطانيا حول طريقة التعامل مع أزمة اللجوء السوري التي تضرب القارة الأوروبية ككل، ويظهر التقرير صور الجثث والموت والأطفال الجرحى والدمار ليبرر للبريطانيين أسباب اللجوء، دون إشارات إلى مرتكب هذه الفظائع. فالمهم إيجاد طريقة لوقفها بغض النظر عن المذنب.

يسأل بوين من ناحية أخلاقية: "ماذا يجب على بريطانيا أن تفعل؟" الجواب يأتي بانجليزية ركيكة من أحد المقاتلين في الجيش السوري بأن على بريطانيا وقف دعم الإرهاب والعمل من أجل إحياء الحل السياسي بالشراكة مع النظام، وهو ما يسخر منه المراسل بوين بلباقة في نهاية التقرير. ورغم ذلك، لا ينفي بوين بشكل قاطع تلك الأقاويل السورية بل يتركها معلقة بما ستأتي به الأيام مع تغير أجواء السياسة بشكل أكثر صراحة.

انحياز التحقيق، ازداد مع عرض مشاهد أرشيفية مأخوذة من "جيش الإسلام" بطريقة تظهر الثوار نوعاً من الجهاديين، مع تكرار توصيفهم بهذه الطريقة في المقابلات. وقد يرجع كل ذلك لصعوبة التغطية في الطرف المعارض من جهة، والمخاطر الأمنية المرافقة لبقاء بعثة إعلامية أجنبية في مناطق النظام من جهة أخرى، والشروط التي يفرضها النظام على العمل الإعلامي في مناطقه.

ترجمة التقرير إلى اللغة العربية، خففت بعض الشيء من صورة المعارضة الجهادية التي توجهت بها إلى الجمهور الناطق بالانكليزية، فحذفت الأصوات من فيديوهات جيش الإسلام وصيحات التكبير ومقابلة مع أحد الجنود، مع بعض المونتاج الإضافي. هنا تبدو "بي بي سي" على انها ترقص على الحبال بين جمهورها العربي ونظيره الغربي، محاولة إرضاء الطرفين معاً لإيصال رسالتها السياسية.

قدرة النظام على اختراق الإعلام العالمي، وضمان وجود أسماء تكتب لصالحه، ازدادت مع تقرير بوين، وإن كانت الأصوات المهللة للنظام والجيش "السوري العقائدي"، تأتي عادة من دول في أوروبا الشرقية وروسيا والبلقان، وبشكل أقل أوروبا الغربية، وهو ما يمكن تلمسه في وكالة "سانا" الرسمية التي تنشر بكثافة كل جملة تكتب في الصحافة الأجنبية لصالح النظام.

وكانت " بي بي سي" قد سحبت كافة مراسليها الأجانب من سوريا مع بداية الأزمة في البلاد، فيما اعتمدت على زيارة المراسلة غير المقيمة ليز دوسيت لصياغة 4 تقارير من دمشق بين العامين 2012 و 2013 بلهجة قريبة من خطاب النظام، كون الهيئة البريطانية لا تنشر أخبار التنسيقيات والأخبار المعارضة الأتية من السوشيال ميديا لاعتبارات مهنية تتعلق بالمصداقية من وجهة نظرها، وبذلك تشكل "سانا" مصدر المعلومات الأول للهيئة في ما يتعلق بالشأن السوري.

ويعتبر جيريمي بوين أحد أبرز مراسلي "بي بي سي" في الشرق الأوسط، ويشغل حالياً منصب كبير محرري الهيئة في مكاتب الشرق الأوسط، وأحد الصحافيين الأجانب القليلين المتمركزين في سوريا. وأجرى في شباط/فبراير الماضي لقاء مثيراً للجدل مع الرئيس السوري بشار الأسد حول الصراع في سوريا.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها