آخر تحديث:08:40(بيروت)
الجمعة 21/06/2013
share

حق العودة... ديجيتال

محمود عمر | الجمعة 21/06/2013
شارك المقال :
حق العودة... ديجيتال
 لا تدّخر الشركة العملاقة "غوغل" جهدًا في إيجاد موطئ قدم لها في "الأرض المقدّسة". المشروع ثلاثيّ الأبعاد الذي تنفذه "غوغل" في فلسطين ("المدن" 19-6-2013)، يجيء بعد شهر واحد على "اعتراف" الشركة بفلسطين باعتبارها دولة عضوا في الأمم المتحدة، وتغييرها عنوان واجهة موقع البحث الأوّل على الشبكة في نسخته الفلسطينيّة. في حينه، قال المتحدث باسم "غوغل" ناثان تايلر، في بيان له إنّه تم "تغيير مصطلح الأراضي الفلسطينية إلى اسم فلسطين منذ الأول من أيار ونحن بصدد التغيير نحو كلمة فلسطين في ما يتعلق بمنتجاتنا كافة". التصريح يعد الفلسطينيين، داخل فلسطين وخارجها، بمزيد من الحراك التقنيّ وينمّ عن قرار حاسم داخل الشركة بالتعامل مع فلسطين باعتبارها الدولة الرقم 194. 
 
هكذا إذاً، وفي خطوة متّسقة تماماً مع "مشروع الدولة" الجاري تنفيذه في الضفّة الغربيّة، أعلن المهندس سليمان الزهيري، وكيل وزارة الاتصالات الفلسطينيّة، عن اتفاق مشترك بين الوزارة وشركة الانترنت الرائدة "غوغل" سيتم بموجبه تصوير أربع مدن فلسطينيّة، هي رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم، بتقنية الأبعاد الثلاثة ورفع الصور على صفحة الشركة لتكون متاحة، مجانًا، لكلّ الراغبين في الاطلاع على عمران تلك المدن. 

الزهيري أكّد أن هذا المشروع يأتي في سياق الخدمات التسويقيّة التي تعمل "غوغل" على توفيرها لكلّ الأماكن الدينيّة والأثريّة حول العالم، وأنّه سيتيح لكلّ اللاجئين الفلسطينيين، على اختلاف أماكن تواجدهم، "الاطلاع على وطنهم وعلى التطور العمراني" الذي أُحدث فيه، في دلالة واضحة على الدور "الوطنيّ" الذي يراد للتقنية أن تلعبه في الأراضي الفلسطينيّة من ناحية، وفي محاولة طرح حلول ابداعيّة يكون فيها للأبعاد الثلاثة بُعد رابع هو البعد السياسيّ، من ناحية أخرى.
 
هذا الحراك التقنيّ الذي يبدو أنّ "غوغل" ستقوده، يأتي كتتويج لحراك بنيويّ سبقه تمثّل في تشذيب البنية التحتيّة الفلسطينيّة (إعادة إعمار مخيّم جنين مثالاً) وتقديمها باعتبارها جاهزة، أو تكاد، للشروع في تحديثات وتطويرات "طبيعيّة"، رغم كلّ ما هو غير طبيعي من احتلال وتبعيّة. الفرد الفلسطينيّ في رام الله أو في نابلس، هو العامل الأهمّ في هذه المعادلة: إعادة توليفه بكلّ الوسائل المتاحة، ومحاولة ربطه بالعالم الخارجيّ بشكل ينسى معه، أو يكاد، مشاكل ارتباطه بأرضه ومحيطه الباعث على الاغتراب. 
 
سيكون من الممكن، إذًا، للاجئ فلسطينيّ في لبنان أو تشيلي أن "يطّلع" على وطنه، أو على الأجزاء المسموح بها من وطنه، من شاشة حاسوب. ستكون لزواريب نابلس والخليل، تلك الزواريب التي كان لها ثقل استراتيجيّ وفوائد ميدانيّة في كل اشتباك مباشر مع قوات الاحتلال، سيكون لها حضور تقنيّ غاية في اللطف والسلميّة على صفحات الشبكة العنكبوتيّة. 
 
بداهة، كان للتقنية ولحضورها المبكّر في فلسطين إسهام بنّاء وفاعل، على صعيد الفرد وعلى صعيد الجماعة. الدخول واثق الخطى للشبكة العنكبوتيّة إلى المنازل الفلسطينيّة فتح الباب على العديد من الإمكانات والمساحات الجديدة التي يمكن فيها لعب دور يشتبك مع السياسة حينًا، ويدفع إلى التواصل والقفز فوق الواقع حينًا آخر. لكن التقنية المؤسساتيّة، والتطوير الرسميّ المرعي من قبل السلطة الفلسطينيّة يعمل في فضاء آخر، ولغايات مغايرة. 
 
مع مشروع "غوغل" الجديد، والذي سيجري إنجازه نهاية العام بالتعاون مع تشكيلة من البلديّات والمحافظات والمتطوعين، يمكن للمتابع استشراف مستقبلّ تقنيّ يقترب من الفانتازيا في الأرض التي تنخرها المستوطنات وتقطّعها الحواجز. إذا كان العام 2014 سيتيح للفلسطينيّ الاطلاع على عمارة بعض من وطنه عبر الانترنت، فربما حملت الأعوام المقبلة "حقّ عودة" تقنياً تعمل على انجازه شركات الاتصالات العظمى مع أولياء الحكم الذاتي الفلسطينيّ. حقّ عودة ديجيتال يتسلّم فيه اللاجئ نظارة سوداء وعصا قيادة كهربائيّة يستخدمها للتجول في قريته المهجرة... وكفى الله اللاجئين، في الداخل والخارج، شرّ الحقيقة... ربّما! 
 

شارك المقال :