الثلاثاء 2022/06/14

آخر تحديث: 10:13 (بيروت)

القضاة يهربون من ملف سلامة: لا تُدخِلونا في التجربة

الثلاثاء 2022/06/14 علي نور الدين
القضاة يهربون من ملف سلامة: لا تُدخِلونا في التجربة
لن يقتصر الادعاء على سلامة وشقيقه والمقربين، بل سيشمل مصارف لبنانيّة ومصرفيين كبار (علي علوش)
increase حجم الخط decrease

ما إن أحال النائب العام التمييزي غسّان عويدات ملف "رياض سلامة وشقيقه وآخرين" إلى النائب العام الاستئنافي في بيروت، زياد أبو حيدر، حتّى هام أبو حيدر على وجهه يوم الخميس الماضي، خائفًا ومتهرّبًا من طلب عويدات تحريك دعوى الحق العام بحق الأخوين سلامة وشركائهم. وبذلك، تمرّد أبو حيدر على تعليمات عويدات الذي طلب منه تكليف قاضي التحقيق الأوّل بمتابعة القضيّة، بعد الادعاء على جميع المتورطين في إحدى أكبر عمليّات الاختلاس التي حقق فيها القضاء اللبناني.

زياد أبو حيدر وعلي إبراهيم خائفان
أشهر أبو حيدر حججه وأعذاره للتملّص من هذه المهمّة، بل ولتفادي استلام الملف منذ البداية، ومنها حجّة "عدم اختصاص" النيابة العامّة الاستئنافيّة للتعامل مع هذه القضايا. تحت وطأة الخوف من الملف، تناسى أبو حيدر أنّ تحديد الاختصاص –حسب قانون أصول المحاكمات الجزائيّة- يقع ضمن صلاحيّات عويدات بوصفه النائب العام التمييزي، الذي يملك وحده حق إعطاء التوجيهات لقضاة النيابة العامّة، وتوزيع الملفّات عليهم وفقًا لما يقدّره من صلاحيّات لهم.

في بادئ الأمر، تريّث أبو حيدر محاولًا عدم استلام الملف، ثم اضطرّ إلى تسجيل الملف في قيود النيابة العامّة الاستئنافيّة، بعدما استشعر حجم المخالفة الجسيمة التي ينطوي عليها تمرّد بحجم رفض استلام ملف قضائي. ثم حاول أبو حيدر إرسال الملف إلى النائب العام المالي علي إبراهيم، لرمي جمرة الملف في أحضانه، لعلّ علي إبراهيم يوافق على تحريك دعوى الحق العام من جهته كنيابة عامّة ماليّة، بدل أن يضطر إلى تحريكها أبو حيدر من جهته كنيابة عامّة استئنافيّة. لكنّ علي إبراهيم رفض، وأعاد الملف كما هو إلى أبو حيدر. وبين أبو حيدر وعلي إبراهيم، كان من الواضح أنّ الجميع يهرب من ملف رياض سلامة، ولا أحد يريد المبادرة في اتجاه تقديم الادعاء بحقه.

لم يستغرب أحد في أروقة العدليّة تهرّب القاضي علي إبراهيم من استلام الملف. فمنذ البداية، أبلغ إبراهيم جميع من يعنيهم الأمر أنّه يفضّل الابتعاد عن التعامل مع هذه القضيّة، معلّلًا ذلك بالحسابات الطائفيّة التي يمكن أن يثيرها ادعاء قاضٍ شيعي بارز على حاكم مصرف لبنان، الذي يشغل منصباً مارونياً متقدّماً في النظام المالي. ثم أعطى إبراهيم تبريرات أخرى، منها عمله في هيئة التحقيق الخاصّة تحت إشراف حاكم مصرف لبنان نفسه، وهو ما سيخلق تضارباً في الصلاحيّات إذا وضع إبراهيم نفسه في موقع الادعاء على رياض سلامة. وبين هذه الحجة وتلك، كان بإمكان الجميع أن يستشعر حرج إبراهيم من مرجعيّته السياسيّة الأولى، نبيه برّي، الذي ما زال حتّى اللحظة يفضّل عدم السير بعيدًا في الضغط على سلامة، قبل التفاهم على بديل لا "يجلس في أحضان جبران باسيل".

أبو حيدر يطلب التنحّي بحجج واهية
بحلول يوم أمس الاثنين، وبعد أن وجد أبو حيدر أنّه لا يملك قدرة الهروب من تسلّم الملف، وبعد أن رفض إبراهيم استلام الملف منه، لم يملك الرجل ما يفعله سوى تقديم طلب التنحّي عن النظر في القضيّة. حجّة أبو حيدر الأساسيّة لطلب التنحّي كانت إعطاءه رأياً مسبقاً في الملف، حين اعتبر نفسه غير مختص في النظر فيه، وهو ما اعتبره سبباً كافياً "لاستشعار الحرج" من التعامل مع القضيّة.

في واقع الأمر، تشير جميع المصادر القضائيّة إلى أنّ حجّة أبو حيدر لا تبرّر مطلقًا تنحّياً من هذا النوع، إذ أن عويدات لم يطلب من أبو حيدر تقدير اختصاصه في القضيّة، ليُعتبر موقفه من الاختصاص "رأياً مسبقاً"، بل طلب منه تقديم الادعاء على رياض سلامة وشركائه حسب القرائن الموجودة. أمّا مسألة تقدير الاختصاص، فلا علاقة لها بمهمّة أبو حيدر ولا برأيه السابق أو اللاحق، بل هي من مسؤوليّة عويدات وحده، وقد بتّ عويدات أساسًا بهذه المسألة حين أحال الملف إلى أبو حيدر واعتبر القضيّة من اختصاصه.

ما بعد تنحي أبو حيدر
هكذا، وبين حسابات علي إبراهيم واجتهادات أبو حيدر، دخل الملف شبكةً من التعقيدات، التي يُفترض أن تبدأ بمعالجة مسألة طلب التنحّي. الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف في بيروت القاضي حبيب رزق الله استلم طلب التنحّي، وأحاله إلى الغرفة المدنيّة للنظر بأحقيّة هذا الطلب. وفي حال رأت محكمة الاستئناف أن الطلب غير محق، سيُعاد الملف لأبو حيدر ليستكمل إجراءاته من حيث انتهت. أمّا إذا وافقت المحكمة على طلب التنحّي، وأبقت الملف في الوقت نفسه لدى النيابة العامّة الاستئنافيّة، فمن المفترض أن يُحال الملف إلى المحامي العام الاستئنافي الأعلى درجة بين زملائه في النيابة العامّة، وهو في هذه الحالة القاضي رجا حاموش.

وإذا تم تكليف حاموش بهذه المهمّة، فستكون هذه المرّة الثانية التي يكون فيها هذا القاضي على تماس مع الملف. فخلال شهر كانون الثاني الماضي، كلّف عويدات القاضي حاموش بمرافقة القاضي جان طنّوس في رحلة إلى باريس، للمشاركة في مؤتمر قضائي دولي، حضره محققون من النيابات العامّة الأوروبيّة التي فتحت تحقيقات بارتكابات حاكم مصرف لبنان. وبينما كان من المفترض أن يمثّل حاموش عويدات في هذه المهمّة، المخصصة لتبادل المعلومات المرتبطة بهذه الملف، أُلغيت مشاركة القاضيين حاموش وطنّوس في المؤتمر، نتيجة تحفّظ الأوروبيين على إضافة عويدات لإسم حاموش في الوفد اللبناني في اللحظات الأخيرة قبل المؤتمر.

زخم الضغط الخارجي
في جميع الحالات، بات واضحاً أن زخم الملف القضائي الموجود لدى النيابة العامّة الاستئنافيّة في بيروت نابع أساسًا من الضغط الخارجي، وتحديدًا الأوروبي، الذي فرض خلال الفترة الماضية تسليم داتا رجا سلامة المصرفيّة للقضاء اللبناني، ثم فرض طلب عويدات الادعاء على رياض سلامة وشركائه. وحسب المعلومات التي قدّمها عويدات للرئيسين عون وميقاتي، لن يقتصر الادعاء في الملف على حاكم مصرف لبنان وشقيقه والحلقة المحيطة به، بل سيشمل مصارف لبنانيّة ومصرفيين كبار سهّلوا عمليّات تبييض الأموال التي قام بها الحاكم، انطلاقًا من النظام المصرفي اللبناني نفسه.

في خلاصة الأمر، لن يكون من السهل على أي قاضٍ الوقوف في وجه تقدّم الملف القضائي خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا أن الأجهزة القضائيّة الأوروبيّة التي تحقق في الملف ستعتبر أي عرقلة قضائيّة محليّة بمثابة تواطؤ ضمني مع المشتبه بهم في هذا الملف. ولعلّ هذا الضغط الخارجي الذي يدفع باتجاه المحاسبة الجديّة والصارمة، في مقابل بعض الحصانات المحليّة التي مازال يحظى بها حاكم مصرف لبنان، هو تحديدًا ما دفع قضاة كعلي إبراهيم وزياد أبي حيدر للهروب من التعامل مع هذا الملف. فهؤلاء القضاة، لن يرغبوا حكمًا بتحدّي ولاة الأمر من السياسيين المحليين، لتحقيق المحاسبة التي تدفع باتجاهها بقوة بعض الأطراف الخارجيّة.

هكذا تحوّل ملف رياض سلامة إلى كرة نار لا يرغب كثيرون بالإمساك بها، لكنّها قد تحط في النهاية بين أيدي قضاة قد يستفيدون من الضغط الخارجي لتحقيق قدر ما من العدالة في هذا الملف. هكذا فعل جان طنّوس الذي سمح للملف ببلوغ هذه المرحلة المتقدمة، من خلال الإصرار على المضي بتحقيقاته الأوليّة خلال المرحلة السابقة.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها