آخر تحديث:15:45(بيروت)
الثلاثاء 15/09/2020
share

برّي وماكرون ومصير لبنان: "المالية" أهم من الحكومة

علي نور | الثلاثاء 15/09/2020
شارك المقال :
برّي وماكرون ومصير لبنان: "المالية" أهم من الحكومة كل العناوين والملفات المتعلقة بمستقبل لبنان تتصل بوزارة المالية (عباس سلمان)

كانت وزارة الماليّة دائماً مدار التجاذبات المتعلّقة بتشكيل الحكومة الجديدة، وتحديداً بعدما شهر رئيس مجلس النواب شعار "الميثاقيّة" في وجه كل محاولة لإخراج هذه الوزارة من دائرة نفوذه. وعمليّاً، بات واضحاً أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن التجاذب لا يتعلّق بالميثاقيّة فعلاً، بل بشبكة كبيرة من المصالح والاستحقاقات التي تتعلّق بدور هذه الوزارة تحديداً في الفترة المقبلة. وخصوصاً أن جميع وزراء الماليّة بين سنوات 1992 و2014، أي على مدى 22 سنة بعد اتفاق الطائف، لم يكونوا من الشيعة، ولم يعتبر أحد في تلك السنوات أنّ ثمّة انتقاصاً من ميثاقية الحكومات التي شكلت.

مكمن الصراع الفعلي
الصراع على الماليّة، هو فعليّاً صراع على ملفات تقع تحت وصاية هذه الوزارة تحديداً. وهي ملفّات يملك وزير المال القدرة على تعطيلها أو تحريكها، حسب مشيئة المرجعيّة السياسيّة التي يعود إليها. ونظراً للتحديات والإشكاليّات الماليّة التي ستواجه الحكومة المقبلة، يمكن القول إن هذه الملفّات توازي بأهميّتها كل ما يمكن أن تعمل عليه الحكومة من ملفّات أخرى. ويمكننا القول إن هذه الوزارة ستكون بحجم حكومة في مجلس الوزراء الجديد:

من خطة الإصلاح الحكومي، إلى مصير حاكميّة مصرف لبنان، ومشروع قانون الكابيتال كونترول، وصولاً إلى التدقيق الجنائي في مصرف لبنان. وهذه كلها ملفات تقع ضمن دائرة صلاحيات وزارة الماليّة، ويملك الرئيس برّي أولويات واضحة فيها، لا بل لعب دوراً كبيراً في تعطيلها أو تحريكها وفقاً لحسابات خاصّة، طوال الأشهر الماضية.

في المقابل، لا يرغب رئيس الحكومة المكلّف، ومن خلفه الفرنسيون، بوضع الوزارة تحت سطوة شخصيّة تعود بقرارها إلى عين التينة، مع كل ما يعنيه ذلك من منح برّي حق الفيتو في كل ما يتصل بمسار المعالجات الماليّة والاقتصاديّة. في اختصار، إن حصول بري على الماليّة، يجعل رؤية الفرنسيين للمشهد المالي بأسره رهينة شخصيّة سياسيّة واحدة، شخصيّة لم تلعب دوراً إيجابيّاً في كل ما يتعلّق بملف المعالجات الماليّة، طوال توزير غازي وزني في الماليّة. والأمثلة على ذلك عديدة.

الكابيتال كونترول
كان وزني في حكومة حسّان دياب، هو من حمل مسودة مرسوم مشروع قانون الكابيتال كونترول إلى مجلس الوزراء بحماسة. وبعد أسابيع، سحب مسودّة مشروع القانون عن طاولة مجلس الوزراء، قائلاً بلسانه: "مرجعيتي السياسيّة ترفض الفكرة". وبما أن الملف يقع ضمن صلاحيات وزير الماليّة، ولا يمكن السير به بلا موافقته، طارت فكرة مرسوم مشروع القانون في مجلس الوزراء. وحتّى محاولات تمريره في مجلس النواب مباشرة، لم تنجح، بعدما تبيّن أن الملف ينطوي على تعقيدات تقنيّة، لا يمكن للجنة المال والموازنة أن تتعامل معها، بمعزل عن جيش الاستشاريين الذي يعملون في أروقة وزارة الماليّة والسرايا الحكومية.

لذلك نام موضوع الكابيتال كونترول أشهراً طويلة، بين الحكومة التي باتت أسيرة رفض وزير الماليّة وغضّه النظر عن الفكرة، ولجنة المال والموازنة التي ظلّت تنتظر إعادة طرح الملف في مرسوم مشروع قانون تقدمه الحكومة، جزءاً من خطة ماليّة كاملة.

وحين عبّر وزير الماليّة عن معارضة مرجعيّته السياسيّة للفكرة، كان ينطق بصوت برّي عالي النبرة في وجه مبدأ الكابيتال كونترول، فبلغت المسألة حد "الترحّم عليه"، كما ترحّم اللبنانيون على "الهيركات". ومنذ ذلك الوقت، خسرت البلاد ما يقارب 6 مليار دولار من احتياطات مصرف لبنان، التي لم تذهب إلى دعم استيراد السلع الحيويّة، لعدم وجود قانون واضح ينظّم الضوابط على السيولة المتبقية في النظام المصرفي، ويمنع الاستنسابيّة في منحها لبعض النافذين.

عمليّاً، لا مهرب في الفترة المقبلة من إعادة إيقاظ مسودة مشروع القانون في مجلس الوزراء. ولو أن السيف سبق العزل وخسرت البلاد ما خسرته من احتياطات مصرف لبنان. فالمانحون الدوليون لن يقدموا على منح لبنان أي قروض أو مساعدات، من دون قانون كابيتال كونترول، يضمن عدم تهريب دولارات القروض أو المساعدات من النظام المالي في الفترة المقبلة، على نحو تهريبها السابق من احتياطات مصرف لبنان.

وهويّة وزير الماليّة هي التي ستحدد شكل مسودة مشروع القانون التي ستُطرح أمام مجلس الوزراء، وتحديداً شمولها بعض التفاصيل التقنيّة التي يطالب بها صندوق النقد اليوم، كتوحيد أسعار الصرف مثلاً، وخصوصاً أن وزير الماليّة هو من يفترض أن يطرح المسودة الأولى من مشروع القانون على الحكومة. وهو من يفترض أن يشرف على مسار تعديل المسودّة، وصولاً إلى التوقيع على مرسوم إحالتها إلى المجلس النيابي.

التدقيق الجنائي
وبات معلوماً من الذي أُفرغ مسار التدقيق الجنائي في ميزانيات المصرف المركزي من جوهره: وزراء الثنائي الشيعي الذين شهروا الفيتو في وجه شركة كرول المتخصصة في هذا النوع التدقيق. وذلك لصالح توقيع عقد مع شركة غير متخصصة، ومن دون تذليل العقبات القانونيّة التي تمنعها من تجاوز حجاب السريّة المصرفيّة. ولعب وزير الماليّة تحديداً دوراً مفصليّاً في صوغ العقد واختيار الشركة والتفاوض معها، وخصوصاً أن وزارة الماليّة تملك الوصاية على كل ما يتعلّق بالمصرف المركزي والتدقيق في أرقامه.

وبعد أسابيع تكون الحكومة المقبلة على موعد مع استحقاق مفصلي، عقب إنجاز شركة التدقيق تقريرها الأولي. وسيكون على مجلس الوزراء درس إمكان الذهاب إلى تدقيق أكثر تفصيلاً في أرقام المصرف المركزي، في ضوء استنتاجات التقرير الأولي. ويكون على مجلس الوزراء أن يحدد كيفيّة إيجاد المخارج القانونيّة التي تسمح بتخطي حواجز السريّة المصرفيّة، التي قد تحول دون إجراء هذا التدقيق المفصّل.

تلعب وزير الماليّة دوراً محوريّاً في هذا المسار كله. فهي تقترح هذه الخطوات، وتعمل على تنفيذها. وذلك لأن وزير المالية هو الوصي على المصرف المركزي، تماماً كما لعب وزير الماليّة في الحكومة المستقيلة دوراً محورياً في الوصول إلى التدقيق الأولي بصيغته الحاليّة.

أما الهاجس الأكبر، فيكمن في إمكان لعب عين التينة دوراً سلبياً، قد يعيق هذه الخطوات كلها، إذا ظلّت وزارة الماليّة من حصّتها الوزاريّة. وكانت تحفظات الثنائي الشيعي على شركة كرول، وطريقة صياغة وزني عقد التدقيق مع الفاريز إند مرسال، يوحيان بحصول هذه العرقلة. فيما يعتبر الفرنسيون ومن خلفهم صندوق النقد الدولي، أن التدقيق في ميزانيات المصرف المركزي، هو الخطوة التي لا يمكن تجاوزها، قبل الحصول على أي دعم مالي من جهات خارجيّة.

مصير الحاكميّة والخطة الماليّة
بعد دخول البلاد في المسار المالي الذي وضعته فرنسا للحكومة الجديدة، لم يعد واضحاً مصير حاكم مصرف لبنان. لكن إذا استقال الحاكم، أو في حال إقالته بعد إثبات خلل في واجباته الوظيفيّة، حسب قانون النقد والتسليف، يمتلك وزير الماليّة وحده صلاحيّة اقتراح إسم الحاكم الجديد.

بمعنى آخر، وبمعزل عن التوازنات داخل مجلس الوزراء، يمكن لوزير الماليّة وحده وضع فيتو على أي اسم يمكن ترشيحه للحاكميّة، بمجرّد عدم اقتراح الاسم الذي يريده. وفي كل حال، يكون على مجلس الوزراء المرور بوزير الماليّة، قبل الدخول في أي مسار يهدف إلى محاسبة حاكم مصرف لبنان الحالي أو إقالته. فوزارة الماليّة هي الوزارة المختصّة بالإشراف على أداء مصرف لبنان ومراقبته. في هذه الأمور كلها، يتوجّس الجميع من موقف برّي وطريقة تعامله مع حاكم مصرف لبنان، في حال ظلّت وزارة الماليّة ضمن حصّة حركة أمل في الحكومة، وخصوصاً أن رئيس المجلس النيابي هو من أمّن الغطاء لرياض سلامة في مواجهته مع العهد ورئيس الحكومة المستقيلة.  

من ناحية أخرى، ستكون وزارة الماليّة هي الوزارة المشرفة على ملف التفاوض مع المصارف، في ما يتعلّق بالصيغة النهائيّة للخطة الحكومة. كما ستكون وزارة الماليّة هي الوزارة المسؤولة عن ملف التفاوض مع صندوق النقد الدولي، إضافة إلى التفاهم مع الدائنين الدوليين الآخريين. هذه الملفات كلها، ستحدد طريقة توزيع الخسائر على الأطراف المختلفة: من نسبة الحسم من سندات الخزينة، إلى الخسائر التي سيتم تحميلها إلى رساميل مصرف لبنان، وصولاً إلى الخسائر التي تُحمّل لميزانيات المصارف التجاريّة.

صراع المصالح والنفوذ
في المحصّلة، من البديهي أن يحرص رئيس مجلس النواب على الحافظ على وزارة الماليّة. وطريقة تعامله مع الملفات التي تقع ضمن نطاق مهام الوزارة، توحي بأنّه يمتلك أولويات واضحة يسعى إلى تحقيقها. وهذ ما بدا في تغطيته حاكم مصرف لبنان، وفي تليين التدقيق الجنائي وفرملة الكابيتال كونترول، وإبطاء عجلة الخطة الماليّة، في انتظار الإطاحة بها في لجنة المال الموازنة.

في المقابل، من الطبيعي أن يتوجّس رئيس الحكومة المكلّف، ومعه الفرنسيون، من دور برّي إذا تمكّن من الاحتفاظ بالوزارة. والفرنسيون يملكون نظرة شاملة لهذه الملفات، وهم بالتأكيد لا يرغبون إبقاء مسار المعالجات الماليّة في قبضة رئيس المجلس النيابي، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من إمكان إطاحته برؤيتهم للمعالجة المالية.

في الواقع، يصبح تخوّف الفرنسيين ورئيس الحكومة المكلّف مفهوماً، إذا علمنا أن أولوياتهم تنسجم مع أولويات صندوق النقد، الذي يصر على إنجاز التدقيق الجنائي، وفتح ملفات المصرف المركزي، وإقرار الكابيتال كونترول، بالسرعة القصوى، وصولاً إلى إنجاز الخطة الماليّة بأرقام دقيقة، تحدد الخسائر بشفافية ووضوح.

ببساطة، المسألة ليست مسألة ميثاقيّة، بل مسألة صراع مصالح متصلة بمستقبل القطاع المالي والمستفيدين منه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها