آخر تحديث:16:55(بيروت)
الإثنين 05/10/2020
share

انكشاف أسباب الإفلاس: "كذبة" المصارف وأداء الحكومة وحزب الله

علي نور | الإثنين 05/10/2020
شارك المقال :
انكشاف أسباب الإفلاس: "كذبة" المصارف وأداء الحكومة وحزب الله إعادة بناء الدولة واقتصادها ينبغي أن ينطلق من وجود سلطة ذات سيادة (عزيز طاهر)

من الأوهام التي سادت منذ حصول الانهيار المالي في تشرين الأوّل من العام الماضي، والتي سعت جمعيّة المصارف لتسويقها إعلاميّاً بشتّى الطرق، مقولة أنّ المصارف اللبنانيّة تعثّرت بفعل تخلّف الدولة عن سداد ديونها، وأن عودة الانتظام إلى الماليّة العامّة اليوم، واستعادة الدولة لملاءتها الائتمانيّة وقدرتها على سداد الديون، كفيلان بمعالجة الانهيار المالي الحاصل.

الخبير المالي توفيق كاسبار قدّم في دراسة حديثة نشرها "بيت المستقبل" بعنوان "الانهيار المالي في لبنان" مجموعة من الأرقام التي كانت كفيلة بنسف هذا الوهم. مثبتاً أن الانهيار الحاصل في القطاع المالي نتج عن قرارات وممارسات تتحمّل مسؤوليّتها المصارف ومصرف لبنان حصراً، وبمعزل عن حجم وتعثّر الدين الحكومي ومسار تمويله. لا بل أثبت كاسبار أن الدولة هي التي مدّت المصرف المركزي بالسيولة بالعملة الصعبة، لا العكس.

في المقابل، ووفقاً للدراسة نفسها، تتحمّل السياسات الحكوميّة مسؤوليّة الانهيار الحاصل اليوم في سعر صرف الليرة، نتيجة السلوك السياسي والاقتصادي غير المسبوق. أما أبرز ما في الموضوع، فهو تطرّق كاسبار لمسائل محليّة حسّاسة، كدور حزب الله في المعادلة السياسيّة المحليّة مثلاً، وعلاقة نفوذه وتأثيره الداخلي بالكثير من التطوّرات الماليّة والاقتصاديّة السلبيّة خلال السنوات الماضيّة. باختصار، قدّم كاسبار توزيعاً للمسؤوليات بين أطراف عديدة: من المصارف إلى مصرف لبنان والحكومة وسياساتها وصولاً إلى الطرف الأقوى في المعادلة السياسيّة المحليّة، أي حزب الله، فيما حدد القدر الذي حمّله كل طرف لفاتورة الإنهيار المالي.

سياسة المصارف ومصرف لبنان
بين عامي 1984 و1988، شهدت الليرة اللبنانيّة هبوط في سعر صرفها بأكثر من 98 في المئة، ومع ذلك لم يشهد القطاع المالي أو النظام المصرفي في البلاد أي تدهور أو انهيار. بل على العكس، حافظت المصارف اللبنانيّة طوال تلك السنوات على ملاءتها وسيولتها، واستمرّت بالعمل من دون فرض أي قيود على سيولة مودعيها. بمعنى آخر، وبمعزل عن أسباب انهيار سعر الصرف اليوم، لم يكن من الضروري أن يصاحب هذا الانهيار اليوم انهيار موازٍ في النظام المصرفي. وهو ما يعني أنّ لانهيار القطاع المصرفي اليوم أسبابه الخاصّة، والتي تُعنى بالقرارات التي جرى اتخاذها في مجالس إدارات المصارف وفي مصرف لبنان.

للعودة إلى هذه الأسباب، يعود كاسبار إلى السنوات الأربعة الأخيرة، عارضاً تطوّر توظيفات المصارف في مصرف لبنان، والتي ارتفعت تدريجيّاً من 37.5 مليار دولار في 2015 إلى نحو 86 مليار دولار في أيلول 2019. وهو ما رفع نسبة هذه التوظيفات من إجمالي الودائع التي تلقتها من 38 في المئة إلى 70 في المئة. في المقابل، وبينما كانت إلتزامات مصرف لبنان لمصلحة المصارف تتراكم وتتضخّم طوال هذه السنوات، كان إجمالي احتياطاته من العملات الصعبة ينخفض في آخر سنتين، من 42 مليار دولار سنة 2017، إلى نحو 32 مليار دولار في شهر أيلول من سنة 2019.

باختصار، كان القطاع المالي، أي مصرف لبنان والمصارف التجاريّة معاً، يدخل في أخطر وضع يمكن أن يتجه إليه: كانت سيولة المصارف الفعليّة في الخارج تتراجع على نحو مخيف، في مقابل تضخّم توظيفاتها في مصرف لبنان، طمعاً بالفوائد المرتفعة التي كان يعرضها المصرف المركزي لسحب سيولتها بالعملات الأجنبيّة. وفي المقابل أيضاً، كان مصرف لبنان يراكم الديون المتوجبة عليه لمصلحة المصارف بالعملات الأجنبيّة، بينما كانت تقل بين يديه ما تبقى من احتياطات بهذه العملات. في الخلاصة، كان صافي احتياطات النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان، أي الفارق بين موجوداته والتزاماته بهذه العملات، يتراجع من عجز مقدّر بـ1.9 مليار دولار سنة 2015، إلى عجز هائل ومخيف مقدّر بـ55.5 مليار دولار في أيلول من العام 2019. هذا المشهد، بحد ذاته، مثّل التمهيد الطبيعي للخراب الذي شهدناه لاحقاً في القطاع المالي.

الهندسات والفوائد السخيّة
في كل هذا المسار، كان المصرف المركزي يصرّ على الاستمرار في السياسة نفسها، أي عرض الفوائد السخيّة والهندسات والعمليات الاستثنائيّة لتكديس الدولارات بحوزته، بمعزل عن كلفة هذه السياسة، في محاولة للاستمرار بالدفاع عن سعر الصرف الرسمي، ولتعويض خروج الأموال الناتج عن العجوزات المتتالية في ميزان المدفوعات، الذي يلخّص صافي التبادلات الماليّة بين لبنان والخارج. أما النتيجة، فكانت تبديد أموال الودائع في كل هذا المسار، خلال فترة السنوات الأربعة التي توسّع فيها المصرف المركزي في هذا النوع من العمليات، فيما ظهرت للعيان حقيقة هذه التطوّرات بعد حصول الانهيار في النظام المالي في تشرين الأول من العام 2019.

عمليّاً، يطرح كاسبار البديل عن كل هذه السياسات، والذي يتمثّل بالخطوات ذاتها التي اتخذها المصرف المركزي سنة 1987. ففي تلك الفترة، ومع بلوغ احتياطات مصرف لبنان مستويات حسّاسة، امتنع مصرف لبنان عن التدخّل في سوق القطع بشكل تام، وهو ما أدّى إلى حصول بعض الانخفاض الملحوظ في سعر صرف الليرة. لكنّ النظام المالي في تلك الفترة ظلّ متيناً، ولم يخسر قدرته على استقطاب السيولة. وسرعان ما عادت البلاد لتشهد انتعاشاً في النمو الاقتصادي في السنة اللاحقة. ولو أن مصرف لبنان لم يعمد منذ أربع سنوات إلى إطلاق الهندسات الماليّة والعمليات الاستثنائيّة المكلفة، ولو أن المصارف لم تسارع إلى التورّط بهذه العمليات، لكان النظام المالي قد نجا اليوم، ولربما كان يعمل بكامل طاقته ومن دون قيود على سيولة مودعيه.

أما في ما يتعلّق بأسطورة تعثّر مصرف لبنان، وبالتالي المصارف التي سلّفته، بسبب تمويل الدولة، فالدراسة تحتسب صافي التبادلات الماليّة بالدولار الأميركي بين مصرف لبنان والدولة، علماً أن السبب الأساسي لتعثّر القطاع المالي اليوم يتعلّق تحديداً بالسيولة بالعملات الأجنبيّة. وتشير الدراسة إلى بعض العمليّات التي كان المصرف المركزي يبادل فيها سندات الدين بالليرة اللبنانيّة التي يملكها بسندات يوروبوند جديدة مقوّمة بالدولار تصدرها وزارة الماليّة، والتي مثّلت مصدراً أساسياً من مصادر السيولة بالدولار الأميركي بالنسبة إلى مصرف لبنان، كونه كان يعمل طوال الفترة الماضية على بيع سندات اليوروبوند لاحقاً في السوق. ومع احتساب قيمة السيولة الناتجة عن هذه العمليّات التي تجاوزت 17.5 مليار دولار، مقارنةً بكل ما حصلت عليه الدولة من سيولة بالعملة الأجنبيّة من مصرف لبنان، تكون الخلاصة أن الدولة هي التي موّلت مصرف لبنان بالسيولة بالعملات الأجنبيّة لا العكس.

السياسات الحكوميّة وحزب الله
يرتبط انهيار سعر صرف العملة بأسبابه الخاصّة، وفي مقدّمها السياسات الاقتصاديّة التي انتهجتها الحكومات في لبنان، وهو ما يمكن تلمّسه من مؤشّرات كعجز ميزان المدفوعات وعجز الموازنة، وهي مؤشرات تثبت أن البلاد كانت تنتهج نمطاً اقتصادياً يفوق إمكاناتها وإنتاجها. وعملياً، تشدد الدراسة على نمط الاستدانة الذي اتبعه لبنان، والذي ركّز على مراكمة الديون لتمويل النفقات الجارية، أي الفوائد والأجور والمنافع المرتبطة بها، في حين أن القاعدة الاقتصاديّة الذهبيّة تقتضي حصر الاستدانة بالحالات التي تتطلّب تمويل الاستثمارات الرأسماليّة، كالبنية التحتيّة مثلاً.

في المقابل، تذكر الدراسة دور حزب الله على الساحة المحليّة السياسيّة، وأثره في توتير علاقات البلاد مع الدول الخليجيّة، وهو ما أدّى إلى تراجع التدفقات الماليّة من دول الخليج العربي. وبالتالي، تعميق أزمة ميزان المدفوعات. وفي خلاصة الدراسة، يعتبر كاسبار أن نقطة البداية في مسار إعادة بناء الدولة واقتصادها، ينبغي أن ينطلق من وجود سلطة ذات سيادة، وهو ما يتنافى مع وجود الحزب كمجموعة مسلحّة تمتلك مرجعيتها الإقليميّة الخاصّة.

من المؤكّد أن جوانب الأزمة الماليّة والنقديّة في البلاد تتشابك من عدة جوانب. فانهيار القطاع المالي مثلاً، أدّى إلى تعثّر الدولة نتيجة فقدان مصدر السيولة المحلّي، الذي كان يسمح لها بالاستدانة عند الحاجة. كما أدّى إلى فقدان قدرة البلاد على استقطاب المزيد من الدولارات إلى نظامها المالي. لكنّ ما أثبتته الأرقام التي قدّمها كاسبار، هو أن القطاع المالي كان يراكم طوال السنوات الماضية أسباب التعثّر الخاصّة به، بمعزل عن عوامل تراكم الدين العام وتعثّر الدولة. وبالتالي، لا يوجد ما يدعم من الناحية العلميّة كل ما تحاول أن تقوم به جمعيّة المصارف، من ربط الانهيار وتداعياته بإفلاس الدولة، في محاولة للتملّص من تحمّل أي جزء من كلفة هذا الانهيار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها