آخر تحديث:19:54(بيروت)
الخميس 24/10/2019
share

خدعة "رفع السريّة المصرفيّة": أموال السياسيين موجودة خارج لبنان

علي نور | الخميس 24/10/2019
شارك المقال :
خدعة "رفع السريّة المصرفيّة": أموال السياسيين موجودة خارج لبنان أي جهد للمحاسبة مشروط بتغيير السلطة (علي علّوش)

لوّح رئيس الجمهوريّة في بداية جلسة الوزراء الأخيرة برفع السريّة المصرفيّة عن حسابات المسؤولين اللبنانيين، مقدّماً هذا الطرح كبديل عن تعميم تهمة الفساد على جميع المشاركين في الحكم. وفي الواقع، تتكرّر الإشارة إلى رفع السريّة المصرفيّة بوصفها حل سحري لمسألة الإثراء غير المشروع لدى السياسيّين، وتأمين شرط الشفافيّة المطلوبة، وهو ما ظهر مثلاً في إعلان ميقاتي استعداده لرفع السريّة المصرفيّة عن حساباته للإفصاح عن مصادر ثروته، وللتأكيد على نزاهتها عن أي مصدر من مصادر الإثراء غير المشروع.

لائحة سويسرية
إنما عملياً، ثمّة ثغرات كبيرة تجعل من رفع السرية المصرفية أقرب إلى الشفافيّة الوهميّة، غير القادرة على تحقيق أي من الأهداف التي يتم ربطها عادةً بها. فرفع السريّة المصرفيّة في لبنان لا يكشف فعليّاً الجزء الأكبر من الأموال السائلة الناتجة عن أنشطة الإثراء غير المشروع، والتي تذهب عادةً إلى حسابات خاصّة في سويسرا والجنّات الضريبيّة حول العالم. وهذا ما كشفته في السنوات الماضية جميع التسريبات التي أظهرت كمّاً هائلاً من الأموال المملوكة من السياسيين اللبنانيّين في هذه الدول.

فعلى سبيل المثال، تضمّنت تسريبات سويس ليكس عام 2015 قائمة بمئة ألف حساب مصرفي في الفرع السويسري لبنك "أتش أس بي سي"، يستعمل أصحابها نظام السريّة المصرفيّة المعمول به هناك للتهرّب الضريبي، وإخفاء مصادر الأموال المودعة. وفي هذه القائمة، حلّ لبنان في المرتبة 12، حيث ناهز الرصيد الإجمالي للعملاء اللبنانيين في هذه القائمة الـ5.8 مليار دولار، بينما بلغ رصيد أكبر حساب مملوك من شخص واحد على صلة بلبنان 236.6 مليون دولار. وقد تضمّنت اللائحة المذكورة أسماء كبيرة معروفة على الساحة اللبنانيّة مثل آل المر والوزير السابق محمد الصفدي والوزير السابق جورج أفرام والوزير سليم جريصاتي.

استحالة التعقب
وحتّى في ما يتعلّق بالأموال السائلة داخل الأراضي اللبنانيّة، فالتجربة تكشف أنّ كبار المسؤولين قلّما يقومون بإيداع الجزء الأكبر من الأموال الناتجة عن أنشطة غير مشروعة تحت أسمائهم الخاصّة. إذ عادةً ما يتم تنظيم هذه الأنشطة تحت أسماء شركات مملوكة من شركاء آخرين، إمّا من عائلاتهم أو من موظّفيهم، بينما يتم تنظيم عمليّة التحكّم بها من خلال شبكة من الوكالات الخاصّة غير قابلة للعزل. وفي هذه الحالات، لا يمكن لرفع السريّة المصرفيّة للحسابات المملوكة مباشرةً من السياسيين أن يكشف وجود هذه الأموال أو أن يتعقّب حركتها. وعمليّاً، يتركّز الجزء الأكبر من هذه الثروات في ممتلكات غير منقولة مثل العقارات، أو أسهم "لحامله" في الشركات، وهو ما لا يمكن تعقّبة من خلال رفع السريّة المصرفيّة أو تعقّب الحسابات المصرفيّة فقط.

وهكذا، بينما تسيطر اليوم شعارات رفع السريّة المصرفيّة عن حسابات المسؤولين، وبعدها استعادة الأموال المنهوبة، تبدو الأمور معقّدة أكثر على المستوى العملي. إذ يملك المستفيدون من الأنشطة غير المشروعة هامشاً واسعاً للمناورة وإخفاء الثروات، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الأموال اللبنانيّة السائلة جرى نقلها خلال سنوات الأزمة الاقتصاديّة إلى مصارف في الخارج، خوفاً من الضغوط الماليّة القاسية التي كان يتعرّض لها النظام المالي في لبنان خلال هذه السنوات. بينما قام جزء آخر من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة بتحويل الأموال إلى إستثمارات تجاريّة خارج النظام المصرفي وخارج لبنان للأسباب نفسها.

"حاميها حراميها"
في المحصّلة، يمكن القول أن هناك تبسيطاً كبيراً لمسألة المحاسبة، حين يتم ربط استعادة الأموال المنهوبة بقانون يعالج الموضوع من زاوية رفع السريّة المصرفيّة. خصوصاً أن أقطاب السلطة السياسيّة القائمة والتي ستشرف على هذه العمليّة هم أنفسهم المستفيدون النهائيون من أنشطة الإثراء غير المشروع. وبالتالي، فأن آليّات تعقّب الأموال التي سيختارونها ستحتوي الثغرات التي يحتاجها المرتكبون للتهرّب من المحاسبة. وهكذا، فإن أي جهد للمحاسبة لا بد أن يمر حكماً بتحوّل على مستوى الممسكين بالقرار السياسي، قبل أن يتم تطبيق أي آليّة للمحاسبة وتتبّع أموال الإثراء غير المشروع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها