آخر تحديث:19:24(بيروت)
الإثنين 02/04/2018
share

فخامة الرئيس..البطالة قسرية وليست انتقائية

عصام الجردي | الإثنين 02/04/2018
شارك المقال :

"900 ألف فرصة عمل سيوفرها برنامج اعمار البنية التحتية" على ما قال رئيس الحكومة سعد الحريري. البرنامج سيحمله الوفد اللبناني الى مؤتمر سيدر1 في باريس في محاولة للحصول على قروض ميسرة لتمويل البرنامج. سننسى أن رئيس الحكومة زفّ هذه البشرى الى اللبنانيين لمناسبة انتخابية في منزل رئيس الحكومة السابق تمّام سلام. رئيس الجمهورية ميشال عون كان أبلغ وفد نقابة الصحافة زاره في بعبدا إن البطالة ارتفعت في شكل مخيف لتبلغ 46 %. والسبب على ما قال لأن "اللبناني انتقائي في اختيار الوظائف التي يريدها، لذا يأتي العامل السوري ويحل محله بأجر أدنى".

من الأخير نبدأ. 46% بطالة من القادرين على العمل ولا يجدوه. هكذا يحتسب مؤشر البطالة. وهو بالتأكيد ليس من مجموع اللبنانيين. لو احتسبنا الأطفال والعجزة والمرضى والملتحقين بالمدارس والجامعات والمعاهد المهنية وغيرهم من المصنفين خارج سوق العمل، لبات من هم على عاتق الـ46% العاطلين من العمل من أسر وأفراد، يتجاوز أكثر من نصف تعداد اللبنانيين. رقم مرعب حقاً وليس مخيفاً فحسب. مع ذلك، لم يتوقف أحد عنده. لا مجلس الوزراء خصص جلسة واحدة للنظر في هذه القضية. ولا تبنّى القضية حزب من أحزاب السلطة أو من خارجها. الكل غارق في تبادل النقائص ينسبها الى خصومه في معركة الانتخابات النيابية، ويكيل المدائح الى نفسه وحزبه وتياره. ويستخف المرشحون بجمهور الناخبين. وهو في الضرورة من النصف العاطل من العمل. فقط لأن هذا الجمهور ليس حصراً من طائفة معينة أو مذهب بذاته. فالزرع في التربة الاقتصادية والاجتماعية لا ينبت غرساً ولا جنى. وجمهور العاطلين من العمل نفسه يتجاهل معاناته اليومية، وعوزه وأوَد أسرته، ليستجيب غرائز المرشحين الطائفية والمذهبية. ويتهيأ ليقترع لبؤسه من جديد، بأمل دخول الجنة على جوع. والداعون اليها مدججون بالنعمة ويرفلون بالسعادة. والزمرد والياقوت في البناصر والخناصر والثوب الموشّى.

"اللبناني انتقائي في اختيار الوظائف". قالها أيضاً رؤساء جمهورية سابقون. ومسؤولون آخرون ما انفكوا يرددون هذه المقولة بدلاً من التصدي لها. عن أي انتقائية نتحدث؟ لو اقتربت هذه المقولة من الواقع بشيء، تقترب من بين خيارين لا ثالث لهما. إما العمل بأجور مخفوضة ومياومة بلا حقوق في تثبيت العمل، ومن الاجازات الأسبوعية والسنوية والانتساب الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتزام 8 ساعات دوام عمل، وإما بطالة. هذا حال سوق العمل في لبنان منذ سنوات. ولا يعوز المسؤول دليل. هي الشمس في رابعة النهار. ليطلب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء تقريراً من الأجهزة المعنية. كل وزراء العمل، ولا نستثني واحداً شركاء في هذه الأزمة الخطيرة.

قطاعات واسعة وغير محدودة من الأعمال والاستثمارات تفرط في استخدام العمالة الأجنبية، رغم الضرر الكبير الذي باتت تخلفه على الاقتصاد الكلي وعلى نزف الموارد البشرية والمالية والنقدية. لم يعد جائزاً مقاربة هذه القضية من جانب فرصة العمل فحسب، في اقتصاد من نمو عاثر، وخزانة فارغة، وعملة تحت الضغط المتواصل. وقد بات الجميع الآن شعباً وكيان دولة في سفينة تثبيت سعر الصرف واقتصاد الريوع. سوق العمل متفلتة بالكامل من الضبط واللوائح التنظيمية والرقابة. وأي خطط للنمو من شأنها مع نزف الموارد والعملات الأجنبية أن تأتي منقوصة من القيمة المضافة الحقيقية. تضاف الى ذلك الأعمال التي أسسها أصحاب عمل سوريون في لبنان بعد 2011، ولا تخضع للضرائب ولا تستخدم أجراء لبنانيين، وتتوفر لها خدمات الكهرباء والمياه وخلافها. وتقوم بممارسة منافسة غير متكافئة بالضرورة مع مؤسسات لبنانية مسجلة بحسب الأصول. وهذا العبء لا علاقة له بأزمة النازحين من سوريا وبأوضاعهم الانسانية المزرية.

أصحاب الأعمال اللبنانيون يدركون مدى الأذى بالاقتصاد نتيجة تغليب العقلية المركنتيلية القائمة على الربح الظرفي. فيتربحون أيضاً من استغلال العمالة السورية بجور وظلامة. مع الاشارة الى أن متوسط أجور العمالة السورية هي فوق الحد الأدنى للأجور. وقد تقفز الى نحو ألف دولار أميركي شهرياً، لو احتسبنا بدل عمل الحرفيين وأصحاب المهن المتصلة بقطاع الاعمار، والصيانة المنزلية، والانشاءات الداخلية. نتحدث عن حرفيي المهن التقليدية. من تبليط وكهرباء ودهان ونجارة وألمينيوم  وتوريق الجدران وغيرها. لا يتوفر عامل سوري في هذه الحرف دون 50 دولاراً اميركياً يومياً. وملتزمو الأشغال اللبنانيون وشركات الاعمار النظامية المسجلة، والمطورون العقاريون يستخدمون الحرفيين السوريين لانجاز الأعمال الخارجية والداخلية. خلا ما تتطلبه الأعمال الهندسية والاستشارية التي يعمل فيها لبنانيون. هكذا الحال في تجارة التجزئة ومؤسساتها وفي التعاونيات والمخازن الكبرى. وكلاء العلامات التجارية (Brands) المعروفة دولياً، باتوا يؤثرون عمالة غير لبنانية. الصناعة من زمان في المكان نفسه.

قطاع بيع الخضار والفاكهة مسيطر عليه بالكامل من  العمالة السورية. الزراعة والقطاف وأعمال التعبئة والتغليف. وصولا الى قطاع الشحن والنقل الخارجي. بالاضافة الى قطاع النقل المدني المخترق. قطاع السياحة والفنادق والمطاعم. جمعيات أصحاب الأعمال ومعها الهيئات الاقتصادية تطبق صمتاً على هذه القضية. تكتفي ببيانات وتصريحات لا تنفك تطالب بخفض الضرائب، وبحوافز من الخزانة الخاوية. وهي على علم بمحركي الاقتصاد والنمو القائمين على الاستثمار والاستهلاك. الاستثمار نضُب. والاستهلاك ذو صلة بفرص العمل والدخل يعاد تدويره في الاقتصاد والنمو. التدفقات النقدية من الخارج باهتة. وميزان المدفوعات عاجز. بينما لا أحد يعلم حجم الدفق المعاكس من العمالة الأجنبية الى الخارج. ولا يقتصر على العمالة السورية. بل والمصرية والآسيوية والأفريقية. هنا تنشط وزارة العمل في زواريب اجازات عمل الأجانب، وملف مكاتب استقدام العمالة الفضائحي المحمي من سياسيين ووزراء عمل سابقين. اذا شاء رئيس الجمهورية ووزير العدل، والنائب العام التمييزي والمدعي العام المالي اعتبار الكلام إخباراً فليفعلوا. جاهزون.

لا نعلم مصدر رقم البطالة الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية. لكنه يحاكي ما نشهده واقعاً. لا توجد دراسة حديثة عن القوى العاملة يركن اليها. قد نحتاج قبل ذلك الى دراسة وطنية لتعداد السكان. وتعداد المقيمين أيضاً. ليس لحاجة سوق العمل فقط. بل لبناء قاعدة احصائية رصينة لاستراتيجيات البلد في السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة والتعليم والغذاء. وفي الأمن والأمان. ولبناء حاجات البنية التحتية والخِدمية المطروحة على مؤتمر سيدر1 في باريس.

نقول لفخامة رئيسنا: البطالة قسرية وقهرية في لبنان وللبنان. وليست انتقائية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها