آخر تحديث:14:31(بيروت)
الأربعاء 24/05/2017
share

رياض سلامة: صاعق في قنبلة

علي نور | الأربعاء 24/05/2017
شارك المقال :
رياض سلامة: صاعق في قنبلة تلطيف صورة رياض سلامة (Getty)

جدد مجلس الوزراء، في جلسة 24 أيار 2017، لرياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان. وهي المرة الخامسة منذ العام 1993. وتظل سياساته وخططه محل جدال دائم على الساحة الإقتصاديّة اللبنانيّة. في هذه المناسبة قابلت "المدن" 4 إقتصاديين للوقوف عند نظرتهم إلى حاكم المصرف المركزي ورؤيته الإقتصاديّة.

بشير الخوري: هدوء سلامة يعطي ثقة
ذاع صيت رياض سلامة في سوق الأسهم بين رجال الأعمال العرب منذ عمله في شركة ميريل لانش الماليّة الأميركيّة، التي دخلها إثر تخرّجه من الجامعة الأميركيّة في بيروت، حيث كان مسؤولاً في الشركة عن شراء الأسهم وبيعها. ومع نشوء علاقة عمل بينه وبين الرئيس رفيق الحريري، حاز إعجاب الحريري واحترامه، إلى أن عرض إسمه كحاكم للمصرف المركزي في العام 1993.

يتحدّث أستاذ علوم الإقتصاد في الجامعة اليسوعيّة بشير الخوري عن مؤهّلات سلامة الشخصيّة، التي تبدأ برأيه من الهدوء الذي يميّز شخصيّته. ففي أصعب الظروف وفي فترات التخوّف، كان لدى سلامة قدرة على استعاب الأمور برويّة، وهي صفة إيجابيّة فيه تعطي الثقة. وإمتلك ثقة المؤسسات الدوليّة والعربيّة بفضل سمعته، بالإضافة إلى علاقاته المتينة معها وفي الميدان السياسي.

وعن إنطلاقة سلامة في التسعينات، لا يعتقد الخوري أنّ بإمكاننا القول إن سياساته كانت مجرّد الوجه النقدي لسياسات الحريري الإقتصاديّة. لكن "ربّما كان ذلك في البداية فقط". ففي رأيه تمكّن سلامة من فرض نظرته إلى الأمور، وفي النهاية استطاع أن يقوم بعمله جيّداً على صعيد تحقيق الإستقرار المالي والحد من التضخّم، وهي سياسة أي مصرف مركزي.

يتحفّظ الخوري على بعض سياسات سلامة التي تركّزت على دعم السوق العقارية. فـ"لبنان يعاني منذ زمن من إقتصاد ريعي وغير منتج، وهذه السياسات تعزّز هذا الإقتصاد الريعي". ويذكّر بأن السوق العقارية لا تخلق فرص عمل بشكل مستدام، وهي لا تحقق ما نحتاج إليه للعبور نحو تحوّل بنيوي باتجاه إقتصاد أكثر إنتاجيّة. إلا أنّه يشير من جهة أخرى، إلى أهميّة رزم الحوافز المختلفة التي عمل سلامة عليها منذ زمن، وكان لها فضل كبير في النمو الإقتصادي.

حسن مقلّد: وضعيتنا النقديّة احتاجت إلى شخص مثل سلامة
ينطلق الخبير الإقتصادي ورئيس تحرير مجلة "الإعمار والإقتصاد" حسن مقلّد من "الوضعيّة النقديّة الضاغطة في لبنان"، ليشرح الظروف التي استوجبت بقاء رياض سلامة بمؤهّلاته في حاكميّة مصرف لبنان. وتنطلق هذه الوضعيّة، في رأيه، من عدم وجود سوق إقتصادية أو دورة إقتصاديّة طبيعيّة في لبنان، وإنكشافه على المحيط والعالم بشكل غير طبيعي، خصوصاً في ظلّ وجوده في منطقة تشهد زلزالاً منذ أكثر من سبع سنوات.

"هذا الضغط الكبير الذي يواجهه لبنان إحتاج إلى شخص يمكنه التعاطي معه ولديه التجربة مثل سلامة". يضيف مقلّد عاملاً آخر يعزّز هذا الضغط النقدي يتمثّل في "العقوبات الماليّة التي تهدّد لبنان، وهي عقوبات من عيار أوسع وأعمق بكثير من كل العقوبات السابقة. لذلك، نحتاج إلى شخص قادر على التعاطي معها بطريقة معيّنة مثل سلامة".

وبدايةً من سياسات سلامة النقديّة، يتحدّث مقلّد عن طريقة تعاطيه مع الوضع المالي والنقدي الصعب، في العام الماضي، من خلال الهندسات الماليّة. فالهندسات جاءت في ظرف تجلى فيه الوضع الضاغط في ميزان المدفوعات، الذي شهد للسنة الثالثة على التوالي عجزاً تراكمياً بلغ 3,750 مليون دولار، و"أي شخص يعرف طبيعة تركيبة البلد المالية يدرك أنّ هذا مؤشّر خطير جدّاً".

هكذا، تمكّن سلامة، وفق مقلّد، من خلال هذه الهندسات من عكس هذا العجز ليسجّل ميزان المدفوعات فائضاً بقيمة 1,700 مليون دولار، واستطاع من خلالها من "إدخال نحو 13 مليار دولار إلى لبنان وزيادة إحتياطي المصرف المركزي إلى مستوى غير مسبوق هو 52 مليار دولار". وفي رأي مقلّد، "علينا أن نسأل اليوم عما كان يمكن أن يحدث لولا هذه الهندسات الماليّة".

أمّا في الشق المتعلّق بطريقة تعاطي سلامة مع مسألة العقوبات الماليّة، فيشرح مقلّد تجربة لبنان مع العقوبات الماليّة الأميركيّة السابقة منذ سنتين، إذ تم وضع آليّة داخل مصرف لبنان "أرضت الأميركيين الذين إعتبروا أنّ مضمون القانون تم تطبيقه، بينما شكّلت هذه الآليّة نجاحاً للبنان حيث لم تتأثّر البيئة المحيطة بحزب الله بهذه العقوبات". يعزّز هذا المثال، وفق مقلّد، حاجة القطاع المصرفي إلى شخص قادر تقنيّاً وفنيّاً على استنباط طرق للتعاطي مع هذا النوع من العقوبات، كما يملك الصدقيّة في التعاطي مع الأطراف الدوليّة.

كمال حمدان: سلامة صاعق في قنبلة
يختلف الخبير الإقتصادي ورئيس مؤسسة البحوث والإستشارات كمال حمدان مع مقلّد في توصيفه لوجود سلامة وسياساته، حيث يختار كلماته بعناية، فيشبّهه بـ"صاعق في قنبلة من القنابل، إذا سحبته تنفجر القنبلة. وإذا أبقيت عليه، فأقصى ما يمكن أن تتأمّله هو تأجيل الإنفجار".

وهذا الإنفجار إذا حصل "سيطال فئات اجتماعيّة مختلفة، خصوصاً المتوسّطة والفقيرة التي تعتاش في ظل ثبات نسبي للأسعار". ويذكّر حمدان بالفترة بين عامي 1987 و1994 حيث كان يصل معدّل التضخّم السنوي إلى 110%، أي أنّ القدرة الشرائيّة للأجور كانت تنخفض بمعدّل النصف كل سنة. "والناس يخافون من هذا الكابوس، خصوصاً أنّ الدولة اللبنانيّة ربطت معها عبر شبكة من المصالح الصغيرة مئات ألاف اللبنانيين".

بالتالي، اللبنانيّون مضطرّون بالنسبة إلى موضوع الإستقرار النقدي ومركز حاكم المصرف المركزي، إلى أن "يسلّموا بالعشرة، وأن لا يجازفوا". ويختصر حمدان الوضع بالنسبة إلى بقاء سلامة في مركزه بـ"ليس بالإمكان أفضل ممّا كان، ومكرهٌ أخاك لا بطل".

وعن تشبيه سلامة بالصاعق مؤجّل الإنفجار، يستطرد حمدان: "لنتذكّر أن كلّ هدف الهندسات الماليّة المكلفة جدّاً (فوق الـ5 مليار دولار) كان تأجيل الأزمة لسنة أو سنة ونصف، وشراء الوقت". وعن دور سلامة في التعاطي مع ملف العقوبات، يذكّر حمدان أن سلامة "يعرف اللعبة اللبنانيّة جيّداً، وهو أحد صنّاعها. وأعتقد أن الأطراف اللبنانيّة المعنيّة بالعقوبات تحاول أن تجد في شخص رياض سلامة ملطّفاً لنتائج الأزمة".

غسّان ديبا: سلامة يمثّل مصالح الرأسمال الريعي
يعتبر الخبير الإقتصادي ورئيس قسم الإقتصاد في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة غسّان ديبة أن سلامة مثّل خلال المرحلة السابقة مصالح المصارف والرأسمال الريعي، كما مثّل نقطة الترابط بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. بالتالي، بقاؤه الآن في مركزه يعني تلقائيّاً "تمديد" هذا التقاطع.

وينتقد ديبة بشدّة النموذج الذي قامت عليه سياسات سلامة النقديّة القائمة على "تمويل المصارف للدين العام والفوائد المرتفعة وأرباح المصارف المتأتية من الإكتتاب بسندات الخزينة وسندات الإيداع، بالإضافة إلى البدعة الجديدة التي سمّوها الهندسات الماليّة، التي تعطي المصارف أرباحاً إستثنائيّة".

ويعتبر أنّ هذا النوع من السياسات الماليّة كان السبب خلف تراجع الإقتصاد اللبناني، وتراجع القطاعات مرتفعة الإنتاجيّة وهجرة الشباب وخسارة تنافسيّة الصناعة اللبنانيّة، مقابل الحفاظ على مصالح مجموعة محددة من المستفيدين من النموذج الإقتصادي القائم.

تمديد لحاكم أو نموذج؟
سواء إعترفنا بضرورة وجود سلامة على رأس المصرف المركزي لدواعي الظروف الماليّة والنقديّة الإستثنائيّة، أو جاهرنا برفض النظرة الإقتصاديّة والنقديّة التي يقدّمها، لا يختلف الخبراء اليوم بشأن وجود مكامن خطر كبرى في البنية الإقتصاديّة اللبنانية. وفي ظل كل التقارير الدوليّة التي تتناول مخاطر نموذج لبنان الإقتصادي، هل سيكون التمديد لسلامة تمديداً لهذا النموذج أيضاً؟ أم ستكون فرصة لتوظيف خبرته بتفاصيل الوضع اللبناني لتلافي هذه المخاطر؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها