image
الأربعاء 2022/09/07

آخر تحديث: 11:56 (بيروت)

"Nope" جوردان بيل.. هوليوود المتوحشة والجماهير المجنونة

الأربعاء 2022/09/07 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease
"إنها سحابة، لا شك في ذلك/ تتحرك مثل سحابة، لونها مثل الغيوم،/ خفيفة كسحابة، مترددة مثل الغيوم/  لا سبب لحبسها مثل سحابة في قفص سلكي./ ومع ذلك فعلتُ/ أوقعتُ سحابة في قفصي السلكي/ وها أنت ذي، سحابة أسيرة في عقلي".
(أغنية "إنها سحابة، لا شك في ذلك" لفرقة الروك الأرجنتينية Vox Dei)

المشهد الافتتاحي عنيف ووحشي. في موقع تصوير برنامج تلفزيوني هزلي، يبدأ حواره بكلمة "Nope"، والتي يستخدمها الفيلم عنواناً له كمرجع غامض؛ يجلس قرد ملطخ بالدماء بعد ما يبدو أنه مذبحة. بجانبه ثمة أشياء ملقاة، مدرّج خلا من جمهوره فيما لافتة تطلب منه التصفيق، وامرأة يختفي نصفها العلوي خلف أريكة. لاحقاً سنرى المشهد الكامل - هذا الحدث له ما قبل وبعد - لكن وجود الحيوان، المتحدّي مثل شرير (أو ربما بطل) قادم من "كوكب القردة"، يكفي لتمهيد المشاهد للدخول في شيء يبدو خطيراً.

في "Nope"(*)، الفيلم الطويل الثالث للمخرج الأميركي جوردان بيل، يصنع أحد العقول الإبداعية الحقيقية في هوليوود تركيبات جديدة من تلك الأنواع الفيلمية التقليدية. العنصر الفانتازي (أو الخيال العلمي) حاضر هنا، وكذلك الرعب، لكن ما يظهر هنا بطريقة جديدة هو شيء مشابه لأفلام الويسترن. أو، على الأقل، يظهر لنا عالم ومجموعة من الشخصيات التي تجعل أكواد وأعراف الويسترن أسلوباً لحياتهم المهنية والشخصية. مع أصداء موضوعية وشكلية لكلاسيكيات ستيفن سبيلبرغ مثل "لقاءات قريبة من النوع الثالث"(1977) و"حرب العوالم"(2005)، أو "روح شريرة"(1982)، مثلما لجون كاربنتر "هجوم على المنطقة 13"(1976) و"الشيء"(1982)، وبشكل أكثر تحديداً وجلاءً، فيلم "علامات"(2002، إم. نايت شيامالان)؛ يقدم فيلم بيل نفسه كإعادة قراءة تحليلية لشفرات وتقاليد تلك الأفلام. بمعنى آخر: قد لا يكون فيلماً له فعالية ومكانة تلك الكلاسيكيات نفسها، من حيث التأثير والرعب، لكنه فيلم يدعونا للتفكير في كل ما يحيط بتلك الأعراف والأكوان والمخاوف.

بيل، مخرج الاستديو كما يقول الكتاب، صانع أفلام تحليلي إذا جاز التعبير، من دون أن يكون تجريبياً بالضرورة، عوّدنا في فيلميه السابقين، "اخرج"(2017) و"نحن"(2019)، على تقديم أطباق سينمائية بطريقة غير معتادة في هوليوود. تهتم أفلامه بأسباب وجذور مواقف معينة بقدر اهتمامها بالنص نفسه، وبالقصة التي ترويها. وأصبحت أفلامه تدريجياً أكثر مراوغة وتعقيداً، وأصعب من تفسيرها بطريقة تقليدية كما يمكن للمرء أن يفعل في "نحن" الذي كان أشبه بأطروحة حول العنصرية النظامية في الولايات المتحدة مقدّمة في إطار قصة رعب هوليوودية. وإذا قدّم "نحن" لعبة متضادات ومرايا بأمداء ونطاقات لا نهائية (كما يحدث عندما يقف المرء في المنتصف بين مرآتين متعارضتين)، فإن "Nope" يبدو أكثر طموحاً، بانتقاله من العِرقي إلى الكوني، من الشعبي إلى الإيكولوجي، إذا صحّ التعبير. أو كما تقول إحدى الشخصيات الشهيرة في فيلم الأنيميشن "قصة لعبة"، إلى اللانهائية وما بعدها.

هنا، الرابط الأوضح بين فيلم التشويق المثير والكون الذي تعيش فيه الشخصيات، هو شيء يمكن أن نطلق عليه اختصاراً "الشو بيزنس"، أي الأفلام والمسلسلات وبرامج التلفزيون وحتى مُدن الملاهي. في الواقع، بعض الصور الأولى للفيلم هي سلسلة الصور التي التقطتها إدوارد مايبريدج في القرن التاسع عشر، وعُرضت من خلال ما يسمى الـ"زوبراكسكوب"، وهو جهاز مبكر لعرض الصور المتحركة ظهر في العام 1879 ويعتبر أحد سلائف السينما. السبب؟ تلك المشاهد "السينمائية" الأولى هي لرجل أسود يمتطي صهوة حصان، وربما تكون أقرب شيء إلى أول عرض للصور المتحركة. وأيضاً، مثل صورة البرنامج التلفزيوني الهزلي في البداية، تمثل حالة استغلال أولى محتملة.


تدير عائلة هايوود مزرعة صحراوية بالقرب من هوليوود تعمل في مجال تدريب الخيول على الظهور في الأفلام والإعلانات التجارية والبرامج التلفزيونية. بعد حادث غامض يودي بحياة الأبّ (كيث ديفيد، أحد ممثلي فيلم كاربنتر)، نتابع ولديه أوتيس جونيور (أو أوه جي كما يُنادى طوال الفيلم) وإميرالد (يقوم بالدورين دانييل كالويا وكيكي بالمر). يدّعي كلاهما أنهما من نسل الفارس الذي يظهر في لقطات مايبريدج، رغم أنه ادعاء مشكوك فيه. الابن قليل الكلام ومتحفظ، شهد عن كثب وفاة والده، أثناء قيامهما بتدريب أحد الخيول (الفيلم مقسم إلى حلقات/فصول سُميت على اسم كل واحد من هذه الخيول)، بدأت أجسام غريبة مدببة تتساقط من السماء، وهبط أحدها على رأس المربّي المخضرم الذي مات بعد ذلك بوقت قصير.

لاحقاً نرى الشقيقين مع أحد خيولهما في انتظار "أداء" أحد المشاهد في موقع تصوير. بالرغم من تحذيرات أوه جي، في مواجهة رد فعل غير متوقع، ينزعج الحصان بشدة، مثلما حدث في فصلٍ سابق. من الواضح أن شيئاً غريباً يحدث في المحيط ويبدو أن كل شيء يشير إلى أن الحيوانات هي أول مَن يدرك ذلك. لكن سرعان ما سيلاحظ البشر أيضاً. وكما في أفضل أفلام  شيامالان، نادراً ما يغادر "Nope" حدود مزرعة هايوود. وبعد ذلك، كما هو الحال في النبوءة التوراتية التي تفتتح الفيلم (آية عن نينوى من سفر ناحوم تتنبأ بسقوط الإمبراطورية الآشورية على يد يهوه/الله وتختتم بالتهديد بـ"تحويل المدينة إلى مشهد/فرجة/عبرة")، ستبدأ السماء في السقوط على الأرض. أو ربما على هوليوود.

من الأفضل عدم التحدث كثيراً عن الألغاز والمؤامرات والشخصيات والغرابات التي ستظهر في أنحاء الفيلم. ما تحتاج إلى معرفته هو أنه سيقدّمها كمحاولة من قبل الأخوين هايوود (واثنين من المتعاونين الطارئين) لمعرفة ماهية ذلك الخطر السماوي الذي يطاردهما، ويؤثر في الحيوانات وينتهي به الأمر إلى إحداث فوضى في مكان قريب يقوده رجل غريب الأطوار (ستيفن يون، الذي ترتبط شخصيته بحبكة فرعية أخرى في القصة) يستخدم أقسى الطرق لثقافة العرض والتسلية. سيحاولان أيضاً جني الأموال من ذلك المخلوق من خلال تصويره وإذاعة ما صوّره في برنامج أوبرا وينفري. وإذا استطاعا، فسيحاولان إيجاد طريقة لإيقافه. لكنه ليس، كما في أفلام سبيلبيرغ، كائناً غريباً ودوداً ومؤنسناً. كما أنه ليس، كما في أفلام الكوارث، غازياً فضائياً. إنه شيء أكثر إثارة للقلق وغير قابل للفهم، شيء مشابه لكلمات أغنية فرقة "فوكس داي" في بداية هذا المقال، التي للمصادفة صنعت مسيرتها المهنية من موضوعات توراتية.



يتساءل الفيلم طوال الوقت عن معنى هذا التهديد المجازي، من دون أن يتعارض هذا مع لعبه على وتر التشويق والرعب، وبلا أن يحوّل شخصيات إلى محلّلين أو معلقين على أحداثه. وفي حين أن ينابيع النوع السينمائي ليست بارزة كما في أفلامه السابقة، إلا أن بيل يبني هنا أيضاً سيناريوهات توتر ورعب تعبرها مساحات خالية (للتفكّر ربما) وتلك الاستحالة الهيتشكوكية للاختباء من تهديد قادم من الأعلى. إنه فريق مؤقت وطارئ (أحدهم مدير تصوير سينمائي)، بكاميرا مصنوعة ذاتياً، وبدون فكرة عما يهددهم أو كيفية التخلّص منه. عدم النظر إليه قد يكون خياراً. مهاجمته بطرق لا يمكن تصورها، خيار آخر. ربما حتى تلاوة كلمات أغاني الأطفال سيصبح خياراً. كل شيء ممكن في العالم وفقاً لجوردان بيل.

على أن أوضح ما في هذا "المشهد" الإيحائي والغامض، أي الفيلم، هو نقده الجلي لاستغلال هوليوود ووحشيتها وحتى عنصريتها باستخدام العناصر ذاتها التي تجعل هذه السينما الأكثر شهرة واستهلاكاً على الكوكب بأسره. رؤية تناقضات صناعة الترفيه لا يمنع بيل من استخدام تلك الآليات لصالحه. بصفته ويسترن منقّح ومطعَّم بعناصر سينما الخيال العلمي، فإن فيلمه "Nope" (الذي يمثل عنوانه، في الإنكليزية الأميركية، طريقة لطيفة لقول لا، وبالمثل يمكن للمرء أيضاً أن يقولها لرفض استهلاك ما يُباع له) يعمل مثل أفلامه الأخرى، بإبرازه ذلك العنف الضمني في اتجاهات ومناهج السينما الجماهيرية. وفي نقده لنهم البشر المستهلكين وجوعهم من أجل المال والشهرة، وقبل كل شيء الرغبة في صناعة حدث جماهيري، يحمل الفيلم بصمة هيرتسوغية (نسبة للسينمائي الألماني فيرنر هيرتسوغي) في مقاربته جنون الواقع اليومي المروّع ومحاولة الظفر بـ"محتوى" جديد نادر ومثير. وبهذا يعطينا بيل فيلماً صيفياً كبيراً، مكثفاً ومبتكراً يرفع سقف نوعه السينمائي، لا سيما في هذه المرحلة الشحيحة بالأفكار في ستديوهات هوليوود.

(*) يُعرض حالياً في الصالات.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها