الأربعاء 2022/06/22

آخر تحديث: 16:18 (بيروت)

"المسابقة الرسمية".. سينما تسخر من نفسها

الأربعاء 2022/06/22 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease
في فيلمهما السابق "المواطن المتميّز" (2016)، أنتج صانعا الأفلام وكاتبا السيناريو الأرجنتينيان غاستون دوبرات وماريانو كون، هجاءً ممتعاً وحاداً للأحكام المسبقة المناهضة للفكر والثقافة التي يواجهها كاتب أرجنتيني حائز على جائزة نوبل في أعقاب قراره، بعد عقود من الإقامة في أسبانيا، بالعودة إلى مسقط رأسه في الأرجنتين، حيث يُحتفى به كشخصية مشهورة، قبل أن يتحوّل ضحية مضايقات وإساءة معاملة سكّان بلدته الذين استخدمهم أساساً لرواياته. كانت الدعابة فعّالة، والسرد محبوكاً، والبطل، الذي لعبه أوسكار مارتينيز، لا يُنسى. بعد خمس سنوات، رفع المُخرجان نبرة السخرية في فيلمهما الجديد "المسابقة الرسمية"(*)، والآن يرميان بسهامهما ليس إلى بيئة فكرية تتلفها التفاهات الأخلاقية والغطرسة، بل في اتجاه الوسيط السينمائي ذاته، وهي منطقة عادة ما يتعايش فيها الإبداع والموهبة من دون صعوبة كبيرة إلى جانب المصائر الغادرة وآفات الإيغو المتضخم.


"المسابقة الرسمية" ليس الفيلم الأول للثنائي الأرجنتيني الذي يفرقع النكات حول جدل العلاقة بين الثقافة "الراقية" والثقافة الشعبية. أفلامهما التي يكتبها عادة أندريس دوبرات، شقيق غاستون دوبرات، تمتح من آلية أساسية قوامها تصادمات الأضداد: سياسية، إيديولوجية، اقتصادية، اجتماعية، أو أياً كان اسمها. ضمن هذا المخطط، أحد محاوره المفضّلة هو عالم الفن والإبداع. تناولا في أفلامهما كتّاباً ورسامين ومعماريين، قدّما من خلالها التعارض/التناقض دائماً بطريقة مماثلة: التفاخر مقابل الشعبية، المثقفون مقابل "الباعة المتجولين"، وفي حالات معينة، أولئك الذين يعتقدون أنهم يفعلون شيئاً مهماً وأساسياً لتغيير العالم، مقابل أولئك الذين يفكرون في إمكانية الوصول والظفر بأجر مجزٍ نتيجة عملهم واجتهادهم.

لا محاباة في أفلامهما: المتنافسان يميلان إلى أن يكونا أنانيَين، وبغض النظر عن مواقفهما العامة، فإن ما يدفعهما هو "الإيغو" المتغطرس. وما هي أفضل فكرة لإقامة معرض الغرور هذا من الذهاب إلى عالم السينما؟ وخاصة السينما الفنية، وسينما المؤلف، التي تُعتبر "مهمة". "المنافسة الرسمية" يقدّم نظرة لاذعة إلى النرجسية غير المنضبطة لصناعة السينما. وهنا الضحايا/الأهداف هم المخرجون والمنتجون، لكن قبل كل شيء الممثلين، الأكثر تحديداً وتعريفاً مع هذه الخصائص، رغم أنهم ليسوا الوحيدين في ذلك.


يبدأ الفيلم بنزوة طارئة تخطر في بال رجل أعمال ثري يبلغ من العمر 80 عاماً، والذي، مدركاً للسمعة السيئة التي جلبتها له ثروته الهائلة، قرر أن يترك للأجيال المقبلة ذكرى جيدة لعمل عظيم، يُبنى من أجله وينفق عليه من ماله. مثال: جسر يحمل اسمه، أو الأفضل من ذلك تمويل فيلم طموح، بمخرج متعدد الجوائز وممثلين مشهورين، يستند إلى رواية بارزة، بحيث تحصل رعايته المادية أيضاً على كل القيمة المضافة للهيبة والاحترام الفنيين. ستكون المخرجة المختارة هي لولا كويفاس (بينلوبي كروز)؛ أما الرواية، فتحكي قصة تنافس بين شقيقين، لا يضاهي سخونة منافساتها سوى صراع الديكة بين البطلين المختارين، فيليكس ريفيرو (أنطونيو بانديراس)، ممثل إسباني مزاجي يتمتع بسمعة راسخة في هوليوود، وإيفان توريس (أوسكار مارتينيز)، وهو ممثل أرجنتيني مخضرم مستعد للدفاع عن رصانة رصيده المسرحي وتفوقه الأخلاقي ضد المفاخرة المتكررة لشريكه الأصغر والأشهر.

في هذا الصدام بين الأجيال، مواجهة حقيقية بين ذاتين متضخمتين ومتناقضتين تقريباً، تقف شخصية "لولا" المتحدية والمصالِحة، صانعة الأفلام المنهجية التي ستحاول، بحيلها وطرقها المسلّية والغريبة جداً، ترويض الغطرسة الجامحة لممثليها. وبهذه الطريقة، يعرض المخرجان الأرجنتينيان، بخبث راقٍ، سخافات صناعة السينما المنكفئة على تغذية نجومية المشاهير والافتتان بهم، والمنغمسة في صخب وخيلاء الاحتفالات والمنصّات والجوائز بالجملة. في ما يتعلق بالأخيرة، تحتفظ حبكة الفيلم لبطليها بمصير غير متوقع في أحد أكثر المشاهد غرابة.

كما لا يفلت من مظلة سخريته، النيلُ من الغطرسة الذكورية لبطليه التي تتقلّص إلى الحد الأدنى من التعبير في مشهد مرح حيث يجب على فيليكس وإيفان التناوب لإظهار مهاراتهما في تقبيل ممثلة شابة، هي ابنة رجل الأعمال منتج الفيلم. مشهد حزين ومضحك لإغواء فاشل، يأتي مثل صدى للمفارقة التي عالجها الإيطالي باولو سورينتينو في فيلمه "شباب" (2015).

سيكون كل شيء ممكناً أثناء محاولة المخرجة لولا كويفاس استخراج العفوية والنضارة من فنانيها المضحكين اللذين يبدو أن الغرور المهني قد ألغاهما بالفعل. تؤدي سلسلة من الحيل والأكاذيب الصغيرة والتمارين إلى تنافس مستطير بين هذين النجمين، ويبلغ هذا كله ذروته في موقف مربك تثمره نكتة مروّعة، من فكاهة ملتبسة، والتي تؤكد، بطريقة واضحة إلى حد ما، "الكانيبالية" الأخلاقية التي يمكن أن تحدث في منافسة فنية. الأكثر إيحاءً هي الحيلة التي تتخيّلها المخرجة لإثارة ردّ فعل من الخوف لدى الممثلين من خلال تعليق صخرة ضخمة تزن أطناناً عديدة فوق رأسيهما أثناء تدرّبهما على أحد المشاهد. مشهد هذياني في سخافته، لكنه أكثر فاعلية بكثير، من حيث السرد، من تكرار العبارات المبتذلة الأكثر شيوعاً حول هوس النجومية والفساد الأخلاقي اللذين يُفترض ارتباطهما بعالم الأعمال السينمائية الترفيهية/التجارية. لحسن الحظ، فإن المواهب المشتركة بين بينيلوبي كروز وأنطونيو بانديراس والمفاجئ أوسكار مارتينيز تستفيد إلى أقصى حد من السيناريو المفرط أحياناً في نكاته وألعابه، وتضفي حيوية على النكتة السوداء الهائلة المخصصة أيضاً لعالم المهرجانات السينمائية، العالم نفسه الذي دخله الفيلم بوقاحة عبثية لينتهي به الأمر، كمفارقة مطلقة، مشاركاً في أحدها ومستقبَلاً بالحفاوة والترحيب.

ربما لأن الفيلم يلامس بشكل وثيق، العالم الذي ينتمي إليه صانعا الأفلام والممثلون الثلاثة، ينتهي به الأمر كفيلم خفيف يبدو أكثر احتمالاً وغير مؤذٍ تقريباً، بالمقارنة مع الأفلام السابقة للمخرجين. هناك خبث سائد بطول الفيلم، لكنه، في الوقت ذاته، بليد نسبياً ولا يتجاوز الحدود المسموحة. لطالما كانت هذه إحدى المشكلات في أفلام الثنائي الأرجنتيني: فهي تسخر من الجميع من علوٍ مفترض لا تصل إليه مقاربتهما أبداً. الأخوان كوين، للاستشهاد بثنائي سينمائي يتشارك بعض النقاط مع نظيره الأرجنتيني، يعملان أحياناً على موجة السخرية نفسها (أو ما بعد السخرية بالأحرى، أي الرغبة في الضحك على ما لا ينبغي أن يكون مضحكاً من حيث المبدأ) لكنهما يفعلان ذلك بأناقة وإبداع نادراً ما يبلغه مخرجا هذا الفيلم.

في بعض الأحيان يكون "المنافسة الرسمية" ممتعاً باعتباره لهواً مسلّياً وبسيطاً، حيث تشاهد ثلاثة ممثلين مشهورين يسخرون من أنفسهم قليلاً، في كليشيهات العالم الذي يعيشون ويعملون فيه، ويضحكون على بعض النكات البسيطة والفعّالة التي يؤدّونها أو يجدون أنفسهم في خضمها. عندما يصبح الفيلم أكثر جدية أو يحاول أن يصبح أكثر جدية، تكون حدوده واضحة، ومقاربته تخطيطية، وينتهي تدريجياً إلى نفس ما يُفترض أن ينقده.

(*) يُعرض حالياً في فرنسا.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها