الإثنين 2022/06/13

آخر تحديث: 11:53 (بيروت)

الفلسطينية شذى مصطفى تروي ما تركت خلفها

الإثنين 2022/06/13 بشير البكر
الفلسطينية شذى مصطفى تروي ما تركت خلفها
من هجاء الاحتلال إلى الفشل العاطفي
increase حجم الخط decrease
الرواية الأولى للكاتبة الفلسطينية شذى مصطفى "ما تركت خلفي" الصادرة بالعربية عن دار "نوفل" وبالإنكليزية عن دار "بانيبال"، تريد أن تتحدث عن كل شيء، وكأنها فرصة للبوح عما في داخل الذات التي عاشت تجربتين صعبتين، الأولى بين والدَين مطلَّقين، يعيش الأب في القدس والأم في رام الله، ويفصل بينهما "حاجز الذل الإسرائيلي في قلنديا". والثانية السفر من أجل الدراسة الجامعية في بيروت، ومن ثم علاقة الحب الأولى في السويد مع شاب سويدي، تنتهي إلى فشل بسبب المسافات والحواجز الكثيرة.

تحفل الرواية بتفاصيل في عين شابة فلسطينية عن كراهية الاحتلال الإسرائيلي، ليس بسبب الدبابات وحظر التجول وهدم البيوت والحواجز، بل لأنه منعها هي وشقيقتها الكبرى من الوصول من القدس إلى رام للاحتفال مع أمهما بعيد الأم. وكان ذلك في العام 2000 مع بدايات انتفاضة الأقصى. ويفتح هذا الحادث نافذة على حالة الشقيقتين (6 و5 سنوات) وهما تعيشان مع والدهما وزوجته في القدس، بينما تقيم والدتهما المطلّقة لدى والدها في رام الله. وحصل الطلاق بعد خروج الأب من فترة سجن دامت سنة ونصف السنة، تغير بعدها كلياً حسب شهادة الأم، وهذا هو سبب حقد الفتاتين على إسرائيل، إذ تسببت بتغيّر الأب، الذي لولا السجن لكان الآن يعيش مع عائلته بصورة عادية. وترى البنت الثانية أن الأم لم ترد أن تعيش مع والدهما بعدما خرج من السجن، وبالتالي لم تحاول الحفاظ على العائلة، وهذا سبب زواج الوالد المحامي قبل أن يطلّق في يونيو 2000، وحين منعهم الحاجز من العبور كان قد مضى عامان على هذه الحال، تقطع الفتاتان الحاجز مرة في الأسبوع من القدس إلى رام الله، تعبران حاجز قلنديا الذي يفصل بين الأم والأب، وكبرتا وهما تعبران الحاجز اللعين، وحتى حين أقامتا مع الأم في رام الله، كان عليهما العبور نحو القدس، وبالتالي باتت البنت الثانية ملمة بكل تفاصيل الحاجز "لأن أبي لم يترك لنا فرصة أبداً لننساه". ذلك الحاجز الذي فيه بوابات مثل الموجودة في مزارع المواشي، وعبوره عبارة عن "سمّة بدن". ولا تفيد في ذلك الهوية الزرقاء التي تعني أنهم من مواليد القدس، ولا تخولهم الجنسية الإسرائيلية والفلسطينية، وهي بطاقة ذل لا يعرف حاملها حتى مكان قبره.

في المستوى الثاني من الرواية يتم تسليط الضوء على حياة العائلة الفلسطينية، وحين تنتقل الفتاتان للعيش مع أمهما في رام لله، تسكنان في البداية في بيت الجدّ والجدة، ثم تنتقل الوالدة وابنتيها إلى بيت في البناية نفسها، وتبدأ الفتاة الكبيرة تشعر بحالة الأم التي تحول الأطفال إلى سجن لها. ورغم أن الأم لم تكن متدينة إلا أنها بدأت تصلي، ما أثار استغراب البنت الكبرى، وكانت الأم تغضب من كل شيء طوال ست سنوات، وتصرخ بصوت عال، وحين تغضب في السيارة تقودها بسرعة جنونية، ما طرح السؤال: على من هي غاضبة على الأب أم الأطفال؟ وصار الأطفال يراعون وضعها ويحاولون عمل ما يفرحها، ومن ذلك تحضير مفاجأة عيد ميلادها، لكنها لا تفرح لذلك.

كانت الأم تصر على أن ترى أولادها في أفضل حال وسلوك في كل زمان ومكان، وتغضب جداً حين يعودون من القدس، وقد اتسخت ثيابهم بسبب اللعب في الشارع، والثياب والمكان بات لدى الأطفال عالمين مختلفين وهم في المنتصف. وإذا سأل أحد البنت الكبرى هل لديها أخوة كانت تجيب: في رام الله لديها أخ وأخت وهي في الوسط، وتسقط شقيقها من زواج والدها الثاني، ولذلك تغير جوابها على السؤال نفسه في القدس. وهناك لهجتان لمناداة الأم، في رام الله: ماما، وفي سلوان القدس: يمّا. وتفضل الأم لهجة رام الله. وتعيش هذه الأم من أجل أولادها فقط، ولم تهضم الجدة أن تقوم ابنتها بمواعدة شخص علانية، أخذ يدخل بيتها ويجلس مع أولادها بعدما بلغت ابنتها الكبرى 15 عاماً، وتزوجت به لاحقا، لكنها تركته بسبب رفض أطفالها له. حين عادت أمها لتأخذهم من الأب كانت في سيارة الاحتلال. وهي لا تعرف لماذا رحلت أمها من المنزل، قبل الطلاق كانت تصحو ولا تجدها في سريرها، وكان الأب يقول إنها ستعود، وحين أصبح عمرها 12 سنة علمت من صديقة أمها انها كانت تذهب للعمل بعد أن تخبئ الكدمات التي على جسمها. وتخبر أصدقاءها عن ذلك وتخفيه عن أولادها الذين يتحرجون من ذلك، ويلومونها عن سبب عدم إخبارهم أن والدهم تعرض لصدمة في السجن، ربما ساعدهم ذلك على قراءته بصورة مختلفة، فالعلاقة كانت مكسورة مع الأب والأم معاً، وهي تراها من زاويتين، تأثيرها في أولادهم ككل، وتأثيرها في كل واحد منهم بالمقارنة مع الآخر. فهي كانت تتساءل دائماً، هل كان الأب ليتصرف بالطريقة نفسها مثل الأم حين وجد ابنه في ظرف معين؟ عدا عن أن كلاً من الأم والأب يحاول أن يجتذب الأولاد ليكونوا إلى طرفه ويعيشون معه. وكانت النتيجة أن الولد قرر أن يعيش مع والده، وبقيت البنتان لدى الأم التي كان الناس يعاقبونها لأنها مطلّقة، هي التي تزوجت زميل دراستها الجامعية وحين خرج من السجن ضربها فتطلّقت، ووجدت نفسها مع ثلاثة أولاد وأب لا يعرف كيف يكون أباً.

وفي المستوى الثالث تبدأ حكاية خروج الفتاة من البيت، لتنتقل إلى بيروت من أجل الدراسة الجامعية، وهناك وجدت أن لهجتها الفلسطينية غريبة عن المدينة، وتكتشف المسافة بين مجتمع القدس ورام الله وبيروت. ويظهر إسماعيل، أول شخص تعرفت عليه في كلية العمارة في الجامعة الأميركية، والذي ظل يذكّرها بأول لحظة تعارف "كأنها قصة حب كبيرة لا يمكن نسيانها"، ومن بعده تعرفت بدنيا التي تعرف الجميع ولا يعرفها أحد، وصار الثلاثة معروفين معا. ودنيا هي التي ستأخذها إلى الحانة للمرة الأولى في حياتها، وتفتح صفحة جديدة في رحلتها خارج فلسطين، لكنها لم تتناول مشروباً كحوليا وبقيت متوترة وصامتة لأن "البنت لازم تدير بالها على سمعتها"، و"مش لازم تشرب أو تصاحب"، ورغم أنها لا تؤمن بهذه الممنوعات لكنها تخاف، ولن يطول الأمر قبل أن تجرّب الكحول، ومرّ الأمر بصورة عادية، بل أحست بخفة ورقصت وضحكت واستيقظت في اليوم الثاني على نحو طبيعي. ولم تكن فكرة الممنوعات متوارثة من الأم، بل من الجدّة، التي كانت سجلت الأطفال في درس دِين، لكن الأم ألغت العملية. ولم تكن الجدة على الموجة نفسها، وحينما بدأوا بتعمير مسجد في الحي اعترضت الأم ووافقت الجدة بحماس، وتم بناء المسجد. هذا في الوقت الذي كان الأب عالقاً في تقاليد المجتمع، يصلي ويصوم فقط لأن من حوله يفعلون ذلك. وكان يطلب من ابنته ان تصلي وتتحجب، ولم يحاول إجبارها.

المستوى الرابع ذهب نحو أول قصة غرام حصلت مع زميل سويدي في الصف، انجذبت اليه، ومن ثم كان شريك مشروع عمل للجامعة إلى الفليبين، وهناك تعمقت العلاقة وأرادت أن تبقى في حياته، لكن الأمر يقف هنا وتعود لتتكلم عن الصداقات في الجامعة، عن علاقتها مع إسماعيل الذي يشبه جدتها لناحية الحرص عليها، لكنه يناكفها كثيرا ويقوم بالتفافات ذات مغزى وجداني "وأمور لطيفة لا ضرورة له"، بينما دنيا "ملكة التوتر". ورغم ذلك لم تحب أن تتقيد بأحد، في حين أن دنيا وإسماعيل كل منهما ينتظر الآخر، ويدور عالم الجامعة من حول الخيانات بين الأصدقاء الطلبة، بين دنيا وإسماعيل الذي اشتغل مشروعاً على فكرة هي طرحتها أمامه، ولم يخبرها بالأمر، وفوجئت حين وجدت فكرتها وقد تحولت إلى مشروع لدى صديق قريب، ومع صديقتها المقربة التي قدمت طلب تدريب لدى مكتب هندسة هولندي كانت دنيا قد أخبرتها انها تقدمت بطلب لديه، وجاء رفض دنيا وقبول طلب صديقتها التي خانتها على نحو ما. وفي حين تعيش الفتاة الوحدة في بيروت، فهي تقضى كل الوقت مع صديقها السويدي حين أمضت فصلاً دراسياً هناك، وكانت تظن أن صديقها هذا رائع في كل شيء "حتى في سلق البيض"، ومعه فقدت عذريتها حين صارت في الثانية والعشرين، وهي لا تحبذ استعمال مفردة "فقدت" لأن هذا يعدّ جريمة في فلسطين ومحل استنكار في بيروت والسويد، لكن الحبّ بقي في السويد، فالشاب الذي أحبّته لم يرافقها الى بيروت حين رجعت إلى هناك ولم تفهم الأمر، بل أحسّت بأنه سرق منها حياتها، ولم تعرف كيف تسترجعها، لكن الأمر لم يكن بهذه الدرامية، حين وجدت نفسها تخرج من مطار بيروت. ومع ذلك، لم يكن سهلاً التخلص من تجربة السويد، حيث أصبحت مهووسة بالجنس، تمارسه عندما تصحو وبعد الفطور وقبل النوم، على الكنبة في البيت او مقعد في حديقة وفي بيوت مختلفة تمتلكها عائلة الشاب السويدي، التي تشعرها بالتوتر حين تجلس معها على مائدة الطعام، لأن ذلك يذكرها بسلوك عائلة طبيعية وهو أمر لم تَعتَده.

تبدأ الرواية بهجاء الاحتلال وتنتهي بالفشل العاطفي، مروراً بانكسارات حياة عائلية دفع الأطفال فيها ضريبة الطلاق، ويبقى أن العمود الفقري للعمل هو التدمير الذي يسببه الاحتلال لحياة الفلسطينيين من الصغيرة وحتى الكبيرة.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها