آخر تحديث:10:13(بيروت)
الأحد 21/11/2021
share

"زوجة حفّار القبور".. قصة حبّ صومالية تحت شمس حارقة

محمد صبحي | الأحد 21/11/2021
شارك المقال :
  • "زوجة حفّار القبور".. قصة حبّ صومالية تحت شمس حارقة
    ياسمين وارسامي وعمر عبدي في الفيلم الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كان الماضي
  • ثمة حكاية رقيقة أخرى عن الصداقة في هذا الفيلم
    ثمة حكاية رقيقة أخرى عن الصداقة في هذا الفيلم

جوليد ونصرة زوجان متحابّان يعيشان في ضواحي مدينة جيبوتي مع ابنهما المراهق مهاد. ومع ذلك، فإنهم يواجهون أوقاتاً صعبة: تحتاج نصرة بشكل عاجل إلى عملية جراحية باهظة الثمن لعلاج مرض كليتها المزمن. يكدّ جوليد في عمله كحفّار قبور لتغطية نفقاتهم، من دون أن يثمر هذا التعب عن إجابة لسؤاله المؤرق حول كيف يمكنهم تحصيل المال لإنقاذ نصرة والحفاظ على تماسك الأسرة؟ هذه حكاية فيلم "زوجة حفّار القبور" أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج الصومالي-الفنلندي خضر آيدروس أحمد. دراما عائلية يتخلّلها سعي وراء أمل مراوغ، فيلم مباشر للغاية، لكنه يزدهر في بساطته. حكاية قوية عن المثابرة في وقت الشدة والشقاء، عن قوة الحبّ في الأزمات.


يمثّل الفيلم بذاته قصة مستضعَف حقيقي. فهو أول فيلم فنلندي ناطق باللغة الصومالية، وهذا ليس مفاجئاً. لكنه أيضاً أول فيلم صومالي تم إنتاجه على الإطلاق، وهذا أمر أكثر إثارة للدهشة. جاء خضر أحمد إلى فنلندا في سن المراهقة، وكتب السيناريو منذ أكثر من عشر سنوات، ثم أصبح نفسه مخرجاً لينجز الفيلم الصومالي الأول. القصة مستوحاة من حادثة حقيقية وقعت في عائلته قبل عشر سنوات، حين توفي أحد أفراد الأسرة، وطُلب منه ترتيب الجنازة. كان إتمام الجنازة في فنلندا طويلاً ومرهقاً؛ سأله أخاه الأكبر إذا كان يتذكر مدى سهولة دفن شخص ما في الوطن في إفريقيا. ذكّره بحفاري القبور الذين كانوا دائماً مستعدين أمام المستشفيات لدفن الموتى. أعادته الحادثة إلى ذكريات طفولته. كتب المسودة الأولى للفيلم، لكن بعد ذلك ترك النص جانباً. كان مقيماً في فنلندا في ذلك الوقت، ولم يكن هناك مخرجون صوماليون في البلاد، وكان يعلم أنه لا يوجد مخرج فنلندي سينصف القصة بقدر ما سيفعل، لذلك قرر تركها جانباً واكتساب الخبرة في الإخراج. عمل في أفلام أخرى، وبعد ذلك عندما أصبح جاهزاً، عاد إلى السيناريو في عام 2015، و بدأ العمل عليه مرة أخرى. ثم رأى بطلة فيلمه ياسين وارسامي على لافتة دعائية كبيرة لـH&M، ثم ولَّف عارضة الأزياء الكندية-الصومالية مع بطل الفيلم الآخر عمر عبدي، وهو فنلندي-صومالي. عُرض الفيلم الصيف الماضي في "كان" و"تورنتو"، وفاز بجائزة Fespaco، إحدى أهم جوائز السينما في القارة الأفريقية. ثم اختارته الصومال لتمثيلها في منافسات جائزة الأوسكار، كأول مرشّح لبلده في تاريخ تلك الجائزة.

 

لفترة طويلة، وفقاً للمخرج، قُدّم الصوماليون للعالم على أنهم قراصنة ومتطرفون وأمراء حرب، وكل تلك الصور النمطية أحادية البعد التي يمكنك التفكير فيها. أراد خضر أحمد بدلاً من ذلك أن يعطي صورة مختلفة: "في هذا الفيلم أعدت الحياة حقاً إلى الصومال. والصوماليون الذين شاهدوا الفيلم استمتعوا به حقاً". يقول المخرج أنه أراد بفيلمه بيان كيف يرى نفسه، وكيف يرى عائلته وأصدقائه: "أردت أن أحكي هذه القصة برأفة، بحنان، بحبّ، وكرامة.. كل هذه الأشياء التي ربّاني عليها والدي". وقع اختياره على جيبوتي العاصمة (التي كانت جزءاً من الصومال في السابق) لتصوير فيلمه، لأنها "مدينة تختزل الهوية الصومالية بثقافتها الاجتماعية والدينية"، وبدأ العمل في العام 2019 بطاقم فنّي وتقني أوروبي تغلب عليه العناصر الفنلندية، وفي مقدمتهم مدير التصوير الفنلندي آرتو بلتوما الذي زوّد الفيلم بمرئيات أخّاذة وكادرات تملئ العين. بالنسبة لمعظمهم كانت هذه هي المرة الأولى لهم في أفريقيا. أحمد، الذي هاجر إلى فنلندا في عام 1997 عن عمر يناهز 16 عاماً، كان الشخص الوحيد في طاقم التمثيل الذي يتحدث الصومالية.

بالعودة إلى قصّة الفيلم، فأول ما يلفت الانتباه هي تلك المفارقة الكبرى في توقّف مصير بطلته على موت آخرين. يقدّم لنا الفيلم بطليه جوليد ونصرة عبر التقاطهما في لحظات صغيرة وحميمة (إعداد الطعام، تحميم نصرة، الإغارة على حفل زفاف)، لمنحنا علاقة قوية وملحوظة تستحق التأصيل. ثم عبر لقطات واسعة يسقطنا الفيلم في عالمه وبيئة أبطاله، لتتسرّب إلى الصور أشياء من عيشهم في مدينة الصفيح، بشمسها الحارقة والأوساخ على الطريق والدفء بين أفراد الأسرة. قصة الحبّ بين الزوجين قادتهما للهرب من قرية الزوج والمجيء إلى الأحياء الفقيرة للمدينة مع ابنهما الصاخب، مهاد (قدار عبد العزيز إبراهيم، أفضل ممثل في الفيلم)، الذي يفضّل التجول في الشوارع مع أصدقائه على أداء واجباته المدرسية. لكنها أيضاً جلبت لهما عزلة فريدة وانقطاعاً عن الوصال وكل ما يمكنه تهوين مآزق العيش البشري ويجعله محتملاً. لذا كان عليهما اختراع سعادتهما الخاصة.

هو إذن فيلم عن شخص يكافح من أجل كسب مبلغ مستحيل من المال (5000 يورو) لإنقاذ محبوبه، يحيا أوضاعاً اقتصادية صعبة تعيق سعيه، وفي الوقت ذاته يصرّ على الاحتفال بالحبّ والحياة معًا في خضم قصة يسيطر عليها شبح الموت من البداية إلى النهاية. تشابه حكاية الزوجين الصوماليين خط الحياة البشرية في عمومها، ولا يفوّت المخرج فرصة جعل حكايته عالمية: يأخذ الوقت الكافي لتأسيس السياق والإيماءات الصغيرة التي تشكّل العلاقة الحميمة والحب، ثم يدلفنا إلى واقع صعب لا تستقيم فيه الأحلام الصغيرة. في قلب هذه القصة التي تولي عناية بالغة للوقت، هناك أيضاً لائحة اتهام لعالمٍ يصعب فيه الوصول إلى خدمات طبية لائقة ومناسبة، ويغيب عنه الدعم الاجتماعي.

تبدو أحلام الزوجين البسيطة في الحصول على تعليم لابنهما خارج نطاق الإدراك تماماً، فهو يتخلى عن المدرسة، ولا يعتني بوالديه الأمّيين، وليس لديهما الوسائل المالية لتغيير وضعهما، فضلاً عن إنقاذ حياة نصرة. لكن مع إدراك الابن لخطورة الوضع، يحاول كل شيء لجمع الأموال اللازمة. في غضون ذلك، ينطلق جوليد في رحلة يائسة سيراً على الأقدام عائداً إلى قريته لاستعادة ما يعتقد أنه لا يزال ملكه. يعبر الصحراء والتضاريس الصخرية، بدأب وثبات، وعلى طول الطريق، يكشف أحمد عن الأرض وشعبها، والحبّ الذي يدفع جوليد للاستمرار عندما يبدو كل شيء مستحيلاً.


يحاول الفيلم الموازنة بين بؤس حكايته والأمل بنهاية رحيمة لها. في محاولته تلك يحافظ على لمسة حيوية طوال الفيلم، ولا يتركه يغوص في بورنوغرافيا الفقر. صحيح هناك الكثير من اليأس في تلك القصة، لكن الفيلم أيضاً يداوم التأكيد على القوة الشافية للحبّ. هذا ما تبدو عليه أفضل القصص والحكايات الخرافية. هناك ثيمة عالمية تمرّ عبر المَشاهد والصور، وفي "زوجة حفّار القبور" هذه الثيمة هي الحب والاهتمام.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها