آخر تحديث:12:22(بيروت)
الخميس 21/01/2021
share

روندو: أن تكتب للأطفال عن الحرب

عماد الدين رائف | الخميس 21/01/2021
شارك المقال :
روندو: أن تكتب للأطفال عن الحرب الحرب
خاض المستشرق الأوكراني، سيرهي ريبالكين، مغامرة في ترجمة قصّة رومانا رومانيشين وأندريه ليسيف "الحرب التي غيّرت روندو" إلى العربية. وهي قصّة موجهة إلى الأطفال، بين سبع وعشر سنوات، تتحدث عن مآسي الحرب والتغيرات الجذرية الطارئة على السكينة والاستقرار، صدرت في العاصمة الأوكرانية كييف (دار "ستاروهو ليفا"، 2015) مزودة برسوم تتلاءم وهذه الفئة العمرية، تحت وطأة الحرب الدائرة في الدونباس والمآسي الناتجة عنها من قتل وتهجير. فيما صدرت الترجمة العربية للقصّة الشهر الماضي (مشروع "كلمة"، 2020)، متضمنة الرسوم نفسها، التي أنتجها استديو "غرافيكا" الفني الاحترافي للطبعة الأوكرانية. وكان قد سبق الترجمة العربية للقصة أن حولها هذا الاستديو إلى فيلم رسوم متحركة قبل سنتين، من إخراج أولها هوفريلوفا، فيما حظي الكتيّب بعدد من الجوائز المخصصة لأدب الأطفال الأوكرانية والعالمية.

ينتمي المترجم إلى الجيل الشاب من المستشرقين الأوكرانيين، وهو أستاذ محاضر في قسم فقه اللغة التابع لكلية الدراسات الشرقية، في "جامعة كييف الوطنية للغات"، وتتمحور محاضراته حول تعليم اللغة العربية وتاريخ الأدب العربي، بالإضافة إلى تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية ثانية لطلاب أقسام اللغات الشرقية الأخرى. في جعبة ريبالكين ترجمة أخرى، لكن من العربية إلى الأوكرانية، صدرت في مدينة تيرنوبيل في كتاب "السندباد البحري وقصص عربية أخرى" (منشورات "بوهدان"، 2014). وقد أولى عناية خاصة في بحوثه الكثيرة الصادرة باللغات الإنكليزية والأوكرانية والروسية بالشعر المغربي الحديث وآداب شمال أفريقيا.

الكلمة واللون
يصعب على القارئ، إن لم يكن طفلاً، أن يستوعب الأبعاد المختلفة للقصة، وليس المطلوب أن يستوعبها فهي ليست موجهة إليه، وفي هذا تكمن أهميتها وقدرة رومانتشين وليسيف على الإبداع في حيّز ضيق جدًا حوافه بداية تقبل المأساة في السابعة من العمر وهضم هذه المأساة كقدر يومي والبحث عن إمكانية مواجهتها مع تنامي الوعي في العاشرة، بعيدًا ان "اللماذات" وعن شحن الكلمات بمفاهيم القاصّ، يتلقى الطفل نصًا بمفردات يدركها.. ويتعرف إلى الحرب. وتصعب على المترجم أكثر عملية إعادة سكب هذه العبارات بلغة أخرى، مع الحفاظ على الخصائص المفاهيمية والمشاهد المروية.



يقول ريبالكين في معرض تقديم كتابه للقارئ العربي: "كيف نشرح لأطفالنا ما هي الحرب؟ كيف نوضّح للجيل الجديد، أين ضاعت إنسانية البشر؟ هل نغادر من متردم؟ كل هذه الأسئلة يطرحها المؤلفان الأوكرانيان رومانا رومانيشين واندريه ليسيف في الكتاب الذي تزامن نشره باللغة العربية مع اليوم العالمي للغة الضاد (18 كانون الأول/ ديسمبر الماضي)". أما الكتاب فيتحدث "عن الحياة في مدينة روندو حيث تعايشَ الأبطال وأقاربهم في سلام. اشتهرت مدينة روندو بأنها مدينة الزهور، مدينة الجمال والعمل الإبداعي المثمر. ولكن تغير كل شيء مع قدوم الحرب. لقد ماتت الزهور. تشرح القصة للأطفال بلغة بسيطة وسهلة، في صور الأبطال والطبيعة، كيف تؤثر الحرب على الحياة، كيف تدمر الإنسانية والبيئة. يعدمُ النصُّ شخصيات بشرية كي لا نربط فكرة الحرب بمفهوم الإنسان. هكذا يقوم المؤلفان بوضع الحد الواضح بين البشر والحرب ويستطيع الطفل الصغير أن يفهم كوابيسها مع الحفاظ على الثقة بالإنسانية".

ولا بد للنص، البسيط بظاهره والكبير بأثره، من رسوم ترافقه تمنح الكلمات وقعًا أعمق في الوعي النامي. يمكن لنا أن نلحظ ذلك عبر التعليقات التي أدرجتها الأمهات على المواقع الأوكرانية المختلفة التي عرضت القصة، وكيفية تفاعل أطفالهن معها، وبعضهن لم يخفين تعجبهن من الأمر. وقد تطور ذلك مع عرض فيلم الرسوم المتحركة، فما هي قصة روندو التي حظيت بهذه الشهرة؟

روندو مدينة، بيئة مغلقة في على ذاتها تعتبر رمزاً للاستقرار والنزاهة، ولكون الدائرة هي الأكثر تكاملاً بين الأشكال الهندسية، إذ أن روندو دائرية. المدينة موطن لمخلوقات جميلة لا مثيل لها. عالمها معزول عن الخارج وخال من الهموم. وفي غفلة من الزمن يغزوها عدو خارجي. ولأن أحدًا من سكانها لا يرغب في إلاء المصيبة الوشيكة اهتمامًا، تنبري الشخصيات الرئيسة الثلاث في القصة للمواجهة، ويُتخذ القرار. روندو هذه المدينة الخيالية ليست مدينة بالنسبة إلى المتلقي الطفل، إذ إنها تغدو شيئًا فشيئًا العالم الداخلي للفرد. كل متلق روندو، ويعيش في عالمه الداخلي، ويتعرض لهجوم قاس من عدو خارجي فجأة، فيتخذ قراره الشخصي بمحاربة شيء يحاول كسره. وهنا تكمن قوة المزاوجة بين الكلمة والرسم، إذ تختفي الألوان ليحل الأسود والأحمر القاني مكانها، فتطغى قوة الفن، حيث يمكن لأي شخص أن يجد شيئًا خاصًا به ويتخيله من خلال القراءة. وتتلاقى تعابير الأطفال عند فكرة أن الأمل ليس معدومًا، والهزيمة الشخصية ليست قدرًا، وباب الأمل والتفاؤل لا يزال أمامنا لكن لا بد من الاتحاد لفتحه. الإبداع هنا لا يكمن في الكتابة عن الحرب للأطفال، بل في الكتابة عنها للأطفال بمفرداتهم التعبيرية والبصرية. وهذه مغامرة للكاتبين وللرسامين ومخرجة الفيلم والمترجم.. وقد أفلحوا فيها جميعهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها