آخر تحديث:08:08(بيروت)
الأحد 26/07/2020
share

«العهد» الذي انتهى قبل أن ينتهي

أسعد قطّان | الأحد 26/07/2020
شارك المقال :
«العهد» الذي انتهى قبل أن ينتهي الرئيس ميشال عون(دالاتي ونهرا)
من البديهيّ أنّ لفظ «العهد»، كما يُستخدم اليوم في أدبيّاتنا، يشير إلى عهد رئيس الجمهوريّة الحاليّ العماد ميشال عون. أليس من اللافت أن يشار إلى هذا العهد بطريقة مجرّدة عبر الاقتران بأل التعريف، ما يضفي على هذه المرحلة من تاريخ لبنان شيئاً من صفة الإطلاق؟

لئن كان عهد الرئيس عون بالنسبة إلى محبّيه ومناصريه «العهد» بالمطلق، إلاّ أنّه يعاني اليوم من أزمة صدقيّة وثقة لا تتّصل فقط بعلاقته الملتبسة بحزب الله، بل بالدرجة الأولى بفشله في أن يتعاطى مع الظروف الاستثنائيّة، التي يعيشها البلد منذ انتفاضة السابع عشر من تشرين، عبر اتّخاذ مواقف استثنائيّة. ولقد أتت كلمات وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لودريان مؤشّراً على هذا الفشل عبر تمييزه بين السلطة اللبنانيّة، من جهة، والشعب اللبنانيّ، من جهة أخرى. فهو أفصح عن دعم فرنسا للشعب، وطالب السلطة بتنفيذ الإصلاحات بكلمات قاسية هي أشبه بالتحذير الأخير.

ولكنّ لفظ «العهد» يحيلنا، من طريق آخر، إلى التيّار الوطنيّ الحرّ أيضاً. فالتيّار هو أمّ العهد وأمّ الصبيّ، إذا جاز التعبير. وهو أوّل المعنيّين بالمحافظة على صورة هذا العهد، التي تزداد تخلخلاً وتآكلاً يوماً بعد يوم بفعل الانهيار الاقتصاديّ والسياسيّ. ويؤكّد هذا الانطباع أنّ بعض محازبي التيّار ومناصريه يستخدمون كلمة «العهد» في ما يشبه الثابت الإيديولوجيّ الذي لا يمسّ ولا تسوغ مساءلته.

يرتبط لفظ «العهد»، إذاً، بولاية الرئيس العماد ميشال عون وبالتيّار الذي أسّسه العماد. ولكنّ الكلّ يعرف أنّ للعهد وجهاً آخر عنوانه رئيس التيّار الحرّ الوزير السابق جبران باسيل. لقد سال حبر كثير عن أطوار هذا الرجل ومصيره منذ انتفاضة السابع عشر من تشرين. آنذاك، تعرّض باسيل لشتائم المنتفضين كما لم يتعرّض لها أيّ سياسيّ آخر. لماذا يا ترى؟ كيف نقرأ الدلالات السيكولوجيّة لهذه الظاهرة؟ الثابت أنّ جبران باسيل، إذا سلّمنا جدلاً بتورّطه في منظومة الفساد والصفقات المشبوهة، ليس أكثر فساداً من سواه. طبعاً كانت للرجل هفوات لا تليق بوزير خارجيّة. وهي كانت كفيلةً بأن تودي به إلى استقالة حتميّة لو كنّا في بلد آخر تتمتّع سلطته بذرّة من احترام الديمقراطيّة: خطاب الجينات العنصريّ، ادّعاؤه تعليم الأميركيّين كيف يدار بلد من دون موازنة، منع تعيين حرّاس الأحراج بسبب حسابات طائفيّة ضيّقة، عدم المسارعة إلى إقالة فوريّة لأحد قياديّي التيّار حين أعلن بذهنيّة طائفيّة مقيتة أنّ الحرائق تلتهم أراضي المسيحيّين دون المسلمين. ولكن هل هذه الهفوات، رغم فداحتها، كافية لتفسير الغضب الشعبيّ خلال انتفاضة تشرين والتصويب على جبران باسيل تحديداً؟


في تصوّري أنّ الأمر لا يتعلّق بشخص باسيل فحسب، بل بما تختزنه شخصيّة هذا الرجل من دلالات رمزيّة، أي بإحساس الناس بأنّه يختصر جيلاً من الساسة الوصوليّين على نحو فيه الكثير من طاقة الإيحاء وبلاغة الرمز. باسيل سياسيّ لا يصدّقه كثر حين يقول إنّه يريد محاربة الفساد. فهم يحدسون بأنّ الفكرة الاستراتيجيّة الوحيدة في عقله هي الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة، وكلّ ما سوى ذلك تفاصيل وتكتيكات وتحالفات مرحليّة. وحين أعلن أنّه لا «يريد» أن يصبح رئيس جمهوريّة، تنبّه شيخ الصحافيّين في لبنان سمير عطالله إلى الانزلاق الفرويديّ في جملته. كان في وسع باسيل أن يقول إنّه ليس «مرشّحاً» للرئاسة، والسلام. ولكنّ النفس الأمّارة أبت إلاّ أن تمنّن اللبنانيّات واللبنانيّين تضميناً. فهو في الحقيقة «يستطيع»، ولكنّه لا «يريد». إذا كان هذا الحدس صحيحاً، فنحن هنا أمام مستوىً من الفساد الأخلاقيّ يتخطّى الزبائنيّة والرشوة والتمريرات المشبوهة. قوام هذا الفساد هو امتهان عقول الناس والاستخفاف بذكائهم. جبران باسيل لعلّه مستعجل لخلافة الرئيس العماد، فلم يبقَ من الوقت إلاّ القليل القليل. هو يحتاج إلى دعم دوليّ كي يصل إلى بعبدا. ويحتاج أن يرصّ صفوف قاعدة التيّار، التي بدأت تشعر بالامتعاض منذ انتفاضة العام الماضي، وهي آخذة بالتصدّع لأنّها مصابة بفشل الحكومة، المحسوبة على خطّها السياسيّ، في فرض الإصلاحات - طبعاً إذا استثنينا الإصلاحات التي تحقّقت في خطابيّات حسّان دياب ومواضيع الإنشاء التي يطالع بها الناس من وقت إلى آخر. يحتاج باسيل أيضاً أن يقنع هذه القاعدة بأنّه يحارب الفساد فعلاً لا قولاً، وذلك رغم المحاصصة في التعيينات وسلعاتا وسدّ بسري. وهو يحتاج كذلك إلى أموال صندوق النقد الكفيلة بمنع الانهيار أو تأجيله. فعلى رأي فيروز، إذا انهار البلد «على مين بدّو يعمل ملك؟». ويحتاج إلى تبييض صفحته لا أمام قانون قيصر فحسب، بل أمام القيصر شخصيًاً.
يحتاج باسيل إلى كلّ هذا. ولكنّ الوجه الآخر لهذه المعادلة المعقّدة والكثيرة الأوجه هو علاقة رئيس التيّار الملتبسة برئيس الجمهوريّة، وشعور الناس بأنّ القصر تحوّل إلى خاتم في إصبع الصهر النشيط. هذا أيضاً، إذا صحّ الحدس، يشكّل طبقةً أخرى من طبقات الفساد لا ترتبط بالضرورة بالسلوكيّات المافيويّة التقليديّة، ولكنّه ضرب من الفساد الأخلاقيّ لا يقلّ عنها فداحة.

حيال كلّ هذا، أتى شتم الناس لجبران باسيل تعبيراً عن الرغبة في تفكيك صورة الطبقة السياسيّة برمّتها، التي اختزلها باسيل وصار مرآةً لها بسبب حضوره المفرط في دائرة الضوء وسلوكه المستفزّ لكثيرين. والغرائبيّ أنّ وزير الخارجيّة الذي اقتلعته الانتفاضة عن عرشه راح يعتذر من أمّه كمن يدفع السباب عن نفسه. هذه آليّة دفاعيّة يلمّ بها من قرأ شيئاً من علم النفس.

لقد غاب عن باسيل أنّ المنتفضين كانوا يشتمون أمّه لفظاً، غير أنّهم كانوا يقصدونه هو فعليّاً ومعنويّاً. فالاعتذار من والدته، عوضاً من الاعتذار من شعب بات اليوم على حافّة الجوع والإفلاس، لا يجدي نفعاً. لم تكن أمّ جبران هي المقصودة، بل الإبن هو من كان مقصوداً بالشتيمة.
قاعدة التيّار الحرّ مضطرّة اليوم أن تتحمّل كلّ هذا الوزر: الأخطاء التي يمعن جبران باسيل في ارتكابها، ترجّح معظم نوّاب التيّار بين ادّعاء التصدّي للفساد وتورّطهم في استرضاء الزمرة المافيويّة التي تتحكّم بالمجلس النيابيّ، وصوريّة رئاسة الجمهوريّة التي تعطي الانطباع يوماً بعد يوم أنّها مجرّد «شيء» غامض الملامح تحديده الوحيد أنّه يدور في فلك حزب الله. حيال هذا الثقل، ليس غريباً أن تتفسّخ هذه القاعدة وتتشرذم، أن يظهر فيها أصهرة ومستشارون يشعرون بالقرف والغثيان، وأن يُطرد منها تيّاريّون ينتمون إلى الجيل المُؤسّس يترسّخ اقتناعهم بأنّ قيادة حزبهم القديم أمعنت في الانحراف عن المرتكزات السياديّة والأخلاقيّة التي قام عليها.

وليس غريباً أن يطرح بعضهم سؤالاً لا مناص من طرحه عن جدوى المكان السياسيّ والاقتصاديّ والمجتمعيّ والثقافيّ الذي يبدو أنّ  حزب الله يأخذ البلد إليه، والذي يتعارض مع المبادئ التي تعتنقها قاعدة التيّار الحرّ، وذلك بصرف النظر عن ولائها التقديسيّ والغيبيّ أحياناً لرئيس الجمهوريّة. فضلاً عن ذلك، فإنّ هذه القاعدة تشبه المواطنات والمواطنين جميعاً في وقوعها بين مطرقة الفقر وسندان الفساد. وهي ما زالت تعتبر بكلّ تأكيد أنّ خطّها السياسيّ الحقيقيّ يهدف إلى استعادة الوطن، لا إلى فقدانه.


حيال كلّ هذه الضعضعة، وحيال كلّ هذا التشويه والتشويش، ماذا يبقى للتيّار الذي يريد صون «العهد» والمحافظة على ما تبقّى منه؟ مهزلة سلعاتا والانتصار الدونكيشوتيّ الذي أحرزه رئيس التيّار على حزب الله وحسّان دياب يوحيان بأنّ باسيل ما زال يتوسّل العصب الطائفيّ ويستجديه كي يلملم صفوف مناصريه. وهو لا يختلف في هذا عن سائر زعماء الأحزاب الذين يشكّلون العصبة الحاكمة. فالمافيا لم يعد لها من خطاب سوى الشحذ الطائفيّ والمذهبيّ اقتناعاً منها بأنّها هكذا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء وتحافظ على امتيازاتها، ولو على ركام وطن يتهاوى. ولكنّ البلد يحتاج اليوم إلى استلهام الثوابت الوطنيّة التي قام عليها، لا إلى إيديولوجيا «العهد» الذي انتهى قبل أن ينتهي. فهذه الإيديولوجيا فضحها الفساد والتهمها الجوع وأسقطها الموت الكبير، موت الذين ينتحرون رغم أنف «العهد القويّ». هل تلتقط قاعدة التيّار علامات الانحدار إلى الهاوية، فتنتفض للوطن قبل أن تنتفض لذاتها؟ ليس المهمّ اليوم إنقاذ «العهد». فهذا لم يبق له سوى أشلاء مشروع يتكوّم حولها وأضغاث أحلام يتسلّى بها. ولكنّ المهمّ إنقاذ الوطن، الذي هو أبقى وأثمن من كلّ العهود. وماذا ينفع إنقاذ واجهة «العهد» إذا ضاع وجه الوطن؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها