آخر تحديث:12:30(بيروت)
الثلاثاء 23/06/2020
share

واحة دومة الجندل

محمود الزيباوي | الثلاثاء 23/06/2020
شارك المقال :
  • واحة دومة الجندل
    دومة الجندل
  • منصة الواحة.
    منصة الواحة.
  • صورة جوية لمنصة الواجة.
    صورة جوية لمنصة الواجة.
  •   قطعة مصرية من مجموعة اللقي التي تعود إلى هذا الموقع.
    قطعة مصرية من مجموعة اللقي التي تعود إلى هذا الموقع.
  • أوليفيا مونوز، المشرفة على أعمال البعثة المشتركة لدراسة هذا الموقع
    أوليفيا مونوز، المشرفة على أعمال البعثة المشتركة لدراسة هذا الموقع
تناقلت وسائل الإعلام العالمية مؤخراً خبر اكتشاف منصة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في واحة دومة الجندل. تقع هذه الواحة في منطقة الجوف، شمال غربي المملكة العربية السعودية، على الحدود مع المملكة الأردنية الهاشمية، وتعدّ من أقدم مناطق الاستيطان في شبه الجزيرة العربية، كما أظهرت الاكتشافات الأثرية المتوالية في السنوات الأخيرة، وآخرها هذه المنصبة التي أنشئت في الألفية السادسة قبل الميلاد، وخُصّصت على مدى قرون لممارسة الطقوس الجنائزية والتذكارية.
 
في نهاية العصر العباسي، ذكر ياقوت الحموي دومة الجندل في "معجم البلدان"، وقال إنها من أعمال المدينة، ونقل رواية تقول ان اسمها يعود إلى دوم بن إسماعيل بن إبراهيم، ونُسبت إلى الجندل "لأن حصنها مبني بالجندل"، أي الصخر، وهو حصن حاكمها اكيدر الملك بن عبد الملك السكوني الشهير بكندة السكوني. وبحسب ما جاء في الروايات، توجّه خالد بن وليد إلى دومة قادماً من تبوك في العام التاسع للهجرة، ونزل إليها ليلاً، وأسر حاكمها أكيدر وقتل أخاه حسان، وافتتحها عنوة، ثم حمل حاكمها إلى الرسول، فصالحه "وآمنه وقرر عليه وعلى أهله الجزية، وكان نصرانيا فأسلم أخوه حريث، فأقره النبي". وبعد رحيل الرسول، نقض أكيدر الصلح، فأجلاه عمر بن الخطاب إلى الحيرة، "فنزل في موضع منها قرب عين التمر وبنى به منازل وسماها دومة".

في الواقع، يظهر اسم دومة منذ القرن العاشر قبل الميلاد في المدونات الأكادية كعاصمة لمملكة عربية، وهي على الأرجح المدينة التي ذكرها النبي إشعيا في التوراة: "وحي من جهة دومة: صرخ إليّ صارخ من سعير: يا حارس، ما من الليل؟ يا حارس، ما من الليل؟ قال الحارس: أتى صباح وأيضا ليل. إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا، تعالوا" (إشعيا 21: 11-12). عاصرت هذه المدينة التاريخ منذ أقدم أزمانه، وأظهرت البحوث التي أشرف عليها العالم السعودي خليل إبراهيم المعيقل، خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، ثراء هذه المنطقة التي استوطنها الأنباط طويلاً قبل أن تخضع للحكم الروماني سنة 106 في عهد الإمبراطور تراجان، وقد بقيت ضمن طوال أربعة قرون ضمن ما يُعرف بـ"الليمس العربي"، وهو خط الدفاع الروماني الطويل الذي امتدّ من شمال سوريا إلى جنوب فلسطين، وتكوّن من سلسلة متقطعة من منشآت التحصين. في القرن الخامس، تحوّلت دومة إلى عاصمة لمملكة كندة التي لعبت دوراً مفصلياً عبر تاريخ العرب القديم، وقد سقطت هذه المملكة قبيل الإسلام بزمن غير بعيد، وتفككت لإمارات كانت آخرها دومة الجندل التي حكمها أكيدر بن عبد الملك.

في ربيع 2009، عقدت الهيئة العامة السعودية للسياحة والتراث الوطني، مع كلية الدراسات الشرقية في جامعة نابولي، اتفاقية تعاون علمي للتنقيب في المواقع الأثرية في محافظة دومة الجندل لمدة خمس سنوات. وبعد عامين، تمّ تعديل هذه الاتفاقية، ودخل المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي كشريك جديد في هذا المشروع. في مرحلة أولى، عمدت هذه البعثة المشتركة إلى مسح الواحة وما جاورها ودراسة النقوش التي ظهرت في أقرب المناطق إليها، وهي نقوش تعود إلى أناس نحتوا أسماءهم عليها، ودوّنوا بلغاتهم كتابات تشير إلى طرق سفرهم وتنقلاتهم، وساهم هذا المسح الأولي في تحديد تأريخ تقريبي لهذه النقوش. وفي مرحلة ثانية، شرعت البعثة بأعمال التنقيب داخل الواحة، وأجرت دراسات ميدانيًة بمساعدة السكان المحليين في كل بقعة من بقاعها. كشفت أعمال المسح والتنقيب المتواصلة عن آثار بقايا معمارية ترجع إلى الفترة النبطية والرومانية في قلعة مارد التي شيّدت في القرن الميلادي الأول، كما كشفت عن وحدة معمارية لحي سكني يقع عند السور الغربي للواحة، ويعود هذا السور إلى هذه الحقبة كذلك. من جهة أخرى، عثرت البعثة عند أبراج هذا السور على أساسات معمارية ترجع للعصر الروماني، وحدّدت نظاما للري يربط بين قنوات وأنفاق لا تزال أسسها قائمة. 

كشفت هذه الشواهد المتعدّدة، مراحل تسلسل الاستيطان في هذا الموقع الاستثنائي، وهي مراحل تمتد من العهد النبطي الطويل، إلى المرحلة الرومانية، وصولاً إلى الحقبة الإسلامية. في العصر الحجري الحديث، كانت شبه الجزيرة العربية منطقة خضراء غنية بالمياه، غير انها شهدت مع بداية العصر البرونزي تحولات مناخية أدت سيادة التصحر والجفاف فيها. في الألف الأول قبل الميلاد، ظهرت الواحات الزراعية والمياه الجوفية، مما اسهم في ازدهار هذه المنطقة. تجمع السكان في منطقة الجوف حول الواحات والآبار لتوافر سبل العيش والاستقرار فيها، على الطريق التجاري القديم الذي يربط ما بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وباتت هذه المنطقة ملتقى طرق تقاطعت فيها حضارات عريقة. 

تواصلت هذه الأبحاث الميدانية، وأدت مؤخرا إلى اكتشاف منصة مثلثة بطول 35 متراً تعود إلى مرحلة ما قبل التاريخ، وهي موجهة على محور من الشمال الغربي إلى الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، وتتماشى مع مسار الشمس عند الانقلاب الشتوي. تتبع هذه المنصة النسق الذي يُعرف بالمغليثي، ويتميز هذا النسق بأحجار ضخمة مقطوعة بشكل خاص يوصف بالمغليثي، وهي تسمية يونانية تشير إلى الضخامة. تحدثت الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي أوليفيا مونوز، وهي رئيسة البعثة المشتركة التي تعمل في هذا الموقع، وقالت إن هذه المنصة أنشئت في الألفية السادسة قبل الميلاد، وقد تواصلت أعمال البناء فيها على مدى قرون حيث تم تخصيصها لممارسات الطقوس الجنائزية والتذكارية كما تشهد اللقى والبقايا البشرية والرواسب التي عُثر عليها داخل وحول المنصة وفي المنافذ الجانبية، وكذلك في المقابر المجاورة لها. 

ضمّت اللقى التي عُثر عليها في هذا الموقع، مجموعة من الأحجار المصرية، منها حجر على شكل جعران تزينه صورة فرعون يرتدى اللباس التقليدي، وتشهد هذه الأحجار للعلاقات التجارية القديمة بين سكان دومة الجندل والمملكة المصرية قديمة التي برزت في الفترة الممتدة من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

وبحسب التقرير العلمي الخاص بهذا الاكتشاف، "شكّلت هذه المنصة حيزًا احتفاليًا للأنشطة الاجتماعية والطقسية، كما شكّلت مرساة مادية للذاكرة الاجتماعية وبناء الهوية، وكانت علامة إقليمية للرعاة المتنقلين في المنطقة".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها