آخر تحديث:12:35(بيروت)
الإثنين 22/06/2020
share

عبد العزيز المقالح... صاحب الديوان الثقافي

بشير البكر | الإثنين 22/06/2020
شارك المقال :
عبد العزيز المقالح... صاحب الديوان الثقافي
إذا زرت صنعاء ولم تمر على مقيل (صالون) عبد العزيز المقالح، ستكون الزيارة ناقصة. إن زيارة مجلس المقالح اليومي هي أول الطريق ليس إلى صنعاء فقط، بل لكل من يود أن يدخل اليمن من بابه الواسع. لا يحتاج من يذهب إلى اليمن لدليل لأن أهل تلك البلاد يفتحون أمام الزائر قلوبهم، ولكن عتبة ديوان المقالح الثقافي خطوة ضرورية لكل من أراد أن يذهب في اليمن بعيدا. وبيت المقالح مثل قلوب أهل اليمن مكان للألفة، ومحطة للحفاوة بلا حدود. وهو صورة عما تختص به تلك البلاد من رحابة ومودة ولطافة. والمقالح شاعر ومثقف ومربي تربوي، ورجل موقف سياسي وطني، طار اسمه وصيته بعيدا عن بلاده منذ عدة عقود، وصار بمثابة العنوان الثابت لكل من يريد زيارة البلاد التي كان اسمها ذات يوم العربية السعيدة. وهي إذ لم تعد سعيدة في هذا الزمن الرديء بسبب الشقاء الاقتصادي والحروب، فإنها بقيت تحافظ على تلك الجذوة المتقدة في أعماق كل يمني، كناية عن ملكة الفطنة الفطرية العظيمة ابنة الأرض البكر.

ذهبت إلى صنعاء في شهر أيلول/سبتمبر 1983 بمناسبة ذكرى الثورة التي أطاحت حكم الإمامة عام 1962، وهناك بدأت البحث عن الكتاب والصحافيين والمثقفين بالوسائل المعتادة، اي باستخدام جهاز فندق "دار الحمد" الذي يقع في منطقة متطرفة من صنعاء، وهو بناء تراثي كان في الأصل أحد بيوت العائلة الحاكمة قبل ثورة سبتمبر، واستأجره مستمثر يمني (عبد القوي عثمان)، وحوله إلى مكان إقامة على قدر كبير من النظافة والحميمية. ولأنه لم يكن هناك هاتف في الغرفة التي سكنتها، كان علي أن أطلب الرقم من موظف الاستقبال، حيث جهاز الهاتف الوحيد. لكني لم أعثر على أحد من الذين هاتفتهم، ومنهم الشاعر زين السقاف شقيق صديقي وزميلي في الدراسة الجامعية، وشريكي في السكن في بيت التجارة في دمشق حامد السقاف. وتدخل موظف الاستقبال وشرح لي أقصر الطرق في الوصول إلى الكتاب والمثقفين والصحافيين. قال عليك بالذهاب إلى مقيل الشاعر عبد العزيز المقالح، وهناك ستجد الجواب على كل سؤال. وكيف أصل إلى هناك، وهل يستقبلني الرجل بلا موعد؟

وعلى الفور خرج الموظف الشاب من وراء الاستقبال، وراح يبحث عن أحد يملك سيارة ويتبرع بإيصالي إلى صالون المقالح. وقال لي إن الأمر عادي، واستطيع الدخول بلا موعد وسوف يرحبون بي. وبالفعل وجد رجلاً ستينياً حملني بسيارته، وكان يجاملني طيلة الطريق، ويرمي لي بأغصان القات الطرية، ويشرح لي كيف أتعاطى معها. وأوصلني إلى المكان، وحين هممت بشكره أصر على إيصالي إلى باب الديوان، وتقدمني كي يمهد لي الطريق، وحين دخل، ألقى التحية فكان الترحاب به فوق العادة، وهناك عرفت من هو، وكنت أظنه مجرد ضيف في الفندق تطوع بنقلي فقط، وإذ به أحد أركان المشير عبدالله السلال أول رئيس جمهورية لليمن الشمالي (1962-1967)، الذي كان له دور كبير في انهاء حكم الإمامة في اليمن.

وأفرد له المقالح مكاناً في صدر المجلس إلى جانب الشاعرين أدونيس وكمال أبو ديب، والمفاجأة ان الرجل الذي أوصلني بسيارته على علاقة صداقة مع ادونيس وأحد قارئي وحافظي شعره. وكان مجلس المقالح اليومي منعقداً على عادته كل يوم، ويضم جمعاً لا يقل عن خمسين شخصا من أعمار ومستويات ثقافية متفاوتة، وكان الشاعر والاستاذ الجامعي يديره بطريقة سلسة جدا. وكان هناك في المجلس الصديقان اللذان لا يفارقان المقالح محمد عبد السلام منصور وخالد الرويشان، وصاحب رواية الرهينة زيد مطيع دماج، بالاضافة إلى كتاب وصحافيين واساتذة في جامعة صنعاء يمنيين وعرب، من بينهم الاستاذ الجامعي السوري الدكتور وهب رومية رئيس قسم اللغة العربية في جامعة صنعاء والباحث في الشعر الجاهلي، والذي جلست بجانبه، ونشأت بيننا ألفة سريعة بفضل الصديق المشترك صاحب دار ابن رشد البيروتية سليمان صبح، الذي سبق أن حدثني عن صديقه وهب. والأمر المثير للاعجاب، ويستحق أكثر من دراسة هو أن هذا الصالون الثقافي يشكل ظاهرة ثقافية لا مثيل لها على مستوى العالم العربي. وهو تراث يمني خاص، تولد من جلسات القات التي تدوم عدة ساعات بعد الغذاء. وهذه الجلسات مكان لتناول القات (تخزين)، والتداول غي شؤون مختلفة، وبعض هذه المجالس يختص بالثقافة او السياسة او شؤون القضاء..إلخ. وكان مقيل المقالح فريدا من نوعه في صنعاء لأنه يستقبل مرتادين من خلفيات متعددة، إلا ان الحديث يقتصر على الثقافة، وهذا أمر له مغزى كبير في بلد لا يمتلك مؤسسات ثقافية او صحافة ثقافية، رغم ان عدد الكتاب والمثقفين والمهتمين لا يقل عن أي بلد عربي آخر. وإقامة المقيل الثقافي كان أحد أهدافه انتزاع الاعتراف بدور ريادي للثقافة في مجتمع قبلي عسكري.

ويندر أن زار صنعاء كاتب أو صحافي، ولم يتعرف على هذا المكان الذي أقامه المقالح بجهده الخاص وعلى نفقته، وكرسه ليكون ملتقى ثقافات بين أبناء البلد والقادمين إليه من الخارج من العرب وغير العرب. وتوسعت نشاطات المقيل من مناقشات ومداولات إلى قراءات شعرية وتقديم مسرحيات قصيرة. ومن مآثر ذلك الصالون أنه كان مشرع الأبواب أمام شباب اليمن من المواهب الجديدة، الذين كانوا يرتادونه من أجل تقديم بعض كتاباتهم والمشاركة في الحوارات والاستئناس بآراء الكتاب القادمين من خارج البلد. وشيئا فشيئا نشأ جو ثقافي متكامل من حول المقالح، وصار الصالون يضارب على نشاط الوزارت المعنية، وينافس الاتحادات التي تقدم أنشطة ثقافية وفنية مثل اتحاد الكتاب الذي لم يتمكن من مجاراة مقيل المقالح. ومن ذلك الصالون خرجت شخصيات تبوأت مناصب ثقافية واعلامية مثل خالد الرويشان الذي تولى وزارة الثقافة، وهو كما أشرت من الأصدقاء الحميمين للمقالح.

المقالح من مواليد 1937 في قرية المقالح من محافظة إب في شمال اليمن. شارك في ثورة 1962 ضد حكم الامامة، وتخرج من دار المعلمين في صنعاء عام 1960، ثم اكمل دراساته حتى الدكتوراة في مصر التي تم ابعاده عنها بسبب مشاركته في نشاطات معارضة للرئيس المصري انور السادات بعد زيارته للقدس. وبعد عودته من مصر وصل المقالح إلى مواقع متقدمة، منها التدريس في جامعة صنعاء كاستاذ للآداب والنقد الحديث، ومن ثم تولى رئاسة الجامعة منذ عام 1982 حتى عام 2000، وأسس مركز البحوث اليمني، وهو أول مؤسسة تنتقل بالبحث إلى المهنية. ولعب المقالح دورا كبيرا في نهضة اليمن الثقافية والتعليمية. ويسجل له أنه أخذ بيد جيل كامل من الكتاب من خلال الصالون الأدبي، فهؤلاء الذين صاروا كتابا معروفين وترجمت أعمالهم إلى الانكليزية والفرنسية مثل الروائي علي المقري الذي تعرفت عليه في صالون المقالح في أوائل التسعينات، ولم يكن قد اكتشف موهبته الروائية بعد، وكانت لديه محاولات شعرية واعدة. ومن الكتاب الذين تميزوا محمد حسين هيثم الشاعر الذي رحل عام 2007، والشاعر عبد الكريم الرازحي. وعلى ذات الصعيد أثر المقالح كبير في تطوير جامعة صنعاء، ووظف معارفه العربية من أجل التعاقد مع افضل اساتذة الجامعات من العالم العربي، ووضع كل امكاناته من اجل انشاء مركز البحوث اليمني الذي صار مرجعا بحثيا لا ينازع فيما يخص اليمن.

ولعب المقالح على مزاوجة المقيل مع الجامعة ومركز البحوث، وبذلك لم تفلت موهبة أو طاقة ثقافية، سواء من أبناء البلد أو المقيمن والقادمين في زيارة قصيرة، إلا وقد وُُظفت في خدمة النهضة الثقافية والتعليمية في البلد. ومع ذلك لم يسلم الرجل من حملات التحريض عليه من قبل جهات دينية وصلت إلى حد التكفير، رغم أن المقالح كان يقدم نفسه على أنه معتدل، وهذا ما كان يتسم به خطابه وسلوكه وعلاقاته. واختارت الجهات التي ناصبته العداء بعض قصائده ومنحتها حمولة دينية كي تفسرها بما يخدم أغراضها، ولكنه لم يهتز او يتراجع عن مشروعه التنويري في اليمن، والذي كان المقيل ساحته الرئيسية. واراد المقالح من المقيل عدة أهداف. الأول هو، الرد على تهميش الثقافة. والثاني هو، تنظيم الكتاب والمثقفين في نشاط يومي مفيد في بلد كانت غالبية ملتقيات القات تهدر الوقت بالتسلية. والثالث هو، تقريب المثقف من الشارع، وبالعكس بناء جسر للمثقف ليتصل بالشارع. والرابع هو، اعطاء الشباب فرصة كي يطوروا مواهبهم من خلال الاحتكاك اليومي بالمثقفين القادمين من الخارج.

واختلف الوضع في مقيل المقالح بعد الوحدة بين الجنوب والشمال، والتي تمت في 22 مايو/ايار 1990 عن الفترة التي سبقتها. قبل الوحدة كان المثقف في الجنوب والشمال مهمشا بكل معنى الكلمة ولا دور له. وفي بداية الوحدة، وفي ظل التعددية السياسية نشط المثقفون، وكان مقيل المقالح ابرز مكان للحوار ومناقشة القضايا. وحضرت في الملتقى شخصيات حزبية ومستقلة ورسمية لتناقش المرحلة الجديدة التي لم تدم طويلا، ولكنها نقلت الوضع من حالة الركود، وحركت الجو الثقافي. وهنا شرع المثقفون يفتشون عن دورهم ومكانهم في المشروع الجديد. ومن بين الشخصيات التي كنا نقابلها لدى زيارة صنعاء هناك الصحافي والكاتب سعيد أحمد الجناحي الذي تعرفت عليه في عدن وسبق أن زرته في منزله بعدن برفقة ادونيس وفواز طرابلسي وجوزيف سماحة وعبد الرحمن منيف في مارس/آذار 1990، والكاتب والصحافي عبد الباري طاهر الذي تولى نقابة الصحفيين لاحقا، ويعد اليوم من أبرز الشخصيات الديموقراطية في صنعاء. وكان يتردد على مجلس المقالح شخصيات حزبية ودبلوماسية مثل جارالله عمر الزعيم الاشتراكي والكاتب والمثقف، والدكتور أحمد الصياد مندوب اليمن في اليونسكو. ومن الكتاب العرب المرحوم الشاعر ابراهيم الجرادي الذي كتب دراسة هامة في شعر المقالح ( الحداثة المتوازنة -عبد العزيز المقالح: الحرف، الذات، والحياة) والناقد والشاعر العراقي علي جعفر العلاق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها