آخر تحديث:13:03(بيروت)
الثلاثاء 28/04/2020
share

سينما الوباء (3): أين ذهب الناس؟

محمد صبحي | الثلاثاء 28/04/2020
شارك المقال :
  • سينما الوباء (3): أين ذهب الناس؟
    لقطة من فيلم 'الشعاع الأخضر' لإريك رومير
  • لقطة من فيلم 'ركبة كلير' لرومير
    لقطة من فيلم 'ركبة كلير' لرومير
  • في فيلم 'بلو آب' لأنطونيوني، يتجوّل مصوِّر ملول في الحدائق المهجورة أو يقفز هكذا.
    في فيلم 'بلو آب' لأنطونيوني، يتجوّل مصوِّر ملول في الحدائق المهجورة أو يقفز هكذا.
تعيش الأفلام على الناس وإظهار حياتهم. لكن ثمة سوء فهم أساسياً في افتراض أن الأفلام المهجورة منهم تعني دائماً نهاية العالم.
ينابيع ذلك تبدأ مع بدء السينما ذاتها. فالكلاسيكيات السينمائية المعروفة بسيمفونيات المدن الكبرى في جمهورية فايمار، على وجه التحديد، كونها أفلاماً صامتة تعتمد الصورة بشكل أساسي، انفتحت بحكاياتها على تجارب الحياة اليومية للمجتمع الجماهيري الديموقراطي، البادئ حينذاك في التملّص من تقاليد البرجوازية العتيقة. أظهر صانعو الأفلام، مثل والتر رتمان، وروبرت سيودماك، وإدغار جي أولمر، وبيلي وايلدر، المدن كأماكن زاخرة بالمخالطة الاجتماعية، حيث يعمل الناس من مختلف الأوساط ويستمتعون. يلتقون ويجتمعون باستمرار، مدفوعين بالنشاط أو الملل أو الفضول، ينفصلون ويلتئمون من جديد، في منوال متكرر. أبرزت هذه الأفلام الحيوية في الأماكن العامة، لأن قيم الحرية السياسية والفردية الجديدة تم التعبير عنها بشكل واضح فيها.



في ضوء هذه الصور للمجال العام الحرّ، كان من المنطقي أن يتصوَّر صانعو الأفلام حالات المراقبة وحالات الطوارئ كسلسلة من المشاهد المهجورة من الناس. في أفلام الإثارة الديستوبية، من "مجانين" جورج أ. روميرو إلى زومبي نهاية العالم في فيلم داني بويل "بعد 28 يوماً"، تتشابه الصور: تتوقّف الحياة العامة، ويتواجد الناس في الشارع كأموات أو كاختصاصيين صحّيين مقنّعين بأجهزة تنّفس لتطهير الشوارع والتخلُّص من الجثث. تكرار هذه اللغة التصويرية هو ما يدعم سوء الفهم المتنامي بأن خلاء الفضاء العام يعبّر دائماً عن حالة لاإنسانية.

انتبه: فخّ صور!
لكن مَن يعتقد ذلك، سيقع في فخّ صور يحجب تنوُّع مشاهد الأفلام المهجورة وما تستبطنه من تمايزات مفتوحة لأكثر من تأويل ووظيفة. مايكل أنجلو أنطونيوني، أحد أهم سينمائيي الصور المهجورة، يوضّح جيداً هذ الأمر.

باعتماده أسلوبه، الذي عُرف في ما بعد بالواقعية الجديدة (Neorealism)، استهل أفلامه بتسجيل دقيق للأنشطة البشرية، وخاصة العمل. كانت أفلامه منذ أواخر الأربعينيات من القرن الماضي عبارة عن صور بانورامية لإيماءات مختلفة من العمل، انعكست فيها الأوساط الاجتماعية للمجتمع الإيطالي. أظهر أنطونيوني المزارعين، وسكّان المدن الصغيرة العائشين على طول نهر بو المتدفق شرقاً عبر شمال إيطاليا، كما كنّاسي الشوارع في المدن الكبيرة، وروّاد الأعمال الناشئة في شمال إيطاليا بعد الحرب ("قصة علاقة غرامية"، 1950) وبروليتاريا المصنع الحضري ("الصرخة"، 1957).


لكن بدءاً من فيلمه "الليل" (1961)، بدأ أنطونيوني في إزالة الأشخاص من أفلامه حرفياً. صور الحياة الحضرية والريفية، الموسرة والفقيرة، التي أبرزتها واشتهرت بها الواقعية الجديدة، عبر إخضاعها لعدستها الدقيقة في فحص تمايزات الجغرافيا الاجتماعية لمكوناتها، أضحت فجأة تشبه بعضها البعض بطريقة شبحية. في "الكسوف" (1962)، تتحرك مونيكا فيتي وألان ديلون عبر روما مهجورة الشوارع. المارة المتناثرة تبدو كبقايا خلفية مُفككَّة.

لكن على عكس أفلام الديستوبيا، لا آثار للدمار والموت هنا، بل تحضر العاصمة الإيطالية كما لو أنها خارجة من جلسة تنظيف كاملة. كل شيء لا يزال موجوداً، لكن يبدو غير قابل للاستخدام. تقدِّم الشوارع والمقاهي والحدائق والمناظر الطبيعية نفسها، بجمالها ووحدتها، لحياة لم تعد مُعاشة. كذلك، يفعل الناس. إنهم يعرفون القليل عما ينبغي فعله، في ما بينهم في الغرف المغلقة، مثلما مع كتبهم وملابسهم وأثاثهم. الآثار القديمة للازدهار البرجوازي تصبح موضوعاً للنظر لا للتمتّع والاستخدام، يتعطّل عملها، فتنتفي وظيفتها.


داخل مزدحم.. خارج فارغ
التباين بين التصميمات الداخلية المزدحمة بالتفاصيل، والأحياز الخارجية الخالية من موجوداتها، بين العُلَب السكينة المجمّدة بديكوراتها والشوارع المتصحرة؛ هو شيء يعاوده أنطونيوني أكثر من مرة. يُظهر فيلم "الصحراء الحمراء" (1964) المنطقة الصناعية حول رافينا (مدينة بالقرب من الساحل الأدرياتيكي في شمال شرق وسط إيطاليا) كبقايا نمط إنتاج ميّت يدير فيه العمال آلات لا أحد يعرف ما تنتجه. تبدو شوارع المدن الكبرى والقنوات والمناظر الطبيعية مهجورة، إلا من حفلٍ على منزل-زورق، يلتقي فيه الأبطال بالصدفة، ثم يتصاعد إلى نوبة جنون.


فيلم "بلو آب"(1966)، أشهر أفلام أنطونيوني، يعرض أيضاً لندن فارغة، لا يمتلئ فيها سوى النوادي الليلية، وعبر حدائقها الفارغة يطارد البطل/المصوِّر الملول زوجاً معزولاً من العشاق، أحدهما (على ما يبدو) ضحية جريمة قتل ارتكبها الآخر (على ما يبدو)، وهي الجريمة التي لم تُحلّ أبداً وربما لم تقع أساساً.

لا تصف أفلام أنطونيوني مجتمعاً لاإنسانياً، فتبنّي هذا الاستنتاج سيكون تبسيطاً مخلّاً، بل هو مجتمع هاجرت منه آثار الإنسان إلى الأشياء، إلى الفراغ، إلى البُعد من الإنسانية. يشعر فيه الناس بحيويتهم فقط بشكل أعمى وانعكاسي. المكان الوحيد المزدحم في "الكسوف" هو البورصة، المسكونة مثل سوق يعجّ ببشرٍ يصرخون ويلامسون بعضهم البعض ويقفون في طريق بعضهم البعض. في مقلب آخر، تبدو الأماكن والمناظر الطبيعية الفارغة كمن أوفت بوعدها للناس أن تظلّ خالية ومرفوضة.

صُور أنطونيوني المهجورة ليست شفرات وجودية من الاغتراب المبهم، لكنها تنهض من ادعائه الواقعي الجديد لتمثيل الحياة العملية. وفرضيته بسيطة: بما أن الحياة العملية قد تغيَّرت جذرياً، وبما أن مسألة العمل، كما نتاجاته، لم تعد تعبيراً حيوياً عن الإنتاجية البشرية؛ فهو يُظهر الناس وبيئتهم كما هم من دون رتوش: لقد تحلّل العالم المُعاش إلى حياة بلا حياة، والعالم الجامد يبدو متحفاً لما كان في يوم من الأيام إنساناً.

اللاإنتاجية إكسير حياة
تعبِّر أفلام إيريك رومير، العائشة في أصياف فرنسية ستينية، عن تناقض مشابه، لكنها تأخذ طابع الحكايات الخرافية. أبطال رومير، أيضاً، ليس لديهم ما يفعلونه. لكن، على عكس أبطال أنطونيوني، لاإنتاجيتهم هي إكسير حياتهم. الغرابة البادية بين الأفراد وتجاه نتائج أنشطتهم، ليست بؤساً إنسانياً، بل شرطاً للصداقة والسعادة. تحترف شخصيات رومير التعامل مع ما لا تستطيعه شخصيات أنطونيوني، إذ تفد إلى الفضاءات الفارغة لممارسة حياتها والبحث عن معنى.


في "ركبة كلير" (1970)، على سبيل المثال، تصوَّر المنطقة المحيطة ببحيرة آنسي (ثالث أكبر بحيرة في فرنسا، وهي وجهة سياحية شعبية) كمكان مهجور ومشرق وبديع الجمال، ليس كخلفية أحداث بل كجزء حيوي من اللقاءات الناظمة للفيلم، التي تتعطّل خلالها كل الاختلافات العمرية، وهو ما ينطبق أيضاً على تماهي الاختلافات بين علاقات الصداقة والحب والقرابة في الفيلم.

وفي "الشعاع الأخضر" (1986)، حين تذهب البطلة لتقضي عطلة بمفردها في بياريتز (مدينة ساحلية أنيقة على ساحل الباسك جنوب غربي فرنسا)، تتحوَّل المدينة-المنتجع إلى مدينة يتواجد فيها الناس من دون التقاء، وهو ما يشكِّل الخلفية البعيدة لتلصّص الفيلم/البطلة على محادثة حول رواية جول فيرن التي تعطي الفيلم عنوانها، ومنها يقتبس الفيلم أحد أكثر لحظات السينما صفاءً وسحراً.


التناقض الواضح بين نهجي أستاذين سينمائيين مثل أنطونيوني ورومير لن ينفي أرضهما المشتركة. رأى رومير نفسه واقعياً أيضاً. باكورته الإخراجية، الفيلم القصير الذي ظهر العام 1962 تحت عنوان "عرض أو شارلوت وشريحة لحمها"، يُظهر عالم العمل من خلال التعريج على خبّاز باريسي، مستخدماً إياه، كما سيفعل في أفلامه اللاحقة، كنقطة انطلاق لشبكة علاقات، يكتفي بالتلميح إليها ويزهد في تطويرها لبقية الفيلم.

في حين يصرّ أنطونيوني على انقطاع العلاقة بين بيئة الإنسان (في غيابه) وساكنيها "اللاحياة لهم"، في أوقات غياب اليقين والبحث المضني عن معنى؛ في أفلام رومير، تعمل المسافة بين/من الناس كإمكانية ودّ وتواصل.

هذا هو السبب في أنه على الرغم من حضور الفضاءات الواسعة والمناظر الطبيعية عند رومير، غالباً، كمساحات فارغة وصامتة، فإن شخصيات أفلامه، البادين كأنهم يقضون إجازة مدى الحياة في تلك الأمداء الوادعة، أكثر ظرفاً وذكاءً واستجابةً وثرثرةً من أي إنسان "حقيقي" تقريباً. يظهر الفراغ والصمت هناك - ربما للمرة الأخيرة - كشرط مسبق للتعايش الناجح المنتج.

مع ذلك، في المساحات المهجورة حالياً بفعل الوباء والخوف والاحتياط، ثمة تعبير عن سكون اجتماعي أخرس، لم تتمكن أفلام مثل التي أنجزها أنطونيوني ورومير ترجمته أو إظهاره. حتى الآن، لا توجد صور فيلمية لهذا الفراغ والصمت الجديد الذي نعيشه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها