آخر تحديث:13:15(بيروت)
الثلاثاء 24/03/2020
share

أفلام الأوبئة في عزلات كورونا...أهلاً بك في رعب الواقع

محمد صبحي | الثلاثاء 24/03/2020
شارك المقال :
  • أفلام الأوبئة في عزلات كورونا...أهلاً بك في رعب الواقع
    كثير جداً. مفاجئ جداً. ريني روسّو في فيلم "أوت بريك"
  • الوباء عقاب إلهى على الخطايا؟ غوينيث بالترو في فيلم "كونتاجين"
    الوباء عقاب إلهى على الخطايا؟ غوينيث بالترو في فيلم "كونتاجين"
لاستحضار الرعب الأبوكاليبتي وسيناريوهات نهاية العالم، كل ما عليك فعله الآن متابعة نشرات الأخبار. هناك، يمكن رؤية العديد من الصور المستخدمة عادةً في أفلام الكوارث القاتلة: الشوارع والمقاهي المهجورة، الخبراء القلقون، متاجر البقالة مُفرَّغة الأرفف، الهلع الساري في هواء يتنفسه ناس يدفعهم خيال الأزمات.


لكن يبدو أن الأخبار ليست كافية لبعض الناس. لأسابيع حتى الآن، تواجد فيلمان بعينهما على رأس قوائم التحميل والمشاهدة في شبكة الإنترنت، رغم قِدمهما النسبي. لكن يزول الغموض حين معرفة أن قصتهما تتابع أزمات تفشّي فيروس قاتل في أنحاء العالم. "كونتاجين" (2011، ستيفن سودربيرغ) يحتلّ مركزاً متقدماً في أكثر الأفلام تنزيلاً في مواقع التورينت، كما في قوائم متاجر آي تيونز. أما فيلم "أوت بريك" (1995، فولفغانغ بيترسن) فيأتي في مركز متأخر قليلاً عن نظيره، لكن في الوقت ذاته كاف ليشاهده عدة مئات الملايين من المتفرجين في أنحاء متفرقة من العالم. هذا أمر غير معتاد بالنسبة لأفلام ليست حديثة الإنتاج، ولا تُعرض حالياً في دور العرض السينمائي، فمن أين يأتي هذا الانجذاب لخيال سينمائي يشبه أزمات واقع الحالي؟

في الأيام القليلة الماضية، كانت مفيدة العودة لمشاهدة الفيلمين، للوقوف على أسباب تلك الاستعادة الفرجوية المثيرة للانتباه، وما يمكن أن يسهم به الخيال الفني في أوقات الكارثة، من تقديم العزاء أو تهويل التوابع على حدّ سواء، عبر خلق صورة ملموسة لوضع لا يمكن لأحد تخيُّله فعلياً. في كتابها "المستقبل ككارثة: تخيُّل الكوارث في العصر الحديث"، تقترح إيفا هورن تسمية مثل تلك الأفلام والروايات "استعدادات تجريبية"، حيث يمكن للمرء، من موقعه الآمن على أريكة غرفة معيشته، مشاهدة ما يحدث الآن من كوارث وما قد يحدث لاحقاً أيضاً. لكن في الواقع، لا شيء مطَمئناً في الفيلمين على الإطلاق، خصوصاً "كونتاجين" الأكثر واقعية في هذا الصدد.

يبدأ الفيلم، بشاشة سوداء، مع صوت سعال جدّي مصدره سيدة الأعمال الأميركية بيث إيمهوف (غوينيث بالترو). إنها في طريق العودة من هونغ كونغ بعد رحلة عمل، ولديها توقُّف في شيكاغو، تستغله في قضم بعض حبّات الفول السوداني في بار المطار، بوجه ينضح بالحمّى والحرارة. بعد أن تدفع الحساب وتتجه إلى البوابة، يستبقي سودربيرغ الكاميرا، لبضع ثوان، على كل شيء لمسته: المكسّرات في الوعاء المخصص لجميع المسافرين، بطاقتها الائتمانية، التي أعطتها للنادلة، والتي بدورها تستخدم شاشة تعمل باللمس لتسجيل مدفوعات الزبائن. يتبدّى مرضها الواضح، وسيتبعها الآخرون من مخالطيها والمتعاملين معها. إنها مسألة وقت لا أكثر. ينغرس الفيروس في كل مكان، ثم بعد عشر دقائق من الفيلم، ترقد غوينيث بالترو على طاولة تشريح، بينما يقوم أخصائي علم الأمراض بسلخ فروة رأسها. أي شخص ذلك الذي، بعد مشاهدته تلك الصور السينمائية، سيظل مكابراً ولن يغسل يديه الآن كل خمس دقائق، بعد شهر كامل من تفشّي أخبار كورونا في كل مكان؟!

يتنامى الذعر والشكّ والبارانويا بسرعة كبيرة مع تقافز أعداد المصابين من مئات إلى آلاف ثم إلى ملايين، بالتوازي مع محاولات المسؤولين وقف المدّ القاتل، في الوقت الذي يكافح فيه المواطنون المرض والانهيار الاجتماعي. يقدّم سودربيرغ فيلماً محموماً ومرهِقاً عن فيروس قاتل ينتشر في العالم كالحريق، رغم الجهود الكبيرة للحكومات والمؤسسات والأفراد. يحاول نقل الفزع والفوضى الناتجين عن الكارثة، على الصعيد الشخصي والمحلي والعالمي، وإظهار الجهود والتحركات ضد وقف الفيروس كمعركة للبقاء الإنساني تُخرج أفضل وأسوأ ما في النفس البشرية، حيث الموت البشع والسريع إمكانية مُرجَّحة وأقرب مما يتصور المرء.

سكوت زي بيرنز، كاتب سيناريو "كونتاجين"، أجرى مؤخراً مقابلة مع مجلة "سليت"، قال فيها إنه على الرغم من أن الفيروس الموجود في الفيلم أقوى من كورونا، فإن "الحكومة الأميركية الحالية أقل استعداداً لمكافحته". هذا من شأنه تقليل التأثير المريح إلى حد ما لـ"كونتاجين"، الذي في نهايته ثمة لقاح يكتشفونه، ويتضمّن أيضاً مات دامون، الذي يصوّره الفيلم، كرجل عائلة مسؤول، ينقذ ابنته من الفيروس المميت، على الرغم من اضطراره إبعادها تماماً عن صديقها بسبب ذلك.

في المقابل، وعلى نحوٍ يثير بؤساً ساخراً، يكاد يكون "أوت بريك"، بلاواقعيته، مطمئناً أكثر. هنا، يأتي الفيروس الأصلي جزءاً من لعبة حرب بيولوجية، كعميل يحاول الجيش الأميركي إبقاءه سرّياً. فوق مخيم عسكري في أفريقيا، حيث أُختبر الفيروس للمرة الأولى، يُسقط الجيش قنبلة لمحو آثار تجاربه السرّية. لكن، تقفز ثلاثة قرود سوداء وبيضاء من بين الأشجار المحترقة إلى بر الأمان. بعد ثلاثين عاماً، يصل الفيروس القديم إلى بلدة صغيرة وديعة في كاليفورنيا، عبر قرد مُهرَّب. داستن هوفمان ورينيه روسو، كعالمي فيروسات وزوجين سابقين، تُلقى عليهما مهمة الإنقاذ. حتى يحين هذا الموعد المنتظر، على كيفن سبيسي، من بين آخرين، أن يسخّر حياته للاضطلاع بدور العالم الزميل المُسلٍّي والمضحك.

الملاحظ هنا، أنه على عكس "أفلام الموتى الأحياء" الأخرى ذات الصلة، لا تجرّد أفلام الأوبئة مصابيها من إنسانيتهم، بل تدفع سردياتها دوماً للاستثمار في الإمكانات الإنسانية لمن أوقعتهم أقدارهم التعيسة في خانة ضحايا الوباء. مَن يشاهد هذه الأفلام سيلاحظ أيضاً الروايات/السرديات التس تشكّل فكرتنا عن الأوبئة: الفيروس الخطير يأتي من أدغال آسيا أو أفريقيا، ثم ينتشر في أنحاء العالم. دائماً يأتي الأمر من ذلك المنظور الغربي، حيث يبدأ المرض من العالم غير المتحضّر: من بعيد، هناك، حيث يكون البشر والحيوانات أقرب إلى بعضهم البعض مما هم إلينا (الغربيون). من هناك يبدأ غزو الشعوب المتحضرة بالوباء، وتعجّله عولمة مسالك النقل والتجارة، وتعقّد مسارات التقاطع الإنساني.

في نهاية "كونتاجين"، يُظهر مشهد وجيز وبليغ من أين أتى الفيروس: يجفل خفّاش من الآلات في أحد مواقع البناء، فتسقط من فمه قطعة موز، يأكلها خنزير صغير في مزرعة ملحقة بمصنع لحوم، والذي بدوره سيطهوه طبّاخ صيني لا يغسل يديه قبل مصافحته غوينيث بالترو والتقاط صورة معها في مطعمه. حتى الفكرة القديمة عن الوباء، كعقاب إلهي على الخطايا، تحضر في الفيلم: خانت شخصية بالترو شريكها أثناء توقفها في شيكاغو. لذا فإن مَن يجلب الفيروس إلى "عالمنا" ليس سوى امرأة خائنة ارتكبت خطيئة كبرى (التي هي في الحقيقة ملمح إنساني طبيعي يتجسّد في فقدان السيطرة أحياناً على الأمور). في المقلب الآخر، زوجها الشجاع، المواطن الأميركي المثالي، كما يجسّده مات دامون؛ ينجو، لأنه حافظ، حتى النهاية، على روابطه الأسرية وكل ما تمثّله العائلة كفكرة أميركية جليلة يجدر الحفاظ عليها. في "أوت بريك"، تتحوّل خطيئة إنتاج الأسلحة البيولوجية وترتدّ إلى صودر الخطأة أنفسهم، وتُدمَّر طمأنينة وهدوء سيدار كريك، التجسّد الجغرافي لوداعة الطبيعة والحلم الأميركي معاً، الذي يُفترض أن الجيش الشائن يريد حمايته.

في النهاية، الأبطال، كما هو الحال عادة في أفلام هوليوود، شخصيات مفردة شجاعة، يمدّون حدود قدراتهم ويسخرونها من أجل تحقيق هدف أميركي سامٍ. قد تكون السلطات الرسمية في "كونتاجين" رعناء وفاسدة، باقتصادها وتقتيرها وإعطاء القليل من المعلومات للجمهور. لكن، لاحقاً، يتصرّف الباحثون والمسؤولون الأفراد بشكل بطولي، مثل الطبيبة التي تحقن نفسها باللقاح التجريبي لتوفير وقت التجارب السريرية.

السبب وراء ارتفاع الطلب على هذه الأفلام حالياً، ليس فقط بسبب التوق لراحة تأتي من متابعة إجراءات الإنقاذ وجهود المواجهة، الحاضرة والمكللة بالنجاح دوماً في الخيال السينمائي. وليس فقط بسبب الخوف، ورعب الواقع بعد وفود أسبابه من تلك السيناريوهات الفيلمية. تشرح إيفا هورن تأثير السيناريوهات الكارثية في كتابها إياه، بعملها كمنبّه، من ناحية إشارتها إلى المخاطر المحيقة بالبشرية جرّاء سلوكياتها، وتجسيدها بصرياً لتسهيل الإحساس بها، وبالتالي تنشيط وعي المشاهدين وحثّهم على إتباع عادات صحية سليمة، أو غسل أيديهم بانتظام على الأقل. ومن ناحية أخرى، تستخدم هورن مفهوم التداخل السلبي (interpassivity) لوصف آلية عمل تلك الأفلام: عبر الخيال السينمائي، يفوِّض المتفرّج تأدية ما يلزم لشخص آخر/بطل فيلم، مثل رجل العائلة الذي نجا من الوباء. تكتب هورن: "التحديق في الكارثة يهوِّن من المهمة الصعبة المتمثلة في العمل اللازم لمواجهة الكارثة".

حقيقة أن الناس يحدّقون في الكارثة، من أريكتهم المنزلية، أمر مريح بالتأكيد في حالة كورونا. في "أوت بريك"، تقول ريني روسّو، بعد رؤيتها عشرات المصابين الجدد: "كثير جداً. مفاجئ جداً." ليردّ داستن هوفمان، "ربما كانوا جميعاً يشاهدون فيلماً".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها