آخر تحديث:15:05(بيروت)
الأحد 22/03/2020
share

كورونا... المستقبل يبدأ الآن

أحمد ناجي | الأحد 22/03/2020
شارك المقال :
كورونا... المستقبل يبدأ الآن أطياف المستقبل

 الماضي الذي نعرفه انتهى ولن يعود، والمستقبل يتشكل الآن. مثلما نؤرخ للعالم بما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، سيشكل انتشار وباء الكورونا انحناءة حادة في مسار التاريخ، لا نعلم هل ستكون قفزة للأمام، أم سقوطاً للأسفل.


أعادتنا الكورونا للحظة قديمة، وفي الوقت ذاته وضعتنا في قلب تحديات المستقبل.

اللحظة القديمة تنتمي لإنسان ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث الأوبئة والأمراض الفتاكة، والإنسانية التي تحبو لفهم عالمها. بعد الحرب العالمية الثانية تشكل عالم جديد ينهض على عمودين؛ الأول هو ما عرف بميثاق حقوق الإنسان، كدستور ومرجعية أخلاقية لتصرفات الأفراد والمؤسسات. والثاني السيادة المطلقة للعلم كسلاح النصر، الذي جلب القنبلة الذرية وأوصل الإنسان إلى الفضاء.

لأكثر من نصف قرن عشنا في هذا العالم وبتلك القواعد، يتنافس على السيادة معسكر شرقي ومعسكر غربي. ثم انتصر المعسكر الغربي، وبسطت الليبرالية هيمنتها، فوقفنا في الصحراء العارية متوهمين أننا على متن السفينة تايتانك، نستمتع بحقوقنا "الأساسية" وحريتنا "الفردية"، نلتقط السيلفي وننظر لصورنا المعالجة بعشرات الفلاتر كأنها حقيقة وجودنا.

نزعتنا "الكورونا" من كل هذا، لتضعنا في ما تسميه الحكومات الآن بحالة الطوارئ، وبلغة الفلاسفة "حالة الاستثناء". حيث تُعطل القوانين الطبيعية، وتُنزع الحريات الأساسية مهما كانت قدسيتها. فملايين البشر ليس لديهم الحق في الحركة أو مغادرة منازلهم، كذلك الحق في الاجتماع والتنظيم، بل يمتد الاستثناء إلى حق الملكية المقدس في محراب الليبرالية. فإسبانيا أممت عدداً من المستشفيات الخاصة للصالح العام، والدول الرأسمالية العتيدة تعرف أنها تتجه نحو هذا المسار، فتحاول تأجيله بتدخلات محدودة في السوق، من قبيل تخفيض أسعار المحروقات، أو حزم دعم عيني ومادي للصناعات الصغيرة والمتوسطة. كلها حلول مسكنة تصلح لأسبوعين أو شهر على أقصى تقدير.

يخبرنا ترامب أكثر الحكام الوحوش تفاؤلاً بأن الأزمة قد تستمر حتى شهر أغسطس، بينما ماما ميركل المعروفة بصرامتها صرحت بأن الأمر سيستغرق عاماً. وبالتالي فما نشهده الآن لن يكون "حالة استثناء" بل مرشح للاستمرار شهور وربما أكثر من عام. الدكتور "ايزيكل مانويل" أستاذ سياسات الصحة العام وفريقه من جامعة "بنسلفانيا" نشروا مقال في "النيويورك تايمز"  تحدثوا فيه أن الأمر ليس موجة وستعبر، والحجر الصحي الذي دخله العالم لمدة أسبوعين حالياً، قد يجعل بالفعل أرقام الاصابات تنخفض مؤقتا، لكن سترتفع وسنعود لمنازلنا مرة آخرى، وهكذا في موجات كل الغرض منها تقليل سرعة انتشار الفيروس حتى الوصول إلى لقاح وتجريبه والتأكد من فعاليته.

هذا الوضع الفريد، سيجبر المجتمعات الانسانية والدول والحكومات على تعديل سياستها، بل وإعادة برمجة البشر بقيم ومعايير جديدة، تشمل وداع ثقافة السلام بالأيدي والأحضان، العودة إلى استعمال البلاستيك، العمل من المنزل، التدريس عن بعد، الاعتماد على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية في التواصل بين البشر.

ينتظر البشر العودة لحياتهم الطبيعة، لكن ما من عودة. فحتى بعد السيطرة على الوباء ستكون ثقافة العمل والتدريس والعلاقات الاجتماعية قد تغيرت تماماً.

إذا انتهى هذا الفصل الدراسي والجامعات والمدارس تعتمد على التدريس عن بعد، فبالتأكيد سيتجه المزيد من الطلبة إلى التعليم عن بعد في المستقبل وستتوسع الجامعات في هذه الاستراتيجة موفرة كل مصاريف المباني وقاعات المحاضرات وغيرها. كذلك في ثقافة العمل، يشكو ملايين البشر حالياً من عملهم من المنزل، لكن إذا تجاوزنا هذه الأزمة وبينما يستمر العمل، فسيكون السؤال لماذا نذهب إلى مكاتبنا بالأساس، بينما كل ما نفعله في المكتب هو ارسال الايميلات والرد على ايميلات ثم مناقشة ما هو في الايميلات في اجتماعات.

أما التحدي الأكبر فيقبع في قلب العملية السياسية، فما نشهده ليس حرباً بين العلم والفيروس. وعلى عكس ما يتم ترويجه ليس العلم بحيادي، بل هو منتج من منتجات الظرف السياسي لكل بلد. ونظرة سريعة حولنا يمكن أن نشاهد كيف تتجه كل دولة (على الأقل الدول الكبرى) لانماط علاجية مختلفة للتعامل مع الفيروس بما يتناسب مع شرطها السياسي. فخطة الصين التي اعتمدت على العزل وحصار مدينة ومقاطعة كاملة، رفضتها كوريا الجنوبية، واعتبروها لا تتانسب مع تقاليد الجمهورية الديموقراطية، وبدلا منها اعتمدوا على خطة أساسها أولوية حياة البشر ومكافحة المرض بغض النظر عن التكلفة الاقتصادية، فشملت الخطة استخدام كل التكنولوجيا المتاحة خصوصا ما يعرف "Big data" لحصار المرض، ففور الكشف عن حالة ما يتم تحليل كل معلوماته الشخصية والأماكن التي زارها من خلال هاتفها، وبالتالي الوصول لكل من كانوا في المكان ومراجعة حالتهم. وفي الوقت ذاته التوسع في إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس لكل الحالات المشتبه فيها. كوريا الجنوبية هي أكثر دولة في العالم أجرت اختبارات فحص، ولذا فلم تشمل خطتهم قرارات بالعزل أو الحجر الصحي لمدن كاملة. على الجانب الآخر فدول مثل أميركا وأوروبا فرضت الحجر الصحي على الجميع ليس فقط لأنه الخيار العلمي للوقاية بل ببساطة لأنه الخيار الأقل من ناحية التكلفة الاقتصادية، وذلك بعدما تأخروا لأسابيع في اتخاذ التدابير الصحية اللازمة وإعلان الطوارئ خوفا على انهيار الأسواق التي انهارت بالفعل.

تحت حالة الاستثناء لا تمتلك المعارضة السياسية، ولا الجماهير مناقشة القرارات السياسية. فكل قرار سياسي يٌقدّم على أنه "رأي العلم". أي محاولة للاختلاف والاعتراض تصبح خروجاً عن الإجماع الوطني في مواجهة الطاعون، مخاطرة تعرض حياتك وحياة الملايين للموت. أي قرار سياسي خطأ من قبل القيادات يصبح "فعلنا ما بوسعنا في إطار الإمكانيات المتاحة".

سولافوي جيجك وعدد من منظري اليسار مع ذلك يبدون أكثر تفائلاً، فالكارثة الوبائية تسلط الضوء على كل المشكلات التي حذروا منها. فالسوق الحرة أمام مثل هذه الأزمات تصبح غير قادرة على التصرف، بل تصبح عبئاً ضاغطاً، وبدلا من التفكير في الإنفاق الصحي والمتضررين من الوباء، نصبح مضطرين للإنفاق على السوق وحمايتها من الانهيار الذي حدث بالفعل وسيستمر في الحدوث. أفكار مثل ضرورة التضامن العالمي، والحق في التأمين الصحي يصبح لا مجرد أحلام اشتراكية، بل حلولاً منطقية لكارثة نعيشها ستكمل معنا بقية العام، وستليها موجات متتالية.

لكن هذا التفاؤل اليساري منبعه إفتراض الرشادة في الأنظمة السياسية الحاكمة. وهي فرضية لا تتناسب إطلاقاً مع لحظتنا الحالية، حيث نشهد صعود شبح اليمين العفن، وهم مستعدون لاتخاذ قرارات في بلدان مثل بريطانيا من نوع "مناعة القطيع" ليصاب ثلاثة أرباع الشعب ويموت 4% منه، حتى لا نغلق الأسواق، ونخسر الجنيهات.

على العكس فالكورونا ليس شرطاً أن تحيي الأفكار الاشتراكية والتضامن الإنساني، فمثل هذه الأوقات مناسبة كذلك لنشر فوبيا الخوف من الأجانب والمهاجرين، وصعود اليمين، وانحياز الناس للحكومات القوية الصارمة، وقبول الأفراد للتنازل عن حقوقهم الأساسية. ونشاهد حالياً نمو موجة الشغف بالنموذج الصيني وصرامته الإدارية والتعامل مع الأزمة. بل أن الظرف الوبائي سوف يساهم في تعطيل الحياة السياسية بكل تأكيد. فلا انتخابات، ولا اجتماعات، ولا وسيلة حتى لمعرفة الحقائق من خلال الصحافة والإعلام.


كتب فالتر بنيامين ذات مرة  "الدرس الذي تلقننا إياه سيرة المقهورين يفيد بأن "حالة الطوارئ" التي نعيش في ظلها هي القاعدة. علينا أن نتوصل إلى مفهوم للتاريخ يتوافق مع هذه الحالة. حينها تتجلى أمام أعيننا مهمتنا في فرض حالة الطوارئ الحقيقية؛ وبذلك يتحسن موقفنا في محاربة الفاشية". بالتالي فالحلم بلحظة تأسيسية جديدة لعالم ما بعد الكورونا، كما يبشرنا جيجيك هو من قبل أوهام انتظار المخلص أو نهاية العالم أو قيادة مملكة الله. فالمستقبل يحدث الآن، وما نعيشه من حالة استثناء سيتحول لقواعد المستقبل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها