آخر تحديث:13:05(بيروت)
الثلاثاء 18/02/2020
share

إدلب.. المدن الميتة

محمود الزيباوي | الثلاثاء 18/02/2020
شارك المقال :
  • إدلب.. المدن الميتة
    البارة
  •  سرجيلا
    سرجيلا
  • قلب لوزة
    قلب لوزة
  •  رويحة
    رويحة
  •  الكتلة الكلسية
    الكتلة الكلسية
أدلى المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا، محمود حمود، مؤخراً، بحديث إلى وكالة سبوتنيك الروسية، قال فيه إن محافظة إدلب تضم أكثر من 800 مدينة تقع في الكتلة الكلسية الممتدة من إدلب إلى غربي حلب، وهذه المدن تعود إلى الفترة بين القرن الأول والقرن السابع للميلاد، وتضم "أكثر من ألفي دير وكنيسة أثرية، تعرّض الكثير منها للتخريب والتدمير"، وذلك "لبيع حجارتها ومنحوتاتها" في أكثر الأحيان.

ما هي هذه المدن المنسية، وما هو موقعها في عالم الآثار؟ في الواقع، بدأ استكشاف هذه "المدن" في شمال سوريا في منتصف القرن التاسع عشر، وتواصل في العقود التالية حتى اندلاع الحرب السورية في 2011، ولا ندري ما آلت إليه اليوم بدقّة بسبب تواصل هذه الحرب. في الحقبة العثمانية، شرع العالم الفرنسي، شارل دو فوغيه، في استكشاف هذه المواقع في العام 1860، وذلك قبل أن يشغل منصب سفير فرنسا في إسطنبول في 1870. تعاون دو فوغيه، مع المهندس المعماري ادمون دو توا، والعالم المتخصص في قراءة الكتابات اليونانية، هنري وليم، ودأب على نشر نتيجة أبحاثه بين 1865 و1871، وكان أول من أطلق على هذه المواقع تسمية "المدن الميتة" التي عُرفت بها طويلاً.

استرعت هذه الأبحاث، اهتمام عالم الآثار الأميركي، هاورد كروسبي باتلر، فنظم بعثة باسم جامعة برنستون العريقة في 1890، ونشر ثمرة أبحاثه الأولى في 1903، ثم واصل هذه الأبحاث في بعثة ثانية سنة 1905، تلتها بعثة ثالثة في 1909، ونُشرت وثائق هاتين البعثتين في 1929، بعد سبع سنوات على رحيله. في هذه الحقبة، شرع الكاهن اليسوعي، جوزيف ماترن، بدوره، في استكشاف هذه "المدن الميتة" في ثلاث جولات أثرية أجريت تباعاً في 1928، 1929، و1931، وجمع نتيجة هذه الجولات في كتاب صدر في بيروت سنة 1935. بعدها، استقرّ المهندس الفرنسي، جورج تشالينكو، في سوريا، وبدأ في انجاز دراسة أكاديمية معمّقة خاصة بهذه المواقع، ونشر أبحاثه في كتاب بعنوان "قرى شمال سوريا القديمة" صدر في ثلاثة أجزاء نُشرت تباعاً بين 1953 و1958. واتّضح أن "المدن الميتة" هي في الواقع سلسلة من القرى، هجرها أهلها بين القرن الثامن والقرن التاسع، فدخلت النسيان، غير أنها لم تتبدّل، ذلك أنها لم تؤهل من جديد كما يحدث عادة، وهذا ما يشكّل قيمتها الأثرية بالدرجة الأولى، إذ انّها حافظت على هويّتها الأصلية الأولى.

تحوّلت هذه القرى إلى منجم أثري عمدت بعثة فرنسية خاصة إلى توثيقه منذ منتصف السبعينات. ومع تواصل أعمال هذه البعثة خلال العقود الماضية اتّسعت رقعة الاكتشافات، وباتت الكتلة الكلسية الممتدة في شمال غربي سوريا، موقعاً أثرياً من أغنى المواقع الرومانية البيزنطية على الصعيد العالمي. من سخرية القدر، أن الحكومة السورية سعت إلى إدراج هذا الموقع في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، مطلع القرن الحالي، وأدّى هذا السعي إلى استحداث ثمانية حدائق أثرية تمثّل ثراء هذا الميراث. وأدرجت منظمة اليونيسكو هذه الحدائق في لائحة التراث العالمي في 2011، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. ومع اشتداد هذه الحرب، عادت وأدرجت هذه المواقع في لائحة التراث العالمي المهدد بالدمار في 2013.

تقع قرى شمال سوريا الأثرية، اليوم، ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب، وتتوزّع في جبال الكتلة الكلسية ووديانها، حيث تحتّل مساحة جغرافية تمتدّ من قورش شمالاً إلى أفاميا جنوباً، ومن حلب شرقاً إلى وادي العاصي غرباً. تمتدّ هذه الكتلة الكلسية طولاً، على مسافة مئة كيلومتر من الحدود التركية إلى مدينة أفاميا، وتمتدّ عرضاً على مسافة لا تتجاوز الثلاثين كيلومتراً، من سهول عفرين والعاصي غرباً، إلى سهل قنسرين في هضبة حلب جنوباً. تضم لائحة القرى المتوزّعة على هذه الكتلة أكثر من 700 موقع، منها 70 حُفظت بشكل جيّد للغاية، وغالبيتها غير مسكونة اليوم.

احتار البحاثة في تفسير هجرة أهالي هذه القرى الجماعية، واختلفت آراؤهم بين زمن بداية استكشاف هذه المواقع في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وزمن توثيقها في النصف الثاني من القرن العشرين. رأى شارل دو فوغيه، أن دخول الإسلام إلى شمال سوريا، أدى إلى هذه الهجرة، وتبنّى هاورد كروسبي باتلر هذا التفسير. غير أن جورج تشالينكو، أسقط هذه القراءة، وأثبت أن الهجرة الجماعية تسببت بها عوامل عديدة، منها تحوّل خريطة الطرق التجارية، وتبدّل المناخ، والنمو السكاني. ترك أهل هذه القرى مساكنهم، ونزلوا إلى أراض أكثر خصوبة، وباتت هذه المساكن الأثرية، بعد قرون، صورة حية للحياة الريفية في الحقبة الممتدة من العهد الروماني إلى العهد البيزنطي.

تتوزع هذه القرى حول سبعة جبال، تتألف منها كتلة شمال سوريا الكلسية، وهي جبل سمعان وجبل حلقة في القسم الشمالي، وجبال باريشا والأعلى والدويلي والوسطاني في القسم الأوسط، وجبل الزاوية في القسم الجنوبي. تحوي محافظة إدلب، التي استحدثت في عهد الجمهورية العربية المتحدة، الجزء الأكبر من هذه المواقع، ومنها موقع كفر دريان الكائن على المنحدر الشرقي لجبل باريشا، ويتألف من نحو 95 مبنى، كما يحوي كنيسة تعود إلى العام 529، شُيد مكانها جامع البلدة الحالي، تجاورها كنيسة تعود إلى القرن الخامس، بقيت منها الواجهة الغربية بزينتها الجميلة. وعند الطرف الشمالي الغربي لجبل باريشا، تقع دار قيتا، عند معبر باب الهوى الحدودي، وتحوي زهاء 50 مسكناً، ومجموعة من المَعاصر، وبرجاً شُيّد في منتصف القرن السادس.

في المقابل، يجمع جبل الزاوية سلسلة من المواقع، على رأسها البارة، ثم رويحة، سرجيلا، بعودا، مجليا، بشلله. ترتقي البارة بمساحتها إلى مصاف المدينة، وهي في معجم ياقوت الحموي "بُليدة (أي بلدة صغيرة)، وكورة من نواحي حلب، وبها حصن، وهي ذات بساتين ويسمونها زاوية البارة". تزخر هذه البُليدة بالبيوت الحجرية ومعاصر الزيتون والخمور، كما تحوي ثلاث كنائس من الطراز البازليكي، وأضرحة كبيرة يعلوها هرم رباعي. كذلك تحوي رويحة مجموعة من أجمل المدافن، وكنيسة بناها المدعو بيزوس بن بادروس، كما تقول الكتابة المنقوشة، وهو مدفون في ضريح من أضرحة هذه القرية، واسمه مذكور مرة أخرى في نقش يوناني يقول: "بيزوس بن بارادوس، أقمت حسناً، تجوّلت حسناً، صلّوا من أجلي".

في القسم الشمالي من الجبل الأعلى، تقع "قلب لوزة"، التي تحوي أشهر كنائس هذا القطاع، وهي كنيسة الثالوث الأقدس التي تعود إلى أواخر القرن الخامس، وتُعتبر لؤلؤة العمارة السورية البيزنطية. كتب هاورد كروسبي باتلر في وصفها: "مهما قيل لا يكفي لإيفاء جمال كنيسة قلب لوزة حقها، من حيث الزخارف الداخلية، وما ميز القناطر العظيمة من الأناقة والبراعة في النقش، وما تتحلى به قنطرة قدس الأقداس من الزينة الجذلة والمرنة معاً، وما يُكلل ركائز الصحن من الرسوم النباتية الفذة، وما هي عليه الأعمدة النحيفة من اللطافة. لقد بذل مهندسو هذا الصرح في تزيين داخلها جهداً أكبر مما بذلوه لخارجها، لكنهم لم يبخلوا على الخارج بالزخارف قط".

وكتب جوزيف ماترن من بعده: "لا نبالغ إذا قلنا إن ما لداخل هذه الكنيسة من وقع مهيب وعظيم، وما تتميز به من بديع الزخرف والتزويق، يجعلانها قمة في الهندسة والجمال المعماري".

تلك هي "المدن الميتة" التي بُعثت من جديد في نهاية القرن التاسع عشر، وباتت منجماً أثرياً استثنائياً في القرن العشرين، وهي اليوم مدرجة في لائحة "التراث العالمي المهدد بالدمار" منذ 2013. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

الطبيب الإله الثلاثاء 07/04/2020
طاعون ميلانو الكبير الثلاثاء 31/03/2020
ذئبة روما بمواجهة كورونا الأربعاء 25/03/2020
طاعون أثينا الأربعاء 18/03/2020
المزيد