آخر تحديث:14:23(بيروت)
السبت 01/02/2020
share

ما قيمة ما يقرأه السوريون؟

أدهم حنا | السبت 01/02/2020
شارك المقال :
ما قيمة ما يقرأه السوريون؟ رصيف الكتب
عجزت الثورة السورية سريعاً عن إحالة معنى السياسة إلى الدور المعرفي والثقافي اليومي. كان حيز الصورة والحدث، والعنف الذي خلقه النظام، أكثر سطوة، من جعل شرارة الثورة مطلباً لاتخاذ المعرفة والحوكمة العقلية وجعلها حاجة يومية. كان السوريون يقفون على مداراتٍ محددة من أشكال التثقف. الدولة التوسعية المُسيطرة والناظمة لأشكال المعرفة والثقافة، عبر مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها اللصيقة. واستثناءات ضحلة من مقاهٍ ونشاطات ثقافية تحت رقابة أمنية مشددة. ومدار ثقافي آخر له صِلة بتاريخ الشخصيات المعارضة السورية، الذين انطوى الكثير منهم في الكتابة بشتى المجالات، وهم ذاتهم أبناء ثقافة الأربعينيات والخمسينيات، والتي لم تتلوث تنشئتهم بالأنظمة العسكرية وتوابعها. مُظهرين جناحاً من القيم الفكرية والمناهج الفلسفية والسياسية، التي قارعت النظام وثقافته والإيديولوجية التي فرضها.

وطبعاً ما تأثر فيه السوريون ثقافياً من الوطن العربي ومثقفيه، والكم الهائل من الترجمات التي دخلت سوريا وشكلت وعياً وثقافة تداولها الأفراد وانتفعوا منها. وارتبط المقروء في سوريا ككتب وصحف، بما تُنتجه بيروت وتقوله ويقوله فيها المثقفون. خاصة مع انقطاع الارتباط بمصر التي وقعت كامب ديفيد.

طغيان
لكن النظام في المتاح والمسموح لم ينشر كتاباً يعارض توجهاته في السياسية المعاصرة، والكُتب كُلها تؤكد روايته عن تاريخه الخاص والذي يبدو أنه تاريخ أفكار حافظ الأسد وطغيان السلطة الحاكمة وأفكارها. والأسوأ أن السوريين شكلوا بُعداً معرفياً سياسياً رديئاً عن المنطقة كلها بما يلائم سوريا الأسد، فالملفات السورية الإقليمية كلما ازدادت ازداد تخلف السوريين في المنطقة وفي تفكيرهم السياسي أيضاً. حيث أصبح التفكير السوري الفردي متشبعاً بالأفكار الشعبوية والسيادية الزائفة. 

وكثيراً ما يُفاخر النظام، بصدور أعظم الإنتاجات الأدبية والفكرية والسينمائية، عبر مؤسساته الرسمية، وزارة الثقافة التي سمحت بترجمة أهم الكتب العالمية، ذاتها التي حاربت كُتّاباً سوريين معاصرين، ومنعت صدور كتب لهم. يُشكل الكتاب في سوريا الرسمية بُعداً من التفاخر الرسمي لنظام الأسد بالإنتاجية الواسعة، وتحول الكتاب إلى سلعة رخيصة وغير مجدية في آن واحد، فالفرد القارئ منذ السبعينيات يُشاهد انسحاب الفن والحداثة وقيمة الإنسان من الشأن العام، وفي آن واحد، العناوين الرنانة للحداثة الأوروبية عبر الكتب التي تتُرجم، أو تصل عبر مؤسسة رديئة أيضاً في سمعتها، كمنشورات الاتحاد السوفياتي. في سوريا كُلها ولوقت طويل بدت الثقافة الروائية مثلاً من بقايا ما تم بيعه سوفياتياً، وهذا له دلالتان: الدلالة الأولى التي كانت فيها القراءة فيها شأناً مهماً، شغف الاكتشاف والمعرفة والعمل للقرن العشرين وأفكاره، الإيديولوجيا ومدارها السوفياتي. فغزت مكتبات السوريين، حتى اليوم، كتب الأدب والفكر السوفياتي، ذلك الأدب الذي وصل للدول الأخرى بوصفه حكاية خلقٍ للعالم العادل والقوي والناجح المنشود. وتحول الأدب الروسي، وأفكار روسيا عن الماركسية وترجماتها، إلى معيار للثقافة والتملك الثقافي، ومعيار الفرد الذي يقرأ اجتيازه للأدب الروسي. والدلالة الأخرى: سقوط الاتحاد السوفياتي، وبعده سقوط الشعوذة التي خلقها الفرد ذاته عن التثقف العظيم، حينما دخل عباءة المقدس السوفياتي وأحلامه، وعجز النظام عن إيجاد مبرر إيديولوجي فني وأدبي يصبغ نفسه فيه، ويبدو مماثلاً له. وانقطع السوريون حينها عن كتبٍ يقرأونها كمصدرٍ للإلهام.

وأغدقوا في قراءة ما يسمح به النظام ويُتيحه، خصوصاً ألا يبدو شغف القراءة سياسياً ومعرفياً.

الاتكال على بيروت
وعاد الاتكال على بيروت ومصر منذ بداية الألفية الجديدة. وتوهج فخر النظام في الكتب التي يُنتجها، ودور النشر التي يسمح لها بالطبع داخل سوريا. وبعدما كان القارئ السوري مُتهماً بالمعارضة للنظام، وبعض كتب للينين تفي بغرض الاعتقال والتهمة. أصبح نظام بشار الابن أكثر اعتناء بما يتم تداوله من كتب مسموح تداولها. ودعم بشار الأسد وزارة الثقافة بشكل كبير لتنشر آلاف العناوين وجعل الكتاب رخيصاً.

وما يبدو مُهيناً ويتشوق النظام لعرضه، أن خيرة منشورات وزارة الثقافة السورية تعرض الكتب للبيع بشكل شبه مجاني، فالقراء قلة، ولا تتبع حقيقياً لحياة الفكر، وكثيراً ما يتم التمكن من الكتب بعد سنين على طبعها، بأسعار زهيدة ومضحكة حتى. وكأن النظام يقول لنا: أنا أطبع وأنتم لا تقرأون. لكن ما الذي يقرأه السوريون الآن؟ هذا السؤال الذي يبدو تداولياً ومحقاً ومكرراً دوماً وفي الوقت ذاته لا يُمكن إحصاؤه.

عودة على بدء، لم تكن الثورة السورية في سنيها الأولى مشجعة للقراءة فحسب، بل حفزت مخيلة شبابية سورية لاستنتاج: ما هو النظام؟ وظهر سريعاً فراغ المكتبة السورية من سوريا ذاتها. وافتُتِح المجال لثورة هائلة في المعلومة لتصوُّر النظام منهجياً، ومحاولة فهم أطره المرجعية. هذا مع انتشار ميديا هائلة التأثير عبر فايسبوك ومقاطع يوتيوب، لتشكيل منهجية معرفية مضادة لحملة النظام ومُعرّفةً له. أما في سياق الكتاب فشهدت سوريا هوساً أمنياً في مراجعة الكتب الموجودة في المكتبات. وركزت حملات النظام الأمنية على المكتبات، لمرة أخرى في تاريخه، على الكتب الدينية، وبقايا كُتب المعارضين السوريين، الذين سمحت لهم السلطة بنشر كتب متوسطة الجودة عن الديموقراطية ومشكلاتها، ومشكلات أخرى مثل الاحتلال الأميركي للعراق والقضية الفلسطينية. والنظام بحد ذاته لا يملك كتاباً يدافع عنه، وقد أحصينا حوالى عشرة كتب ممن يستخدمها مسؤولو النظام للدفاع عنه، وهي كتب لم تُبَع يوماً بالحجم الذي يُريده النظام.

وسريعاً، قَسَم َالنظام إمكانيات المعرفة لفهمه، حيث شكل عُنفه إدراكاً جوهرياً بأن المعرفة ليست شكلاً من الأشكال المتبعة في إسقاط النظام، ولا التاريخ أيضاً. فبدا النظام عنيفاً ودموياً إلى درجة جعل فيها أجيالاً في سوريا تتنحى عن معنى الكلمة والمعرفة وتأثيرها، والتوجه لانفعالات الغضب والعنف في آن واحد. فالنظام لم يُتِح إلا تطبيعاً مع عنفه بقبوله والرد عليه. وبعد حينٍ من الحرب. خرجت الأنتلجنسيا السورية من سوريا، وبدت بكتاباتها وكتبها خارج التأثير المادي للنظام، المقال الكتاب والمنشور فقد معناه في ظل معارك الدبابة وسطوتها. من هنا كان ترف التأويل حاضراً لدى السوريين في الداخل، ليس لفحص المعنى وفهمه، بل لانغلاق على الكهنوت السياسي الذي استحوذ عليه النظام وترك السياسة وإدارة التاريخ له، فلا هروب من واقعية أن نقرأ ما يُريده النظام. وكعادة زمن الانحطاط السياسي، عاد تركيز القراءة إلى ما يجعل الطبيعة والواقع منفصلين كُلياً عن الإدراك والمتعة الذهنية والتأثر الشخصي لدى الأفراد.

ولأن زمن الدراويش قد انتفى، فأولى السوريون حاجتهم للخلاص بانجذابهم للأدب الصوفي. رواية واحدة للتركية إليف شفق "قواعد العشق الأربعون"، بيعت منها حوالى المئة ألف نسخة وفق تقدير جمعناه، من أشهر سارقي حقوق النشر وطابعي الكتب. وعدا هذا الزخم في قراءة إليف شفق، عشرات الروايات التي ترجمتها دور النشر السورية عن كُتابٍ أجانب كتبوا عن الأفكار الصوفية الروحية بطريقة لا تبدو واقعية أبداً، بقدر ما تحمل إنزياحاً عن أي معنى واقعي للحياة. وكما يقول المفكر هادي العلوي: "لا انجذاب للصوفية إلا في الفترات التي يكون فيها الانحطاط في أعلى درجاته". واندفع السوريون لقراءة أدب متخيل رمزي انطوائي يوازي قدراتهم وخنوعهم لآلة البطش الأسدية، حيث انتحى الجميع عن إحالة المعنى الذي يعيشونه إلى السياسة، والاجتماع البشري، بل رده إلى سؤال الفرد عن الروح، وعن الطهارة الروحية والقدر. وجعل السؤال الذاتي معياراً مقاس على الأخلاق العامة، وقيم المجتمع التواصلية والأخلاقية. أي أم ما يقرأه السوريون يجعل الفرد منسلخاً عن معنى الجماعة وغاياتها الأخلاقية. ليست الصوفية وحدها ما يجذب السوريين اليوم، بل روايات العاطفة الأكثر ميلاً لجعل الجمال والمتعة الذهنية في علاقة الفرد مع آخر نظير له، في بُعد رومانسي سطحي، يخلع أي تشكل للقيم المشتركة العمومية ذات الغاية العقلانية أو المنتجة.

هذا لا يعني أن السوريين يتجاهلون السياسة، بقدر ما فُهِم فيها كل شيء. فالميديا جعلت معرفة سوريا وقسوتها واضحة. وبخلاف مصر أو لبنان مثلاً، لا تبدو القراءة في سوريا ذات قيمة جليلة، فظهور الأداة العسكرية بهذا الوضوح، جعل الصلة بالتقانة والمادة مفهومة ومرعبة، فحتى النظام لم يعد يُحاصر كتباً سياسية معارضة له تنتشر هنا وهناك خفية، حيث دلالة وجوده وضآلة حجم المعرفة والتثقف في مواجهته أصبحت واضحة. المادة الأكثر وضوحاً، هي البندقية، فما هي قيمة ما يقرأه السوريون؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب