آخر تحديث:15:01(بيروت)
الثلاثاء 20/10/2020
share

مهدي برصاوي لـ"المدن": "بيك نعيش" للخروج من الشرنقة التونسية

محمد صبحي | الثلاثاء 20/10/2020
شارك المقال :
  • مهدي برصاوي لـ"المدن": "بيك نعيش" للخروج من الشرنقة التونسية
    مهدي برصاوي
  • من الفيلم
    من الفيلم
مثل غيره من التونسيين، نزل مهدي برصاوي إلى شوارع بلده في بداية موجة انتفاضات الربيع العربي مطلع العام 2011. تأثير ذلك واضح في باكورته السينمائية، "بيك نعيش"(*)، إذ تتخلّله السياسة بقوة عبر انعكاسات التطورات السياسية في تونس وفي ليبيا المجاورة على مدى العقد الماضي. تدور أحداث العمل عن تونس وفي صيف 2011، لكن السينمائي التونسي الشاب لم يرغب في صنع فيلم سياسي صريح. "ما يهمُّني هو عواقب الاضطرابات السياسية والاجتماعية، والعواقب بعيدة المدى على الأسرة. هذه قصة أكثر عالمية"، يوضح برصاوي.

حكاية الفيلم بسيطة لكن امتداداتها متشعبة. أسرة تونسية صغيرة وسعيدة مكونة من زوج (سامي بوعجيلة) وزوجة (نجلاء بن عبدالله) يعيشان بسعادة مع ابنهما عزيز. يقضيان عطلة نهاية الأسبوع في جنوب تونس، ثم تنقلب حياتهم خلال حادث إرهابي يهدد حياة طفلهم وتبدأ حقائق مدفونة في الظهور. رحلة استكشافية تستحيل كابوساً ممزقاً. وهي أيضاً قصة حب، قصة شخصين يحبان بعضهما البعض، ويفقدان بعضهما البعض، ويترك واحدهما الآخر، ويضرّ كل منهما الآخر ويؤذيه في الوقت نفسه. إنه فيلم حب، ودراما عائلية، وإثارة تشويقية أنيقة، تتخللها معضلات ومشاعر شخصياته الرئيسية المقيمة في فقاعة إدراك ذاتية. فسيفساء المشاعر التي يعطيها نجلاء بن عبد الله وسامي بوعجيلة تجسيداً مثيراً للإعجاب - لا سيما من خلال النظرات المتبادلة المصوَّرة في لقطات مقرّبة - تساهم في إبقاء التوتر وإذكاء الدراما، وتعمل كمحرك أساسي للسردية المتقنة لفيلم ذكي ودؤوب يجول فوق أرض رخوة بشغف الفضولي وبراعة الخبير.

"المدن" التقت مهدي برصاوي للحديث عن فيلمه، وتونس، ومعنى الأبوة، والتبرع بالأعضاء، وليبيا.


- تدور أحداث هذه الدراما العائلية في سياق جيوسياسي معين. كم هو ضروري لقصتك؟

هذه الخلفية مهمة. نحن في أيلول/سبتمبر 2011: بعد سبعة أشهر من سقوط بن علي (الرئيس التونسي السابق) وستة أسابيع قبل وفاة القذافي. في الجانب الآخر من الحدود ثمة كارثة تختمر. "الدولة" الليبية تنهار. تدور أحداث الفيلم في هذا النوع من الفوضى الأمنية. على الحدود بين تونس وليبيا كانت هناك رمال (الآن هناك القليل منها، بعدما فعلت تونس مثل ترامب، وأنشأت خندقاً بحيث لا يمكن للسيارات أن تتحرك). كانت الحدود مفتوحة تماماً. لا يوجد سوى الرمال. لموضعة الحقائق في هذا السياق الزماني-المكاني، حتى إن كانت مجرد تخمينات، يعني إخبار شيء ما.

هذه العائلة، فارس ومريم، تشبه تونس في عهد بن علي: وسيمان، وشابان، ومتعلمان، وثريان، ولديهم سيارة رانج روفر، ولديهما طفل متعلم جيداً مع مستقبل مفتوح ومطمئن... إنها العائلة المثالية، لكن بمجرد أن تبدأ في الحفر، كل ما كُنس تحت السجادة يطفو على السطح وتظهر الأسرار. هكذا يصف هذا الفيلم تحوّل البلد، الوزن الاجتماعي والثقافي الذي يمكن أن يتركه الدِّين علينا، على صورة المرأة. لكنه أيضاً فيلم عن التحرر بشكل عام، المؤنث بالطبع، لكنه أيضاً المذكر. منذ اللحظة التي قرر فيها فارس ومريم التحرر من كل هذا، تمكنا من رؤية بعضهما البعض.

- في بداية الفيلم، نرى مشهد احتفال الزوجين مع الأصدقاء، حيث يشربون البيرة ويتضاحكون على الإسلاميين في بلدهم. هل هذا نقد ذاتي من منظور الآمال المحطمة للربيع العربي في تونس؟

هذا المشهد مستوحى من الواقع، لأنني مررت بموقف مشابه مع الأصدقاء. أردت إظهار كيف انفصلنا عن الواقع في رؤيتنا له. كنا متحمسين جداً للثورة، لكن ما تبعها كان صدمة كاملة. بالنسبة لنا، كانت نتيجة الانتخابات التشريعية عقب الثورة غير معقولة. استولى حزب النهضة الإسلامي على السلطة بنسبة 45٪ من الأصوات. لذلك هناك تلك النكتة: كان من المتوقع أن يحصلوا على أكثر من 40٪ من الأصوات، لكن الزوجة قالت "لا، هذا مستحيل أن يحدث". لم نعتقد قط أن ذلك أمر وارد الحدوث.

فارس ومريم ينتميان إلى مجموعة متميزة: إنهما وسيمان ومتعلمان ويقومان بعمل رائع. لكنهما أيضاً لم يعودا يريان جزءاً من الواقع. هذا ليس اختياراً واعياً، لكن إذا كان لديك المال، يمكنك أن تبني حاجزاً وقائياً. إنهما يعيشان في شرنقة، حيث لا يتسرّب إليهما العالم الخارجي. وحين يحدث التفاعل بينهما وبين العالم، تكون العواقب كبيرة. في طريق العودة إلى جنوب البلاد، يتعرضان لكمين من قبل متطرفين إسلاميين. يصاب ابنهما عزيز بجروح خطيرة. فجأة يواجهان جوانب من وطنهم كان بإمكانهما تجاهلها في السابق.



- الفكرة المنبثقة من الفيلم هي فكرة مجتمع تونسي يعيش مع تناقضاته. نرى، على سبيل المثال، السيطرة الذكورية، حيث الزوج هو مَن يقرر. لكن على أي حال، هناك امرأة حرة ومتحررة نسبياً، تمكنت من إقامة علاقة جنسية مع رجل آخر.

صحيح، هذه التناقضات والمفارقات جزء من المجتمع الذي أعيش فيه. في تونس، ربما تتمتع المرأة بحرية أكبر من أي بلد آخر في العالم العربي، لكنها لا تزال تعاني عقوبات مختلفة في قضايا "الزنا". عقوبة الزنا في تونس هي السجن خمس سنوات، بينما نحن نتحدث عن عالم الحميمية، والأكثر، عن جوهر كل فرد. إذا كنت راغباً في خيانة زوجتي، فلا يوجد سبب يدعو الدولة للتدخل. هذه ليست القضية هنا، بل عندما يتعلّق الأمر بقيام الزوجة نفسها بفعل الخيانة.

ومع ذلك، يظل الزوج هو الولي الشرعي للعديد من القرارات التي تُتخذ بشأن الأطفال. من ناحيتي، كان اختياراً دقيقاً لإظهار كيف تسير الأمور بالضبط. وكأنني أقول لشعبي أنه لا يزال هناك العديد من الحقوق والحريات التي يجب اكتسابها، في مجتمعٍ، بشكل عام، يظل أبوياً في أعماقه وذكورياً للغاية. يمكن أن تعيش في دولة فائقة الحداثة وفي الوقت نفسه رجعية للغاية ومحافظة بقوانين تقتل الحرية تماماً. بهذا المعنى، فالفيلم هو في الحقيقة إدانة. كانت وظيفتي بالتحديد هي تأصيل هذه القصة بعمق في الواقع، في مصداقية المجتمع التونسي، كتذكير بأنه نعم، حصلنا على حقوق معينة، لكن يجب ألا نأخذها أبداً كأمر مسلَّم به ويجب توسيعها أكثر فأكثر.

- ومن وجهة النظر هذه، ما معنى ذلك المشهد الذي تتعرض فيه البطلة لمضايقات المارين بها ظناً منهم أنها أجنبية، ولكن عندما يكتشفون أنها تونسية يطلقون سراحها؟

في الواقع هذه فكرة جزئية من مفهوم أكثر تعقيداً. الزوجان من شمال تونس، وتتمتع مريم بهيئة وجسد غير عاديين مقارنة بجنوب البلاد، حيث تدور احداث القصة، وتتوافق مع نموذج يُنسب عادة إلى الأجانب: شعر أملس وبشرة فاتحة. عندما ترى امرأة مثلها تسير في الشارع في ذلك الجزء من البلد، يتم التعرف عليها فوراً كأجنبية. هي نفسها تشعر وكأنها أجنبية في بلدها، في تلك اللحظة من القصة، التي تسبق لحظة الذروة، حين يصفعها زوجها. إنها القطرة التي تُفيض الوعاء. لم تعد قادرة على تحمل نظرات الناس، وازدراء زوجها، وأخلاقية الطاقم الطبي في المستشفى، والطريقة التي تُعامل بها داخل تلك المؤسسة.

- يركز الفيلم، ضمن أمور أخرى، على ما يعنيه أن تكون أباً في تونس. يعاني فارس حقيقة أن الظروف تمنعه ​​من القيام بما يراه كأب. العائلة أيضاً كانت حاضرة في فيلمك القصير السابق.

إنه اللاوعي (يضحك). ومع ذلك، فالأسرة مصدر إلهام لا ينضب. كل شيء يبدأ من نواة الأسرة. تسأل نفسك أسئلة: ماذا يعني أن تكون أباً، لماذا لم يكن والدي موجوداً؟ سواء أعجبك ذلك أم لا، هناك عناصر سيرتك الذاتية في عملك.

من ناحية أخرى، هناك أسباب اجتماعية تثير اهتمامي. في تونس، غالباً ما تُختزل الأبوة إلى رابطة دم أو اسم في شهادة الميلاد أو تسلسل جيني، أو جزء من الحمض النووي. غالباً ما تكون المرأة هي التي تربي الأطفال، وتعطي الحب، وتنفق المال. في تونس، لا توجد عادة هذه الرابطة الوثيقة بين الأم والطفل بشكل تلقائي مع الأب. لم أصبح أباً بعد، لكنّي شعرت برغبة في الحديث عما تعنيه الأبوة.

- موضوع مهم آخر للفيلم هو أخلاقيات نقل الاعضاء وزراعتها. في كل المجتمعات هناك مشكلة زراعة الأعضاء، المتبرعين، وصايا التبرع بالاعضاء. يسأل الأطباء الزوجين على الفور عما إذا كان الطفل ليس لديه أشقاء، حيث سيكون هناك توافق أكبر للزرع. إلى أي مستوى وصل النقاش في تونس بشأن هذه المسألة؟

مسألة حسّاسة جداً. التبرع بالأعضاء ليس متطوراً كما هو الحال في البلدان الأخرى، وليس بسبب القوانين المقيدة لأنه قانوني، ويسمح به القانون تماماً منذ أيام بورقيبة. لكن الدين الإسلامي يقتضي احترام قدسية الجسد وهو ضد حرمان الجسد من جزء من الأعضاء، لأنه من الضروري احترام رفات الميت. لا أريد إنكار الدين، بل أدعو المسلمين للتفكير، والدين الإسلامي يقوم على مفهوم الكرم، في عِظَم الثواب الذي سيحصلون عليه نتيجة كرمهم بهبة أعضائهم وإنقاذ الأرواح. من المهم التغلب على هذا المفهوم المتمثل في اعتبار الجسم أقل طُهراً أو نقاءً حين ينقص منه عضو بعد الموت. من ناحية أخرى، نحن بلد متوسطي حيث الحزن والسعادة نعيشهما إلى أقصى الحدود وقد نواجه صعوبة في قبول الموت الفوري، ومن ثمّ التبرع بأعضاء المتوفّين.

- الواقع الآخر الذي تحدث عنه الفيلم هو ليبيا، في ظل المرحلة الأخيرة لحكم القذافي. هل الاتجار بالأعضاء من ذلك البلد صحيح ومثبت؟ هل كانت هناك حالات حقيقية؟

الفيلم قائم على صورة استعارية مزيفة، ليس الأمر متعلقاً بحقيقة ما إذا كان هناك بالفعل تهريب وإتجار بالأعضاء في ليبيا، أو إذا كانت أسطورة ارتبطت بالقذافي بعد مقتله. لكن بعد سقوطه مباشرة، رأيت مقطع فيديو سُجل في منزل القذافي عندما كان في السلطة. وأظهر كيف كان الأطفال في الخطوط الأمامية للدفاع عن هذا المأوى الذي احتمى به بعض أفراد عائلة القذافي، فيما فرّ القذافي نفسه هارباً واختبأ بعدما هرّب أولاده إلى الجزائر. الأطفال الذين شكلوا درعاً بشرياً حتى لا يتعرض المنزل للهجوم، محرومون من أي حسٍ إنساني، وهم مجرد أدوات حماية. كان هذا ما أعطاني فكرة تطوير هذا الموضوع الخاص بالاتجار بالأعضاء، لإظهار كيف أنه في بلد، حيث ينهار كل شيء، لا مجال لأي نوع من الدفاع عن إنسانية الإنسان أو احترامها. حين ينهار الاقتصاد، كل شيء يصبح ممكناً، حتى إنه من الممكن تصوُّر الأطفال كمورّدين لقطع الغيار البشرية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها