آخر تحديث:13:19(بيروت)
الخميس 02/01/2020
share

"طفيليات": رائحة الفقراء الكريهة

يارا نحلة | الخميس 02/01/2020
شارك المقال :
"طفيليات": رائحة الفقراء الكريهة لا يبدي المؤلف أي تسامح مع الأسرة البرجوازية
للفقر رائحة كريهة تلتصق بجسد الإنسان وتترك آثارها في واقعه. فبين العقبات الكثيرة التي تفصل عوالم الطبقات الإجتماعية، قد تكون الرائحة هي عامل الشرخ الأكثر حسماً في إبقاء كلٍ في عالمه. لذلك فإن كل محاولات الفقير لإرتقاء السلم الإجتماعي، محكومة بالفشل ما دام غير قادر على نفض رائحة الفقر عنه.

للرائحة رمزية سياسية تختزل الصراع الطبقي، وهي رمزية استثمرها المخرج الكوري بونع جون-هو إلى حدودها القصوى في آخر أعماله، وهو كوميديا سوداء بعنوان Parasite (طفيليات) من إخراجه وتأليفه. والحال أن هذه الحقيقة الهزلية لا يليق بها سوى عدسة الكوميديا السوداء، ومن دون الحاجة إلى كثير من التنظير السياسي أو التفكيك الإجتماعي أو التحليل النفسي. فالرائحة لغة عالمية مرتبطة بباطن الإنسان وأحشائه، وهي محدّد بيولوجي صارم للعلاقات الإجتماعية يتفوّق على سلطة العقل والقناعات الفكرية.

يروي الفيلم سلسلة من المخططات والمكائد التي تحيكها أسرة "كيم" المكونة من أربعة أشخاص للخروج من أحزمة البؤس إلى أحد قصور الأغنياء. بحنكتهم التي لا تخلو من الخبث، يفلح هؤلاء في إحتلال البيت عبر الإنضمام، واحداً تلو الآخر، إلى حاشية الأسرة البرجوازية التي تسكنه، عائلة "بارك" المؤلفة من أم وأب وطفلين. تلتقي العوالم المختلفة لهاتين الأسرتين، في البداية، من طريق الصدفة، حين يوظَّف الابن الأكبر لأسرة كيم كمدرّس لابنة أسرة بارك، وهي وظيفة ينجح في الحصول عليها بالرغم من افتقاره للشهادات والخبرات، وإنما بدهائه وحيله. لكن وظيفة واحدة لم تكن كافية. فهو يجيء بأخته لإعطاء دروس رسم للابن الأصغر، التي تأتي بدورها بالأب كسائق لرب الأسرة، وتصبح الأم أخيراً المدبرة المنزلية للفيلا، وهذا من دون الإشارة إلى صلة القرابة التي تجمعهم. أما طاقم العمل الأساسي للفيلا، فقد أعدت الأسرة خطة جهنمية لإبعاده وأخذ مكانه.

بألاعيبها الذكية، تنجح الأسرة في إعادة إختراع هويتها ومكانتها الإجتماعية. فقد لفقت الشقيقة لنفسها شخصية فنانة محترفة، ولعب الابن دور طالب الجامعة اللامع. لكن ذكاءهم هذا ارتطم بعقبة منيعة، هي عقبة الرائحة الملازمة لهم، والتي خسرت أمامها كل محاولاتهم للإقناع. فبالرغم من مغادرة منزلهم الذي لا تدخله الشمس، ظلّت رائحة الرطوبة المنبعثة من جدرانه، ممزوجة برائحة بول السكارى على شباكه، تعشّش في ثنايا ملابسهم وتجاويف أجسادهم.

في المقلب الآخر، تعيش الأسرة البرجوازية في حالة من الإنكار المطلق. غافلون ومستغرقون في أنفسهم. يبدون كدمى تتحرّك في المنزل الشاسع من دون أن ترى أو تسمع أو تلتفت لأدنى التفاصيل حولها، خصوصاً تلك التي تتعلّق بالآخرين. هم ليسوا أناساً سيئين بالضرورة، لكنهم مستثمرون في ذواتهم إلى حدّ إلغاء الآخر ووجوده، وإن عن غير قصد ووعي. وحده الابن الأصغر (سبع سنوات) يلحظ العالم حوله، وأول ما لاحظه هو رائحة أسرة كيم الموحّدة، قبل أن يتنبه إليها أي من والديه. يلتقط الطفل عدداً من الإشارات التي توحي بحدوث أمر غريب داخل منزلهم، في ركن سري لا يعرفه أصحاب البيت أنفسهم. إلا أن إدراك الطفل هذا، حين يصطدم بجهل أهله، يعتبرونه محض خيال وتخريف ويشخّصون طفلهم بالجنون.


يولي المخرج عناية خاصة في تمثيله مفهوم البيت، وتحتلّ الفيلا مركزاً محورياً في الحبكة كما في العمل الإخراجي. يكثّف المشاهد التي تلتقط تفاصيل المنزل الفريد، ذلك الذي صمّمه معمار شهير. يصوّر الفيلم إختلاف مفهوم البيت لدى برجوازيي الضواحي وبؤساء الأحياء الحقيرة، إختلاف يتجسّد في مشهدين متتاليين خلال عاصفة رعدية شديدة. في المشهد الأول، نرى الطفل العنيد للأسرة الثرية، ينصب خيمته في حديقة البيت في خضم الطقس العاصف. في المشهد التالي، نرى شقة الأسرة الفقيرة الشبيهة بالقبو، تغرق في مياه الصرف الصحي التي تتلف معظم مقتنياتهم. 

يقول جورج أورويل عن الرائحة إنها "السرّ الحقيقي للفوارق الطبقية في الغرب. ولهذا فإن الأوروبي الذي يملك خلفية وتنشئة برجوازية، وإن كان يعدّ نفسه شيوعياً، يبقى من الصعب عليه إعتبار الرجل العامل ندّاً له". بإختصار، "الطبقة العاملة تفوح منها رائحة نتنة،" يقول أورويل، ولا يهم إن نشأ المرء على الإعتقاد بأن أفراد الطبقة العاملة جهلة، كسالى أو مخادعون، فالمأساة الحقيقية هي حين يتربى الأطفال على فكرة مفادها أن الفقراء قذرون، وأن قذارتهم وراثية، أو أنها إرادية وليست صنيعة ظروفهم المادية. في ظل إنكارهم للواقع المادي لسائر البشر، يطوف أبناء الطبقة الوسطى في المجتمع، أو فوقه، غير مستشعرين لوجود من هم أدنى منهم سوى عبر رائحتهم.

على غرار أورويل، لا يقارب المخرج بونغ جون-هو الطبقة العاملة عبر منظار رومنطيقي. لا ينكر رائحة عرقها النتنة كنتانة واقعها المادي. كما أنه لا يخفي الإضطهاد الذي يمارسه أبناء هذه الطبقة في حق بعضهم الآخر، والذي يتجسّد في تآمر أسرة كيم على سائر عمّال الفيلا من أجل الإستيلاء على امتيازاتهم. كذلك، لا يبدي المؤلف أي تسامح مع الأسرة البرجوازية، رغم أنها لم تقدم على أي عمل قمعي مباشر، بل لمجرّد أنها إرتكبت فعل اللامبالاة المتغطرسة التي تصبّ في عمق الإمتياز طبقي. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها