آخر تحديث:14:03(بيروت)
الثلاثاء 17/09/2019
share

جلبير الحاج: فوتوغراف الحياد

روجيه عوطة | الثلاثاء 17/09/2019
شارك المقال :
  • جلبير الحاج: فوتوغراف الحياد
    (جلبير الحاج)
  • أجساد (جلبير الحاج)
    أجساد (جلبير الحاج)
  • خراب (جلبير الحاج)
    خراب (جلبير الحاج)
  • استقلال (جلبير الحاج)
    استقلال (جلبير الحاج)
غريب أمر الفنان الفوتوغرافي جلبير الحاج(*). فحين تلتقيه لحوار على هامش مشاركته في معرض في باريس، يبدو دائماً على حال واحدة، وهي حال تتأرجح بين الأناة والتبصر. فإذا دار حديث أمامه، وفيه ومن الرأي عمومه، أو بالأحرى المتفق عليه، يغايره بسكينةٍ لا تخفي أن الروية قد سبقتها. وإذا طرحت عليه إشكالية، هو في الأساس لا يراها إشكالية، يبدلها بخفر، وعلى مهل، إلى حل.

تقريباً، حاله هذه هي طريقة تصويره أيضاً، وهو لم يستقر عليها مباشرةً، إنما بلغها بعد مسار متواصل، لا يقطعه انشغال بالتدريس الأكاديمي، ولا استمرار النزوع إلى التعرف على مختلفه، الذي غالباً ما يقع في مجالات أخرى. فممارسه لم يقيم يوماً في وسط الفوتوغرافيا، لكنه حضر بوسيطه، في غيره. قد يكون هذا على صلة بأنه، وقبل أن يحمل الكاميرا، أو بعد فعله هذا، أمضى سنة أولى في مضمار الطب، الذي سرعان ما هجره، ومن الجامعة اللبنانية إلى جامعة الكسليك، نحو تحصيله التشكيلي.

حينما استخدم الحاج كاميرا للمرة الأولى، كان تلميذاً مدرسياً في باريس. أخذها من أبيه، وراح يصور بها أثناء تجواله مع صفه، حسبما يروي لـ"المدن". منذ تلك اللحظة، بدأت علاقته بالكاميرا تنتقل من طور إلى ثانٍ، وقد حملته لاحقاً على بناء عالمه، ولهذا، مضى شيئاً فشيئاً إلى خلق أسلوبه. من مجموعة تصويرية إلى أخرى، ومن مطبوع تصويري إلى آخر، كان هذا الأسلوب يستوي على وجهة، يؤكد الحاج أنها "فوتوغرافيا تشكيلية"، بحيث لا يهمه فيها أن يعرض موضوعه، أياً كان، محولاً إياه إلى خبر أو خطبة أو وثيقة، إنما أن يجعله منطلقاً للتذهن، أكان تأملاً أو تفكّراً. إذ إن صورته تبدأ بالتفاعل الأوّلي معها، والذي يحيل إلى ما فيها، ثم تصل إلى وسعها، بقلب هذا التفاعل إلى تملّك لها، وهو لا يفيد الاقتناء فحسب، إنما الإنتباه، على منوالها، ومن دونها أيضاً.

للوقوف على فوتوغرافيا الحاج، وعلى مقلب من مقالب أسلوبها، لا بد من الإشارة إلى بعض مجموعاته، وفي مقدمتها، مجموعة "آنا، برت، إيمانويل، أوغيت، إنغريد..."، التي يصور فيها عدداً من الوسائد. "لقد صورتها لأنها هي غرضنا الحميم، حيث نلقي رؤوسنا، وحيدين، أو مع أغيارنا، لننام، لنحلم"، يقول لـ"المدن". ومع هذا، لا يمكن الإشارة إلى أنها محط لعيوننا وتساؤلاتنا. لذا، وبصُوره، يجعلها كذلك، وبالعَنوَنة، يربطها بأسماء نساء وقع في حبهن، أو ابتغى الوقوع في حبهن. بالتالي، الصورة هي محمل الوسادة، كموضوع، والعنوان هو مربطها بحكاية، غابت فيها، على الرغم من كونها تؤلف مسندها بالمعنى الحرفي والسردي.

لكن، لكي تكون الوسادة على هذا الوضع، لا بد أن يكون إظهارها في الصورة إظهاراً بعينه: إظهار بلا إبهار، إظهار يبديها كما هي، كما ليست على المرأى المعتاد. ميتة؟ ربما، لكن بالتأكيد، موتها هذا، لا يعني سوى أن حدّاً صار مرفوعاً بينها وبين ملتقطها، الذي بدوره يبقى على حياد منها. (الصورة إلى اليسار بعنوان: "كرهتك بسبب كل الأكاذيب التي كنت قد قلتها لك" - جلبير الحاج).

هذا الحياد هو بمثابة كلمة مفتاحية في أسلوب الحاج، وفي صلته بموضوع تصويره، بحيث أنه يبقى على مسافة منه، مسافة لا تبعده عنه إلى درجة البرودة، ولا تلصقه به إلى درجة التلصص. وقد تكون مجموعته، With Strings Attached، التي صوّر فيها مرتديات السترينغ من مجموعاته الأفضل إبانة لذلك الحياد. يقول الحاج: "بعد حرب تموز 2006، درجت موضة السترينغ في بيروت. كنت أتردد حينها على أحد البارات، ولاحظتُ أن مرتدياته يُبرزنه، كما لو أنهن يُبدين عريّهن، وحيال إعلان ما سماه حزب الله النصر الإلهي، كان بمثابة مقاومة سياسية". لم يصورهن الحاج إيروتيكياً أو بورنوغرافياً، بل قدَّمهن بالإتكاء على الحياد إياه، الذي يجعل من ارتدائهن السترينغ شأناً يساوي - ببروزه - أي شأن غيره، بلا أن يعني هذا تطابقه معه من ناحية ألفته، أو عاديته.

لا يجد الحاج أن صورته في خطر بعد تكاثرها بفعل رواج الكاميرات في أيدي الجميع. ولا يجد أنها، وإثر مزاولتها وضخها الشائعَين، عبر "انستغرام" على الأقل، قد بلغت نهايتها. "على العكس"، يقول الحاج، "إنه العصر الذهبي للصورة، وبعد أن تمت دمقرطتها تقنياً، فإن رهانها الحالي هو أن تصير مكمناً للمعنى، أو معملاً له". لكن، أليست هذه مقولة السلطة الجمالية؟ ألا تقول هذا لأن هذه السلطة الآن هي للصورة؟ لا يجيب الحاج بالنفي القاطع، لكنه يضيف بأن الشعور بذلك الخطر مردّه الخوف من التقنية، وبالتالي، محاولة الرجوع عنها إلى زمن ماضٍ، يشير إليه استعمال الكاميرات والشرائط القديمة على سبيل المثال. وهذا ما لا يُقدم عليه من ناحيته، لأنه يلاحق كل تقنية جديدة، أو بالأحرى لا يخشاها.

بالنسبة إلى الحاج، ليس سوق الصورة لبنانياً في أحسن أحواله، كما أن بعض مهرجاناته تفتقر إلى ركائز وقواعد، لا يبدو أنها تكترث لها. لكن، مع ذلك، لا شك أن في لبنان فنانين تصويريين جديرين بمهنتهم. كُثُر منهم كانوا طلابه، وبالتالي، هو من علل انطلاقهم الذي يحط بهم إلى جواره، بحيث يقدمون أعمالهم إلى جانب أعماله في هذا المعرض أو ذاك: "أفتخر برؤية طلابي إذ يتمكنون من عرض أعمالهم، وأفتخر أكثر حين تُعلَّق أعمالنا جنباً إلى جنب".

يقضي جلبير الحاج جل وقته حالياً، وبصحبة رفيقة دربه غادة واكد، بين لبنان وألمانيا. إن لم يكن في برلين التي أحبها منذ عقود، أي قبل أن يصير حبها ذائعاً، يكون هناك في جعيتا، حيث يستضيف أصدقاءه، لا سيما لمشاهدة فيلم في سينماه المنزلية، مشاركاً إياهم الدعة. فدعة صورته من دعة صانعها.

(*) يقدم "معهد العالم العربي" في باريس، بعضاً من أعمال جلبير الحاج ضمن فعالية "البينالي الثالث لمصوري العالم العربي المعاصر" والمستمرة حتى 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب