آخر تحديث:12:32(بيروت)
السبت 06/07/2019
share

من موسوعة عبد الحليم: عندما أفزع محمد رشدي العندليب!

وجدي الكومي | السبت 06/07/2019
شارك المقال :
من موسوعة عبد الحليم: عندما أفزع محمد رشدي العندليب! "أنا كل ما أقول التوبة"
أمضى الباحث عمرو فتحي، ست سنوات، موثقاً أغاني عبد الحليم حافظ، باحثاً في الأضابير، والأرشيفات الفنية، ومنقباً في الحوارات، والمواجهات، والمناظرات وراء كل أغنية، ومتتبعاً رحلة كل غنوة، وسنة تسجيلها، والجدل حولها، لينتج لنا كتابه الصادر في القاهرة مؤخراً بعنوان "موسوعة أغاني عبد الحليم حافظ"(*).

يُهيأ لقارئ الكتاب من عنوانه، أنه في صدد موسوعة جافة، تتبع سنة غناء كل غنوة من أغاني العندليب، إلا أن ختماً صغيراً وضعه الناشر أعلى الغلاف، كتب فيه: "دليل شامل معلومات وحكايات عن أكثر من 300 أغنية"، يشكل إشارة إلى أن مقتني الكتاب سيكتشف ثراءه، وغنى حكاياته العامرة بالشجارات والمشاحنات حول الأغاني، إلا أن الباحث عمرو فتحي لم يقدمها بهذه المباشرة، بل بدا منتصراً في الكتاب لمنهجه، ألا وهو التوثيق، أما الحكايات، فقد تسللت لاحقاً.

قسم مؤلف الكتاب موسوعته إلى سنوات، بدأها بسنة 1951، وأنهاها بسنة 1981، ورغم أن العندليب توفي في العام 1977، عن عمر يناهز الثمانية والأربعين، إلا أن فصول الكتاب لا تنتهي عند رحيله، بل خصص الباحث عمرو فتحي فصلاً عنونه "1981" يحكي فيه قصة أغنية "حبيبتي من تكون" التي سُجلت على أسطوانة شركة صوت الفن، بعد رحيل عبد الحليم حافظ بسنوات.

يشير عمرو فتحي في مقدمة الكتاب إلى وصف الناقد الموسيقي لعبد الحليم حافظ، بأنه أصبح صاحب اللهجة الرابعة في الغناء العربي، إلى جانب لهجة أم كلثوم، ولهجة عبد الوهاب، ولهجة الكلاسيكيين الأوائل. ويشدد على أنه ألّف الكتاب من أجل توثيق تاريخ عبد الحليم حافظ الفني، وحفظه، مشيراً باختصار إلى مجال عمله فيه عبر ست سنوات، من الدوريات بدار الكتب المصرية، ومكتبات سور الأزبكية، ومواقع محبي فن عبد الحليم حافظ في الإنترنت، إلا أنه في نهاية الكتاب يُفصل تحديداً موضع كل تصريح وحوار أورده في الكتاب.

يبدأ الكتاب بسنة 1951، وأغنية "ذكريات" التي كتبها محمود جبر، ولحنها عبد الحميد توفيق زكي، ويشير عمرو فتحي إلى أن الأغنية قُدمت للمرة الأولى يوم 5 مارس 1951، في الإذاعة المصرية، ولُحنت بمقام الحجاز مع حضور متميز للغيتار، والبيانو، والآلات الوترية، والأبوا والمثلث، وسبق أن غناها عباس البليدي.


وهكذا يسير مؤلف الكتاب في كل أغنية، بكل عام، طيلة مسيرة العندليب، يذكر اسم الأغنية، واسم ملحنها، وكاتب كلماتها، والفرقة الموسيقية المصاحبة، ثم يحكي مقتطفاً معلوماتياً مهماً عنها، إذا وُجد. ففي "ذكريات"، مثلاً، يشير المؤلف إلى أنها أول أغنية يغنيها عبد الحليم حافظ في حياته الفنية، كما أنه غناها باسمه الأصلي "عبد الحليم شبانة"، وكان وقتها عازفاً للأبوا في الإذاعة، ومعتمَدا كمغنٍّ منذ 11 فبراير 1951، واستعان به الملحن والمايسترو عبد الحميد توفيق زكي لغناء الأغنية، بدلاً من كارم محمود الذي لم يستطع الحضور لتسجيل الأغنية.

ورغم هذا التقسيم الواضح في السنوات، الذي انتهجه مؤلف الموسوعة، إلا أن ثمة تقسيماً خفياً آخر يشير إليه عمرو فتحي، ضمن طيات معلوماته الغزيرة التي يضمنها عن العديد من الأغاني، حيث يُقسم حياة عبد الحليم حافظ الفنية، إلى 3 مراحل رئيسية، ومرحلة تمهيدية سبقتها وبدأت في الفترة من 1951 حتى 1953، واتسمت بالأغنيات القصيرة، ومشاركته في برامج غنائية للإذاعة. وكان أبرز سمات هذه المرحلة، أنه غنى 24 أغنية لحنها كلها عبد الحميد توفيق زكي، الذي أسس فرقة "الأنغام الذهبية" بالإذاعة المصرية لتقديم الأغنيات الخفيفة الموزعة على إيقاعات التانجو والرومبا والفالس، وهذه الأغاني غناها عبد الحليم في الفترة من 5 مارس 1951، حتى 28 يوليو 1954.


صافيني مرة وعلى قد الشوق.. علامات فارقة في البدايات
تبدأ المرحلة الأولى من مراحل حياة العندليب الأسمر – واللقب أطلقه عليه الناقد الفني جليل البنداري حسبما يشير مؤلف الموسوعة- حينما غنى "صافيني مرة"، وهي الأغنية التي يصفها العندليب نفسه بأنها التي أدارت رؤوس الناس "علشان يعرفوا مين دا اللي بيغني".

يلفت مؤلف الموسوعة إلى أن "صافيني مرة"، تعد بداية المرحلة الأولى من مراحل غناء عبد الحليم حافظ، وبعدها كانت بداية شهرته مع أغنية "على قد الشوق" التي أذيعت للمرة الأولى في 4 يوليو 1954. وبحسب عمرو فتحي، فإن عبد الحليم عندئذ بدأ طريقه نحو الغناء العربي المتقن، وقبلها لم يكن يجيد التحكم في ثبات الصوت، وشدته في القرارات والجوابات والتنفس، وكذلك الأحبال الصوتية خلال التنقل بين الطبقات والدرجات الصوتية والانتقال من مقام إلى آخر بسهولة.

يسلط مؤلف الكتاب الضوء على "الفرقة الماسية" التي أسسها عازف القانون أحمد فؤاد حسن العام 1949، وأصبحت بعد سنوات من أهم الفرق الموسيقية المصاحبة لكبار المغنين، وكيف ستؤدي هذه الفرقة دورها الأكبر في تحقيق طموحات عبد الحليم حافظ الفنية، وسيتردد اسمها مع الكثير من الأغاني التي يوثقها مؤلف الكتاب، في الصفحات التالية في الفترة من 1953 حتى رحيل العندليب في 1977.

سيأتي العام 1955، وسيبدأ عبد الحليم حافظ تعاونه مع شعراء وملحنين متنوعين، وسيظهر في أغاني هذا العام مرسي جميل عزيز، وحسين السيد، وسيظهر كمال الطويل، وسيظهر للمرة الأولى محمد عبد الوهاب، الذي يلحن لعبد الحليم حافظ أغنية "توبة إن كنت احبك تاني"، وهي أول أغنية يغنيها عبد الحليم من كلمات حسين السيد، وأول أغنية يلحنها له موسيقار الأجيال. وبينما يغيب رياض السنباطي عن مسيرة عبد الحليم الغنائية، ولا يتعاون معه إلا في أغنيتين هما "لحن الوفاء" و"فاتوني" لأنه لم يكن مقتنعاً بصوت عبد الحليم، ويراه صوتاً ضعيفاً حسبما يشير المؤلف، يرتبط عبد الوهاب بصداقة قوية مع عبد الحليم، ويلحن له الكثير، ويتطور التعاون بينهما، ويتحول إلى شراكة فنية امتدت حتى رحيل عبد الحليم.

أما حسين السيد، كاتب أغاني "توبة" و"حرام يا نار" و"حبيب حياتي" و"أهواك" و"عقبالك يوم ميلادك"، فهو من كتب لعبد الحليم أغاني متعددة في مختلف مراحله الفنية.

لكن، سيتخلل هذه المرحلة، بزوغ نجم عبد الحليم في الأغنية الوطنية، وتعاون مؤثر مع صلاح جاهين وكمال الطويل، يبدأ من العام 1956، بأغنية "إحنا الشعب" التي تخاطب الجمهور من العمال والفلاحين مستلهمة خطب عبد الناصر، التي يتقمص فيها عبد الحليم شخصية الراوي أحياناً، وأحياناً أخرى شخصية عبد الناصر نفسه. هذه الأغاني تحقق انتشاراً هائلاً في مصر، لكن التعاون بين صلاح جاهين وعبد الحليم لن يلبث أن يتوقف للأبد، في العام 1967، حسبما يشير مؤلف الموسوعة في فصل الكتاب الذي يحمل هذا التاريخ مع أغنية "ناصر يا حرية يا روح الأمة العربية"، إذ تعد هذه الأغنية هي آخر ما جمع الثلاثي صلاح جاهين وكمال الطويل وعبدالحليم، وقُدمت للمرة الأولى يوم 10 يونيو 1967، بعد أيام من الهزيمة، وهي آخر أغنية كتبها صلاح جاهين لعبد الحليم. وفي ذلك العام، حل عبد الرحمن الأبنودي محل جاهين في الأغاني الوطنية، سواء في "موال النهار" أو "ولا يهمك يا ريس" التي قُدمت للمرة الأولى يوم 6 يونيو.. بعد يوم من النكسة.

سنلحظ في الكتاب تعليقات مهمة يوردها مؤلفه عن تدخل لجنة الإذاعة المصرية، أكثر من مرة، في أغاني عبد الحليم، وبالتالي في أغاني كل الفنانين، ومن ذلك حينما حذفت لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية شطراً من أغنية "أول مرة تحب يا قلبي" تقول: لسه شفايفي شايلة سلامك شايلة أمارة حبك ليا"، وهو ما جعل عبد الحليم يستبدلها بشطر: لسه عنيا شايفة غرامك شايفة أمارة حبك ليا".


1962 حتى 1966.. صعود مطرب الثورة
تبدأ المرحلة الثانية من مراحل عبد الحليم حافظ الفنية، العام 1962، مع أغنيته "مغرور"، ويشير المؤلف إلى أن هذه الأغنية شكلت بداية مرحلة اكتسب فيها عبد الحليم حافظ مزيداً من الفهم لمقومات النجاح الفني والجماهيري، كما زادت خبراته الفنية بالتعاون مع ملحنين مختلفي الأذوق. هنا، تصاعد نجاح العندليب في الأغاني الوطنية التي جعلت منه المتحدث الرسمي باسم عبد الناصر وثورة يوليو. فإلى جانب تعاونه مع صلاح جاهين وكمال الطويل في الأغاني الوطنية، برز تعاون آخر مع مرسي جميل عزيز ومحمد الموجي أيضاً لتقديم النوعية نفسها. كما غنى خلال هذه المرحلة، أغاني بالعربية الفصحى، ومنها "لا تكذبي" لكمال الشناوي، و"لست قلبي" و"حبيبها"، وهي أغان حزينة رومانسية الطابع.


1966.. بليغ حمدي والأبنودي ومحمد حمزة.. الثلاثة الكبار
"أنا كل ما أقول التوبة" و"سواح" و"على حسب وداد قلبي"، أغنيات مختلفة الطابع، شعبية، قدمها عبد الحليم حافظ في ذلك العام، بعدما هدد مركزه الفني، محمد رشدي، المغني الذي كتب له الأبنودي "تحت الشجر يا وهيبة" فزلزلت الأرض في المسارح والحفلات، وشعر عبد الحليم حافظ بالخطر، فسارع إلى العمل مع ذلك الشاعر الذي كتب "تحت الشجر يا وهيبة"، وأتى بليغ حمدي لعبد الحليم بمثابة طوق نجاة أنقذ شعبيته من الانحدار بفعل زلزل محمد رشدي. وهكذا، بدأت المرحلة الفنية الثالثة لعبد الحليم حافظ، وتعاون فيها مع الأبنودي ومحمد حمزة كشاعرين مرموقين فذين، ومع بليغ حمدي الذي كان قد سبقهما في التعاون مع عبد الحليم حافظ في أغنيته الوطنية "الجزائر" في العام 1962، و"خايف مرة أحب" العام 1961، إلا أن غزارة تعاونهم سيكون في هذه السنوات، الممتدة قبل النكسة بعام، وبعدها. فكتب الأبنودي لعبد الحليم، " أنا كل ما أقول التوبة"، وأغاني "الفنارة و"أحضان الحبايب" و"الهوا هوايا" و"عدى النهار" و"اضرب" و"المسيح" و"ولا يهمك يا ريس"  و"ابنك يقولك يا بطل". وكتب محمد حمزة أغنية "سواح" و"جانا الهوا" و"زي الهوا" و"موعود" وغيرها. واستمر تعاون عبد الحليم مع مرسي جميل عزيز، في "بلاش عتاب"، وحسين السيد الذي كتب له "حاجة غريبة" و"جبار".

من المواقف الطريفة التي يذكرها مؤلف الموسوعة، قصة رفض عبد الحليم حافظ قراءة بيان الانقلاب على ملك المغرب الحسن الثاني، إذ كان عبد الحليم يسجل في الإذاعة المغربية العام 1971 أغنية للملك، فوقع انقلاب عسكري، وطلب منه قادته قراءة بيانهم، وهو ما جعل ملك المغرب يتذكر هذا الموقف للعندليب، وتولى تكاليف علاجه حينما أصيب بنزيف خطير عقب احتفالات عيد ميلاد الملك في 9 يوليو 1972.

موسوعة عمرو فتحي عن أغاني عبد الحليم حافظ، عمل مبهر، ممتع في قراءته رغم كونه بحثاً توثيقياً، ويشكل دليلاً كاملاً لمسيرة عقود ثلاثة من الفن الجميل.

(*) صدر الكتاب في القاهرة عن دار الكرمة المصرية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها