آخر تحديث:12:21(بيروت)
الأحد 14/07/2019
share

"مذكرات فتوة".. متحف للغة العامية المصرية

وجدي الكومي | الأحد 14/07/2019
شارك المقال :
"مذكرات فتوة".. متحف للغة العامية المصرية ينفتح "مذكرات فتوة"، على مصر قبل دخولها عقد العشرينيات

في القاهرة، ثار في كانون الثاني الماضي، جدل بين الكتاب والمثقفين حول أحقية كتاب مكتوب باللهجة العامية، في أن ينال جائزة، أعني به كتاب "المولودة" للمخرجة المصرية نادية كامل، التي حصدت جائزة ساويريس في الرواية فرع كبار الكتاب، وإستشرى الجدل، حتى بات موضوعا للمناقشة خلال الندوة التي عقدت في معهد غوته الألماني، لمناقشته في اليوم العالمي للكتاب.

هذا الجدل ربما كان مبعثه الخفي، هو أن الكتاب الذي نال الجائزة – تقاسمت مؤلفته مبلغ مائة وخمسين ألف جنيه مع الروائية سحر الموجي- مكتوب بالعامية، وهو ما آثار سخطاً مفتعلاً عند دعاة الحفاظ على اللغة العربية، وحزب المحافظين على القواعد السليمة وكل دعاة التشدد والغلو.

حين إثارة الجدل، فُتحت الأبواب للحديث عن العامية والهوية، أتذكر أن أبرز ما قيل وأهم ما قرأته في محضر الدفاع عن الكتاب(المولودة) كان ما أدلت به الباحثة المصرية التي رحلت عن عالمنا مؤخرا، الدكتورة مديحة دوس، أستاذة اللغويات في قسم الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، ورجعت إليه خلال قراءتي لكتاب "مذكرات فتوة" تأليف المعلم يوسف أبو حجاج وتحقيق الراحل صلاح عيسى.

 قالت مديحة دوس ردا على من قالوا إن الفروق بين الفصحى والعامية ليست كبيرة، سيجدون أن الفروق كبيرة، فمن سيكتب "فم" بالفصحى، لن يكتب "بؤ" بالعامية، أما من يقول إن العامية فقيرة في التعبير، ولا تصلح للكتابة والأدب بالذات، فإن كتاب "المولودة" رد على هذه الحجة، لأن اللغة ثرية عبرت عن مشاعر ومواقف كثيرة، بالتالي فإن حجة أن العامية لغة فقيرة، هي حجة مجهولة المصدر، أو على حد تعبير مديحة دوس: مش عارفة بتيجي منين.

 ينفتح "مذكرات فتوة"، على مصر قبل دخولها عقد العشرينيات.. تبدأ الحكايات قبل ثورة 1919، يرويها الفتوة المعلم يوسف أبو حجاج، الذي عمل في الجزارة، لكنه كان "برَمجي" أي بلغة الكتاب.. صعلوك، فتوة، لا يكف عن التجول دون هدف، إلا اصطناع المشاكل مع الآخرين، وأصلها فصيح، فيقال "برم فلان" أي أخذ يذهب ويجيء.

عثر صلاح عيسى على هذا العمل، في مكتبته بعدما ضاع في زحامها، وكان قد اشتراه من أحد باعة الكتب القديمة على سور حديقة الأزبكية في أحد أيام 1971، كما دون ذلك على صفحة الغلاف الداخلية، ورجع إليه حينما كان يعمل على كتابه "رجال ريا وسكينة".

اهتم صلاح عيسى بالكتاب، نظرا لأنه صدر في فترة مهمة من تاريخ مصر، إذ أصدره حسني يوسف، صاحب ومحرر جريدة "لسان الشعب"، الذي نشر المذكرات أولا في صحيفته بدءا من 30 يونيو حزيران 1924، ثم نشرها في أكثر من طبعة، لم يتحدد صدور الأولى منها، إنما صدرت الطبعة الثانية في العام 1927، فيما يلفت صلاح عيسى إلى أن حمدي السكوت أدرج عنوان "مذكرات فتوة" ضمن الروايات العربية الحديثة التي وردت عناوينها في المجلد الثالث من كتابه "الرواية العربية الحديثة" وذكر أنها طبعت عام 1926.

سبب اهتمام عيسى الرئيسي بالمذكرات، وتحقيقها، يرجع إلى المقدمة القصيرة التي كتبها أحد أعلام الأدب والفكر والتاريخ في القرن الماضي، وهو اللغوي والمؤرخ والصحافي السوري خير الدين الزركلي، الذي قال في مقدمة "مذكرات الفتوة"، أنه كان صاحب المطبعة التي تطبع فيها جريدة لسان الشعب التي تنشر حلقاتها متسلسلة وكانت تسمى المطبعة العربية في مصر، واكتشف الزركلي أيضا في المذكرات قيمة أخرى، ألا وهي أنها صفحة من تاريخ اللغة، لا يتعرض لها مؤرخوها مما يعرضها للضياع.

الكتاب الذي بين أيدينا، يقع في أكثر من خمسمائة صفحة، وخمسة عشرة فصلا، يحوي كل فصل هوامش كثيرة، ومكررة، لمعاني كلمات العامية التي يستخدمها المعلم يوسف أبو الحجاج في حكاياته، ويفتتح كل فصل بعبارة تستدعي لمخيلة القارئ مشهد من مشاجرة، أو من حي شعبي، فالفصل الأول معنون بـ"الحبس للجدعان" ويستهله الفتوة المعلم يوسف هكذا:

السلام عليكم يا حضرات القراء،

يا منبع اللطافة والإنسانية ومعدن الذوق- ياللي تفهموا الواحدة وهية طايرة وبعد.

اسمعوا مذكرات أخوكم المسلم وأمركم لله

يبدأ المعلم يوسف من هذا الفصل في حكي سيرة حياته، منذ ميلاده في الحسينية، التابع لـ"تُمن" الجمالية، لأب وأم يسكنان في حارة الحصر، وعليه تربى بين عشاق السب الذين يكرهون المدارس، ويصفهم قائلا: يعني غواة التعليم بالمستحد والساطور.

يشعر قارئ الكتاب إنه يتجول في متحف مفتوح للغة العامية المصرية، ما بين مفردات اندثرت تقريبا، وصار وقعها غريبا على الآذن، ومن تلك المصطلحات "أشيته معدن" والتي نجد لها تفسيرا في هوامش الفصل الأول، بأنه تعبير عامي كناية عن أنه كان ميسورا، في وصف المعلم يوسف أبو حجاج لنفسه، وفيها بلاغة عجيبة، مصدرها موسيقى نابعة من إيقاع المفردات العامية، المكتوبة، إيقاع يحوي سجعا مقصودا، وربما تكون البلاغة سببها أن الصحافي حسين يوسف الذي أعاد نشر المذكرات، رتب بعض مقاطع الجمل والعبارات، فخرجت على هذا النحو المرتب المنمق.

أو حينما نصادف في الفصل الثاني، المقطع الذي يحكي فيه عن مطاردته لفتاة يعجب بها، فيقول: ركبنا الترامواي بتاع السكاكيني وفي المحطة اللي قبل آخر الخط نزلت وأنا في كعبها، والحداقة ماشافتنيش، وتني وراها لحد ما دخلت البيت. وقفت على بعد واتسلطن الغرام وبقيت يا خلي زي ما أنت راسي والحب كان صعب عليّه.

 

قارئ الكتاب لن يجد فيه فقط حكايات عن مشاجرات الفتوة وحبسهم، أو مقاطع يومية من مغامراته، أو اللغة المحكية التي كانت سائدة آنذاك، بل سيجد توثيقا لأحداث سياسية مهمة، كما في الفصل الثالث المعنون بـ"يعيش سعد باشا زغلول العترة" والذي يبدأه المعلم يوسف أبو حجاج هكذا:

هلت سنة 18 وكانت سنة يعلم بها ربنا: تفليسة وغلا، وأرف وغُلب. ولكن اللي ساتره ربنا ميفضحوش مخلوق، الدنيا أشفرت، والسوق نام، والسكاكين تلمت، أمرنا للذي خلقنا.

سيجد قارئ الكتاب العديد من الأحداث التوثيقية لفترة ثورة 1919، الفترة المضطربة من تاريخ مصر التي امتدت للعشرينيات، تحولات المجتمع المصري، وإرهاصات الثورة، التي تندلع في العام التالي، وبعدما كانت الشقاوة طبعاً في يوسف أبو حجاج، وشلته من الفتوات، يفاجأ بأن المصريين صاروا جميعا أشقياء، التراميات مرشومة تلاموذ وعمالين يزعقوا: يحيا الوطن يعيش سعد باشا زغلول. تعيش مصر حرة، أقول لك الحق: أنا قلت إن القيام لازم تكون قامت.لا خدت ولا إديت ودخلت الحسنية، لقيت طفة: مشايخ، مجاورين، وتلاموذ. أفنديه، سألت واد أفندي: إيه سبب الهيصة دي؟ قال لي: الجماعة الإنجليز: حبسوا سعد باشا وشعراوي باشا وعبد العزيز فهمي وحمد باشا لأنهم قاموا كلهم يطالبوا بخروج الإنجليز من مصر قاموا حبسوهم ونفوهم.


سيتصور قارئ المذكرات أنها ستسير كلها على هذا المنوال، لكن المعلم يوسف أبو حجاج ينأى بنفسه بعد فترة من المواجهات، بعدما جرب الاشتباك وحماية "التلاموذ" من غدر عساكر الإنكليز، وعلى الرغم من اعتياده الحبس، الذي لم يخل فصل تقريبا من مواجهة له مع قضاة ووكلاء نيابة، وسخرية منهم، إلا أنه خاف من الحبس بتهمة التظاهر، إذ يقول: ساعتها أنا قلت: هات يا جري، لأن أياميها كانت سلطة إنجليزية لا فيها محامي ولا كفالة ولا ضمانة وحرام انسجن أوانطة عشان يحي ويعيش.


لا تخلو المذكرات كذلك من تحذلق، ومحاولة ابتكار أمثال من جانب المعلم يوسف أبو حجاج، يحار أمامها محرر هوامش كل فصل، إلا أن الملحوظ والجدير بالإشارة فعلا في روعة هذه المذكرات، وشجاعة إعادة نشرها، أنها تحوي ضمن ما تحويه قاموس الشتائم والسباب، الذي كان يتبادله فتوات زمان، ومن ذلك حينما يسب المعلم يوسف أبو حجاج، فتوة وش البركة قائلا له: خد يا تربية الشراميط وفتوة النسوان، في إشارة إلى أن وش البركة كانت مجمعا لبيوت البغاء، فوصفه بأنه فتوة الشراميط كان يستهدف الانتقاص من قدره، لأنه يحمي العاملات في حي البغاء، وهو عمل لا يليق بالفتونة.

مذكرات فتوة، كما وصفه صلاح عيسي، عمل نادر، ومخطوطة على عصر اندثر، ولغة عامية مُحيت، وبالكاد إعادة نشرها، هو محاولة لفتح المتحف على مصراعيه أمام زواره ومحبي العامية المصرية.

*صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها