آخر تحديث:13:09(بيروت)
السبت 06/04/2019
share

"من دمشق إلى حيفا" لخيري الذهبي... ما طمسه "البعث"

تهامة الجندي | السبت 06/04/2019
شارك المقال :
  • 0

"من دمشق إلى حيفا" لخيري الذهبي... ما طمسه "البعث" حياة بين الاستبداد والأسر
شعرتُ بالامتنان وأنا استلم كتاب "من دمشق إلى حيفا"، وحين فتحته ودخلت التفاصيل أحسست وكأني أجالس خيري الذهبي في مقهى "الروضة"، أو أمشي إلى جواره في حارات دمشق القديمة، وأصغي إلى حديثه الرصين. دخلت الكتاب بالود والتقدير الذي أكنه لمؤلفه، ولم أتوقع أنه سيضيف الكثير من المعلومات إلى معرفتي بصديق قرأت له العديد من الروايات، وتابعت نشاطه الثقافي، وكتبتُ مراراً عنه. لكني، ما إن اجتزت الصفحات الأولى من يومياته، حتى بدت لي بمفارقاتها الغريبة وسياقها الدرامي، المحطة الأهم مما سبق لي وعرفت من سيرته الإنسانية والإبداعية. 

ولد خيري في دمشق قبل عامين من حرب النكبة، حاول دراسة الإخراج السينمائي في مصر ثم في فرنسا، ولم تسعفه الظروف، فدرس الأدب العربي في القاهرة أيام جمال عبد الناصر في ستينات القرن العشرين، وعاد إلى وطنه حاملًا شهادته الجامعية، ليبني حياته المهنية والأسرية بعد فترة وجيزة من نكسة حزيران واحتلال هضبة الجولان العام 1967. عمل مدرسًا للغة العربية في مسقط رأسه وفي مدينة الحسكة، تزوج ورُزق بطفلتين، ثم التحق بخدمة الجيش الإلزامية، حيث فُرز كضابط ارتباط مع قوات الطوارئ الدولية على خط الهدنة مع إسرائيل في الجولان، ثم وقع أسيرًا لدى الجيش الإسرائيلي أثناء حرب تشرين 1973.

تلك هي التواريخ المفصلية والأمكنة الأساسية التي ستتحرك داخلها ذاكرة خيري الذهبي، وتضع ترسيمات القمع والفساد التي صاغها حكم العسكر، وأسست للإحساس المزمن بالخوف والعجز والهزيمة لدى الشارع السوري بكافة أطيافه، وما يميز تجربة الذهبي في هذه الدائرة الجهنمية كونه يجيد الفرنسية والانكليزية ولديه إلمام بالعبرية، وينتمي إلى شريحة المثقفين المستقلين، الباحثين عن الحقيقة خارج الأطر الحزبية ومنابر التجييش العقائدي.

يستهل الذهبي ذاكرته بالعودة إلى الوطن بعد التخرج في الجامعة، وبمشهد "اللافتات الباعثة على الكآبة"، وهي تطل عليه من كل مكان، وتقول: "خسئ العدو حين اعتقد أن سورية قد هُزمت حين سرقوا الجولان منها، ناسيًا أن حلمه الكبير في هزيمة الثورة لم يتحقق، فثورة البعث باقية وإلى الأبد". وفي ظل هذه الثورة الأبدية يعمل خيري في التدريس، ويصبح شاهدًا على البدء بهندسة مرتكزاتها من فساد الإدارة، وتزوير نتائج الامتحانات، والتوظيف في قطاع الدولة بحسب الولاء للحزب الحاكم، لا بناءً على الكفاءة.

يحدثنا المؤلف عن تلميذه إبراهيم في مدرسة فانسنت (أو المنصور بعد التأميم)، ذاك الطفل اليهودي الذي كان يحميه من اعتداءات زملائه لمجرد انتمائه الديني. ثم يعود بذاكرته إلى أيام الطفولة، ويروي حكاية "اليهودي الأشكنازي الذي يحز عنق الطفل الفلسطيني بسكينه، وهو يهمس له لا تخاف خبيبي"، الحكاية التي سمعها في صغره، وأدخلت الذعر إلى قلبه وملأت ليله بالكوابيس، وبين الحكايتين كان الراوي يؤمن بحق الاختلاف وحرية المعتقد، ويشير إلى الضغوط التي عاناها اليهود السوريون بعد قيام إسرائيل، ويبدي الرغبة في معرفة حقيقة الآخر بعيدًا من صور الشيّطنة التي يتبادلها طرفا الصراع.

مع انتقاله إلى الحسكة يكتشف أنها مدينة الهاربين من القتل والاغتصاب، ممن بنوا بيوتهم الفقيرة على عجل بانتظار عودتهم إلى الوطن الذي غادروه مرغمين. ويطلع على تجربة السريان في استصلاح الأراضي، ومكننة الزراعة، وتخصيب الآلاف من الدونمات. تجربة بدأها أصفري ومعمار باشي ونجار، وأجهضها حزب البعث بقانون التأميم الذي أدى إلى تراجع سورية "عن الدولة الزراعية الأولى في الشرق الأوسط، وعن الدولة المتميزة في الصناعة النسيجية، إلى الدولة الأولى في تطفيش أصحاب الرساميل". وسيؤلف خيري كتابه "بين تجربة التصنيع الزراعي في شمال سوريا والكيبوتز الإسرائيلي في فلسطين" ويرسله مرفقًا بالصور إلى دار نشر لبنانية وافقت على إصداره، ثم سيعتذر الناشر بسبب الضغوط، ويعيد المخطوط إلى مؤلفه بالبريد الذي لا يصل قط.

أثناء أداء الخدمة الإلزامية، يختبر خيري المزيد من مظاهر الظلم وانهيار القيم المدنية لصالح عسكرة المجتمع. وبعد فرزه إلى المنطقة منزوعة السلاح، يشهد بأمّ عينه توغل الجيش السوري في الجولان المحتل، وتقهقره في بضعة أيام أثناء حرب "تشرين التحريرية"، ويرفض الانسحاب من موقعه، فيعيش تجربة الأسر مع مجموعة من العسكريين السوريين في سجون "إسرائيل"، الدولة التي لا تعترف بها حكومة بلاده، وكم يزداد إحساسه بالمرارة والخيبة مع مرور الأيام والشهور، حين لا يطالب أحد بالإفراج عنه، مع أن القانون الدولي يحميه بوصفه ضابط ارتباط.

تصب أسئلة المحققين مع خيري حول مدى معرفته للغة العبرية، وما هو رأي الشباب المثقف في سورية بدولة إسرائيل؟ وحين يغلق باب الحوار، وتقتصر إجاباته على اسمه ورتبته العسكرية وموقعه في قوات الطوارئ الدولية، يُتهم بالعمالة للمخابرات السورية، بناء على اعتراف أحد الأسرى بذلك بعد تعرضه للتعذيب. وبدوره يتعرض الذهبي للتعذيب وينفي التهمة عنه، ثم يُنقل إلى سجن مجدو حيث بقية الأسرى العسكريين، وحيث يصف المكان والحياة بانتظار لحظة الحرية، بدءًا من الكيس الأسود على الرأس، والقيد البلاستيكي على الرسغين أثناء الانتقال، حتى الأحلام التي تغدو الصلة الوحيدة بالعالم الخارجي.

يروي لنا قصة إضرابهم عن الطعام للمطالبة بإدخال الصحف وتبادل الرسائل مع ذويهم، ويتحدث عن زيارة الشيخ الفلسطيني محمد علي الجعري، التي انتهت برميه بالأحذية لأنه نصحهم بمحاباة السجان، ثم زيارة المطران كبوشي التي انتهت بتقبيله بعدما أخبرهم أنه حلبي المولد، وأنه يعتبرهم بمثابة بذور القمح التي طُمرت بالوحل لتنتج السنابل. يتحدث عن لقائه بالأستاذ الجامعي الذي عرض عليه أن يكون واحدًا من رسل السلام بين البلدين، وعن رفضه للعرض، لكن أغرب ما يرويه هو استدعاؤه للقاء أستاذ جامعة هداسا، غيدو أو جدعون، الذي سيعتذر من خيري لأنه لم يقرأ بعد النسخة التي يحتفظ بها عن كتابه "بين تجربة التصنيع الزراعي في شمال سوريا والكيبوتز الإسرائيلي في فلسطين". فكيف وصل الكتاب المفقود إليه؟ 

وكما بدأت اليوميات بالعودة إلى الوطن بعد التخرج، كذلك تنتهي بالرجوع إليه بعد عملية تبادل الأسرى، وفي الطائرة المتجهة إلى دمشق يشعر خيري بالتوجس وهو يتذكر تحذير الكولونيل نهاري له أثناء التحقيق: "أنت لو احتفظتَ بهذه الكراهية كلها ضد إسرائيل، فستعاني كثيرًا في حياتكَ، ليس على أيدي الإسرائيلين، ولكن، على يد حكومتك نفسها". ثم يختم المشهد الأخير بسؤال أحد الصحافيين له: "حدِّثنا عن مشاعرك خلال الـ300 يوم تلك التي قضيتَها في إسرائيل؟".

أغلقتُ الكتاب الذي نال جائزة ابن بطوطة، وأنا أتساءل ما الذي نعرفه حقًا عن إسرائيل؟ وهل تركت لنا سياسة تكميم الأفواه مجالًا لتقصي الحقائق والتفكير المستقل وتكوين الرأي الحر؟ متى كنا نملك حق الحوار، وإمكانية اتخاذ الموقف الصائب مما يدور حولنا؟ وكيف يُبنى السلام العادل تحت القصف وفي أقبية الزنازين؟ اسرائيل ليست حمامة سلام، تبدو كذلك مقارنة بوحشية أنظمتنا الحاكمة. اسرائيل تبدو دولة ديموقراطية متطورة، عدوها من يهدد أمن مواطنيها ورفاههم، في حين أن نظام الأسد أفرغ ترسانة الجيش النظامي الحربية فوق رؤوس السوريين، قتل وسجن وشرّد الملايين ليضمن استمراره في الحكم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

تهامة الجندي

تهامة الجندي

كاتبة سورية

مقالات أخرى للكاتب