آخر تحديث:14:35(بيروت)
الأربعاء 27/03/2019
share

مسرحيون عرب يناقشون تحدياتهم: الهوية، الإنتاج.. وشياطين أخرى

منى مرعي | الأربعاء 27/03/2019
شارك المقال :
  • مسرحيون عرب يناقشون تحدياتهم: الهوية، الإنتاج.. وشياطين أخرى
    روجيه عساف
  • أيمان عزالدين
    أيمان عزالدين
  • ميسون علي
    ميسون علي
  • جليلة بكار
    جليلة بكار
في رسالة اليوم العالمي للمسرح 2019، كتب المخرج والكاتب الكوبي كارلوس سيلدران "أن المسرح هو موطنٌ بحد ذاته". الأستاذ الجامعي، الآتي من هافانا وقد أسس مسرح آرغوس العام 1996، ليكوّن مختبر بحث حول لغة مشتركة للممثلين والطلاب، يختم رسالته مشدداً على الإنطلاق من حيث يوجد الفنان: "لا تبتعد عن المكان الذي أنت فيه... حيث ما كنت يكون الجمهور". بالنسبة إليه، المسرح ينتشر حسب جغرافيا غير مرئية، ويختلط مع حياة الذين يمارسونه. بالتزامن مع احتفائية اليوم العالمي للمسرح، وبعيداً من الإكتفاء بالتركيز على الرسائل العالمية أو بنقل الإحتفاليات، لربما يكون مجدياً التفكير في هذا اليوم واعتباره فرصة تبتعد عن مركزيات الرسائل، للبحث في المشهد المسرحي في بعض بلدان العالم العربي، والإضاءة على بعض إشكالياته، على أمل أن تكوّن القراءة نقطة انطلاق نحو نقاش مستمر يفتقده العاملون في المسرح أينما حلّوا. ويبدو مهماً في هذا السياق، أن يتحاور الجيل القديم الذي أرسى أسساً، دعمّت المتن المسرحي لفترة طويلة من الزمن، وجيل الشباب الحالي، الذي يحاول أن يبني تجربته الخاصة.

أدنا،ه المقالة الأولى من مقالتين (*) ستقدمهما "المدن" للغوص في معنى أن نصنع أو ننتج مسرحاً في هذا الزمن وفي هذه البقعة من العالم. ستستضيف السطور التالية، غيض من فيض أفكار ونقاشات، أخذ بعضها مدىً تخطى موضوعة المقالة وجمعت كل من: جليلة بكار- ممثلة وكاتبة ومخرجة تونسية، ميسون علي- باحثة وأستاذة مسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، ايمان عزالدين- أستاذة الدراما والنقد المسرحي في جامعة عين شمس في مصر، روجيه عساف- المخرج والممثل والأستاذ الجامعي ومؤسس فرقة الحكواتي في لبنان، عامر خليل- مدير المسرح الوطني الفلسطيني وممثل ومخرج وعضو بارز في فرقة الحكواتي الفلسطينية.

معنى أن ننتج مسرحاً اليوم
في العام 1996 ذكر سعدالله ونوس في رسالته أن المسرح يتقهقر، وأن المدن تضيق بمسارحها. لم تكن آنذاك الأزمات تتتالى تباعاً لتقضم كل بلدٍ من البلاد العربية وتزيدها هشاشةً  حتى عجزت المصطلحات عن توصيف القعر الحالي المهيمن. لحسن حظه، لم يشهد ونوس زمن الكارثة الآني، لكننا ما زلنا هنا، ليس مؤكد بعد أن المسرح "سيدربنا على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسد الجماعة" كما قال. كيف يتمّ رأب الصدوع والتمزقات إن كانت حالة الإستثناء هي الثابت الوحيد والمتمادي في مجتمعاتنا؟

ليست الصورة وردية أو مضيئة تماماً، اذ أصبح المسرح كفعل، مهمةً قاسية جداً في أيامنا هذه، كما يقول المخرج الفلسطيني عامر خليل. الجهد الملقى على عاتق الفنان أصبح مضاعفاً، لأنّ على هذا الأخير أن يجابه بخشبته شتى المغريات الموجودة في عوالم التكنولوجيا والسوشيال ميديا والتلفزيون. اليوم، يستطيع أي شاب أو شابة وهما مستلقيان في السرير، أن يشاهدا فيلماً افتتح عرضه البارحة. على المسرح أن يقاوم سرعة تلك الإستقطابات "الفورية"، التي لا تتطلب جهداً على الإطلاق، الأمر الذي يصعب مهمة اختيار نصوص وموضوعات تكون جذابة للمتلقي.

وعلى تماس من الصعوبات التي ذكرها خليل، ترى ميسون علي أن "العرض المسرحي ونحن على تخوم الألفية الثالثة، يمتلك وحده تلك القدرة على إعادة العالم إلى ألفة الجسد الحي، وعلى إخراج الإنسان من غربة الرموز ومنفى الشاشات ومنحه فرصة العودة إلى فضاء التواصل الحي مع الواقع. المسرح ورغم كل الثورات التكنولوجية، سيظل ذلك المكان النموذجي ليتأمل شرطه الإنساني والوجودي معاً....". من ناحيتها، ترى ايمان عز الدين أن عملية الإنتاج المسرحي يتحكم فيها الزمان والمكان والصانع والمتلقي المباشر، ونظراً لأن الظروف ليست دائماً مؤاتية، تفقد الكثير من الأعمال الجيدة اليوم التي، لم تتوفر لها أسباب الرعاية وبالتالي الخروج الى النور. الفعل المسرحي اليوم يبدو بالغ التعقيد.


ولا يرى روجيه عساف نفسه معنياً بالمسرح كقيمة منعزلة عن السياسة: "المسرح هو أداة. السياسة هي التي تهمني... لا أعتبر نفسي أعمل في المسرح، ولم أكن أنوي القيام بذلك من الأساس. كنت أجيد التمثيل، ووظفت ما أجيد لأجل ما هو أبعد، وهو الفعل السياسي". أجمل تجربة عاشها روجيه عساف، هي تجربة تأسيسه اللجان الشعبية في المريجة خلال الحرب الأهلية، وهذا ليس له علاقة بالمسرح.. يكمل قائلاً إنها مقولة سهلة، اعتبار أن كل مسرح هو حُكماً سياسي. المسرح الذي يتحدث أو الذي يشير الى السياسة، ليس بالضرورة سياسياً. المسرح السياسي يقصد أن يكون سياسياً وفي تركيبته، تحضر السياسة كمسار وكهدف أساسيين. حين يتأمل في السنوات الأخيرة التي مضت، تحديداً تلك التي تلت الربيع العربي، يبوح بأن رهانه لم يكن في مكانه. 

ويتلاقى عساف هنا مع جليلة بكار التي ترى أن ظن البعض بأن الإبداع السياسي سيأخذ شكلاً جديداً مع الربيع العربي، لم يتمّ. بعيداً من التعميم والإستثناءات، الوجه الجديد الإبداعي للمسرح التونسي، لم يأتِ بعد، وهذا له تفسير أيضاً. وفقاً لبكار، يحتاج المبدع لبناء مسافة مع الحدث. من وجهة نظره، فكرّ روجيه بأن وجود الوزن السوري في لبنان، مع وجود الفلسطينيين، مع الوجود اللبناني، كان يمكن أن يخلق مناخاً سياسياً ثقافياً إستثنائياً عظيماً، لكن هذا أيضاً لم يحصل. لم يكن لهذه العلاقة أن تنوجد حتى أنها كانت مرفوضة أحياناً.. ساهمت في هذا الأمر منظومة الإنتاج المبنية على الحصول على منحة من المؤسسات المانحة. كلٌ يدبّر أموره مع مؤسسة مانحة معينة. ليست هناك مشاركة في الإنتاج، وليس هناك من هَمٍّ مشترك. وهذا أمرٌ ينطبق على الفنانين اللبنانيين في ما بينهم: ليس هناك اختلاط، النقاش غير موجود، ولا لقاءات، حتى أنهم لا يختلفون.

المسرح في الستينيات والسبعينات: حديثٌ من زمنٍ آخر
خلال لقائنا، نظر روجيه الى الأسئلة التي اعتبرتُها أسئلة مفتاحية، قائلاً: "قد لا أكون الشخص المناسب لما تبحثين عنه". لم أكن أبحث عن إجاباتٍ محددة. الأسئلة التي بحوزتي، كانت محاور وُضعَت ليتم تجاوزها، لتتحول معظم اللقاءات التي تمّت وجهاً لوجه، أو عبر الهاتف، الى سلسلة من الإستطرادات البالغة في أهميتها. ما من إشكاليات يُنظر إليها اليوم، من دون قراءة السياقات السابقة في دينامية الفعل المسرحي في ما مضى. يروي عامر خليل أن الحركة المسرحية الفلسطينية أتت كردّ فعل على نكسة 1967. قبل هذا العام، كانت هناك تجارب، لكن الحركة المسرحية التي تسمى اليوم بحركة مسرحية فلسطينية، بدأت مع مجموعة شباب مثقفين، سياسيين، فنانين، عمال قرروا إنشاء مسرح سياسي لتحرير فلسطين. من هنا انطلق هذا المسرح وامتد الى بداية السبعينات. لدى عودة المخرج فرانسوا ابو سالم، من الخارج، اشتغل مع فرقة هواة، سُميت "فرقة بَلالين"، ثم إثر خلاف، انشقّت عن هذه الفرقة، فرقة أخرى تدعى "بِلالين" وبعد "البَلالين والبِلالين"، وشُكلت عفوياً فرقة "دبابيس" كي تفقع "البلالين". وفي العام 1975، تأسست فرقة صندوق العجب، وفي العام 1977 أسس فرنسوا أبو سالم فرقة الحكواتي، وفي العام 1983 تأسس المسرح الوطني الفلسطيني، وهو يُعرف أيضاً بمسرح "النزهة الحكواتي". منذ السبعينات حتى العام 2011، عملت فرقة الحكواتي وغيرها من الفرق، على مئات الإنتاجات التي عرضت في أنحاء العالم، وكان الفنانون في فلسطين هم السفراء الحقيقيين والوحيدين لفلسطين قبل نشوء الحكومة الفلسطينية.

عن هذا الزمن، يشدّد روجيه عساف على بيئة العمل والمناخ، الذي يجمع الفنانين في ما بينهم. آنذاك، كان المناخ العام، أقلّه في بيروت الغربية، موحداً وجامعاً لشتى الممارسات الإنسانية والفكرية معاً. كان المسرحي يلتقي ويناقش ويجادل، الموسيقي والشاعر والفنان التشكيلي والسياسي، والعكس أيضاً... وكانت النقاشات تطاول كل شيء. لم يكن لدى معظم المشتغلين في المسرح أي إلمام حقيقي به... يقول روجيه عساف إنهم تعرفوا على بريخت وغيره شيئاً فشيئاً. تعلموا من أخطائهم ومن "تخبيصاتهم"، وما كان مهماً هو العمل معاً على خلق حياةٍ ثقافية جامعة. ولم يكن الإنتاج بحد ذاته مهماً... كان المسار هو الذي يؤدي الى خلق عملٍ فني. يذكر أن الحوارات كانت استمرت لسنة ونيف، قبل أن يخرج العمل الأول لفرقة الحكواتي الى النور. المهرجانات التي حضرها في العراق ومصر والأردن، في سبعينيات القرن الماضي، كانت فرصة للقاء الفنانين في ما بينهم، وليقدم كل منهم تجاربه وليتناقش حولها.

تحديات مشتركة عابرة للحدود والأزمان.. وإشكاليات محلية
اليوم يبدو كل شيء مختلفاً. منظومة الإنتاج كلها تغيرت وباتت مشروطة بتقديم الطلبات والمقترحات ومنح التمويل. تحوّلت فكرة المهرجان الى منصة لتقديم العروض فقط، وفق عساف. يُدعى المخرج (وممثلو المسرحية). يصل الى المهرجان، يقدم عرضه في اليوم التالي، وفي اليوم الذي يليه يغادر... هكذا أصبحت المهرجانات تركز على عدد المسرحيات التي تستضيفها: 60 مسرحية في مهرجان واحد، ولا منصات للقاء، ولا أحد يرى عمل الآخر. والندوات التي تُقدم هي ندوات فكرية لا علاقة للفنانين بها. والورشات التي تقدّم لا علاقة لها بالعروض والندوات. يختم قائلاً: "هذا ليس مهرجاناً. هذا بهرجان". أكبر مصيبة يعانيها المجتمع العربي، هي التفتيت. تفتيت القضايا، يتيح مجالاً أكبر للفردية وهامش الإهتمام يضيق، بحسب قول روجيه: "كل مجالات الحياة صارت مقسمة ومفتتة، المدارس والجامعات مفتتة... كل شيء... هذا هو الموضوع الأساس والوحيد الذي ينبغي أن نهتم به: كيف نستطيع كسر الحدود وجمع الناس"، بعيداً من منظومة الإنتاج السائدة، التي تحتم تأمين تمويل قبل البدء بالعمل.



من ناحية أخرى، ترى ميسون علي أن مصطلح "الأزمة" ما زال سائداً، وقد يبدو "الأمر أكثر تعقيداً، بسبب ارتباطه بانهيار مشاريع النهضة والتحديث الوطنية وصعود الأصوليات البديلة لخطاب الحداثة المأزومة. ويشكل المسرح العربي نموذجاً مهماً لهذه الحالة، فالمسرح العربي ولد في القرن التاسع عشر، كإبن شرعي للنهضة العربية، لكن لا ينبغي خداع الذات. المسرح اليوم يعاني، هناك فعاليات مسرحية وجيل الشباب موجود لدرجة توحي بأن المسرح معافى، لكن هذه التجربة في العالم العربي متقطعة بشكل لا يسمح لها بالتطور. كما أنها ترى تبدل وضعية المسرح في العالم، من كونه فناً رئيساً، الى كونه فناً هامشياً في عالم ما بعد الحداثة. في هذا الواقع، لم تصبح الصورة لغة وثقافة العصر فقط، بل أصبحت قدر الإنسان والفضاء الذي يتشكل فيه الوعي بالعالم. وربما اتسع هذا الفضاء بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، الى الحد الذي التبست وتداخلت فيه الحدود بين الواقع والصورة. وهذا ما دعا العديد من المفكرين الى وصف الوعي المعاصر بالإلتباس، وذلك لأنه وعي ينتج عن العلاقة بالصورة، لا بالواقع. فهل هو وعيٌ مزيف؟ وهنا برز السؤال حول قدرة المسرح على استعادة العلاقة بالواقع والحد من تأثير بلاغة الصورة".

كذلك، مع واقع الأزمات المتكرّرة، يلمس عامر خليل أن صناع المسرح لم يتمكنوا حتى اليوم من بناء علاقة قوية مع الجمهور المحلي والجمهور العربي، ويعود ذلك الى حالة عدم الإستقرار الدائمة والضغوط التي يتعرض لها الفرد. لم يصبح المسرح بعد، جزءاً من حياة البيت الفلسطيني، أو البيت اللبناني أو التونسي. وفي سؤالٍ حول اشكاليات المسرح في العالم العربي التي لم تتبدل منذ أكثر من 40 عاماً، ويتلخص أهمها في أزمة النص، حرية التعبير وضعف البنى التحتية. يرى خليل أن ذلك ينمّ عن أننا لا ننتمي بشكل قوي وجيد لهذا النوع من الفن. اجتماعياً، المسرح مرفوض في العالم العربي ككل. المسرح يحتاج لحرية نقد ولحرية تعبير، وهذا غير موجود عند العرب. كذلك الأمر في ما يتعلق بالكتابة.

لا توافق جليلة بكار تماماً على حكاية أزمة النص، ولم توافق يوماً على هذه الإشكاليات التي تُذكر وتتكّرر في كل المهرجانات حول أزمة النص والجمهور، وبرأيها أنها توحي بأن من يطلقها لا يعرف شيئاً عن المسرح. المسرح ليس نَصّاً فقط: المسرح هو ممثل، جسد، ثم تقنيات... المسرح أولًا هو ممثل، ثم الشيء الآخر. ليس في الأمر انتقاصاً من قيمة النص المسرحي، لكن النص المسرحي جزء من كلّ، وليس الكلّ. ترى بكار أنه لا مسرح عربياً بالمعنى الحقيقي والموحد للكلمة، هناك مسارح عربية، وكذلك هناك تجارب مختلفة في البلد نفسه.
يفتح رأي بكار، الباب أمام سؤال معنى الهوية أو الهويات في هذا الزمن، وحول ضرورة ربط الهوية دائماً بالحدود والجغرافيا. لا تستغرب ميسون علي أن يظل سؤال الهوية هاجساً يعاد انتاجه مع كل محاولة نهوض، ومع كل هزيمة. ذلك لأن تاريخنا العربي المعاصر عبارة عن سلسلة من محاولات النهوض والهزائم. ومنذ الخمسينات طُرح تساؤل حول العناصر التي تعطي خصوصية للثقافة العربية، ومن ضمنها المسرح، وكان هناك توجهان: التوجه الأول الذي يجد أن تدعيم هذه النهضة يقتضي التمثّل بثقافة الغرب بصورة أعمق، ومحاكاة فنونها بكفاءة، والتوجه الثاني الذي يشدد على التخلص من كل أشكال التبعية. وهذان التوجهان، وفق علي، يعكسان انتماءات سياسية وطبقية واضحة، وليست مبنية على خيارات ثقافية. لم يتساءل أحدُ التوجهين، ما هو المسرح الذي نحتاجه، أو كيف نبني تجربة مسرحية يتفاعل معها جمهورنا؟ بل كان السؤال كيف أعرّف نفسي إزاء الغرب؟! ومثل هذا السؤال يزيّف المشكلة بدلاً من أن يساعد في حلّها.

يذكر روجيه عساف أنه في الأزمنة السابقة، كان ممكناً التحدث عن مسرح يوناني أو مسرح انكليزي أو مسرح فرنسي، ذلك لأن الأفكار والأعمال لم تكن تتجاوز الحدود وكانت الهوية تتشكل داخل الحدود. اليوم تبدلت الأمور، هنالك إنتماءات لا حدود لها: العمل السياسي الجماعي يجمع أفراداً من لبنان، من إيطاليا، من فرنسا، من أميركا الجنوبية، هؤلاء لهم هوية مسرحية، لا هوية وطنية. مسرح البولفار، أينما وُجد، له هويته... الهوية لم تعد الحدود، الحدود لا معنى لها في الثقافة اليوم. كما ترى إيمان عزالدين أن موضوعة الهوية أخذت أكثر من مداها. فمشاكل الهوية نابعة من الرغبة في الإختلاف، لكن الإختلاف عمّن تحديداً؟ ترى أن حكاية البحث الدائمة عن الهوية تسحب الكثير من "الأوكسيجين المتاح"، وتحبس الذات في قوقعة وحينها سنكون في أدراجٍ، تفرز الأبيض على حدة والأسود على حدة... الهوية مجموعة من المكونات المتجانسة والمتنافرة في آن، القديم والحديث، الأنا والآخر.. والإنخراط في مكوّن واحد لنبذ المكوّن الآخر لن يقدّم هوية. من جهته، يرى عامر خليل أن المسرح "هويته أن يكون مسرحاً جيداً، مسرحاً جميلاً، مسرحاً صادقاً، إن كان هندياً أو مصرياً أو لبنانياً أو فلسطينياً". الهوية الوطنية أو الإقليمية ليست مهمة، لأن المسرح بحد ذاته هو هوية. التعبير الحر هو هوية.

في سياق حديثه، شدد روجيه عساف على الفارق بين حرية التعبير والتعبير الحر. ليست حرية التعبير هي المهمة، المهم هو التعبير عن الحرية. ليس الأخير – أي التعبير الحر، اختصاص الصحافيين والفنانين فقط. هذا اختصاص شعب أولاً: "عندما يكون الشعب حراً في تعبيره، فهذا لا يتطلب وزارات أو أنظمة رقابية. عندما يكون الشعب حراً، فلا رقابة. هل كانت هناك رقابة في ساحة التحرير في مصر؟". ويسهب متحدثاً عن هذه الوحدة الجماعية التي تتشكل بكل عفوية وفطرية، لتنقل عن هذا التعبير الذي من واجبنا أن نستمع اليه جيداً وأن ننقله. هو التعبير الحر المرتبط أولاً بالحاجات، والمنبثق عن لغة الناس الذين لا يخترعون الحكايا انما يعيشونها.

وإذا انتقلنا من إشكاليات المشهد العام أو العربي، إلى خصوصية كل بلد، ترى جليلة بكار أن كل الإشكاليات في تونس مرتبطة ببعضها البعض، وليست مرتبطة بالمسرح فقط، وانما تتعلق بوضع الفنان في البلاد التونسية. وشددت بكار أولاً على ضرورة وجود ترسانة من القوانين التي تنظم المهن الفنية وترعى عمل الفنان. كذلك تعيش البلاد في أزمة كبيرة اقتصادية لكن ليست هنا المشكلة فقط كما تقول: "نعيش أزمة قيم وهنالك أزمة أساسية تهمني هي أزمة التعليم. تكوين أجيال من التوانسة المواطنين، وأيضاً الفنانين، كل هذه المشاكل سترتب انعكاساً على الإنتاج الفني. العلاقة عضوية مع كل ما هو اقتصادي، مع كل ما هو تربوي مع كل منظومة القيم. أنا أظن أن المسرح التونسي في أزمة كبيرة حالياً وأزمة مختلفة الوجوه".

تختلف الإشكاليات الى حد كبير في فلسطين عن أي بلد عربي آخر، ولو وجدت بعض القواسم المشتركة. يتحدث عامر خليل عن الحاجة إلى تمتين الكوادر والمهارات الفنية، مشيراً الى عدم وجود أكاديميات أو جامعات تدرّس المسرح: تحدّث عن جيل من الممثلين بأكمله صعد الى الخشبة من دون أن يشاهد أي منهم مسرحية واحدة في حياته. اليوم، هناك برامج تدريب وورشات عمل وهذا ليس بالضرورة كافياً. كما أن هناك شحاً كبيراً في الكتّاب الفلسطينيين، اذ نادراً ما توجد أعمال مسرحية لكتّاب فلسطينيين، حتى طغى نموذجان من النصوص في فلسطين لا ثالث لهما: النموذج الأول يعتمد على ترجمة نصوص أوروبية، والنموذج الثاني يعتمد على البحث الجماعي وكتابة النص من قبل الممثلين. موضوعتا العزلة وصعوبة التواصل هما أكثر ما لفت إليهما خليل في مطلع حديثه. ويعزو خليل توجه المسرحيين الفلسطينيين لترجمة نصوص أوروبية، الى صعوبة التواصل مع العالم العربي. إذ فرض واقع الإحتلال عزلتين، داخلية أولاً، وخارجية تطاول العالم العربي ثانياً. يتحدث المسرحي المقدسي عن خمس فلسطينات: فلسطين القدس، فلسطين أراضي الـ48. فلسطين الضفة، فلسطين غزة وفلسطين الشتات. منذ وَُِضِع جدار الفصل وكثرت الحواجز، لا يذكر خليل أنه قدم عروضه لجمهور من الضفة الغربية، في حين جمهور المسرح الأساسي الذي كان يرتاد المسرح الوطني في القدس في حقبة الثمانينات، أتى من الضفة الغربية ومن قرى ومناطق أخرى. اليوم، القدس معزولة بشكل كامل. غزة معزولة الى أقصى الحدود. ينعكس هذا الأمر سلباً في خيارات الممثلين والفنيين العاملين في العمل المسرحي، اذ يتحكم عامل حرية التنقل بعملية اختيار الفنانين، وهذا يحدّ كثيراً من دينامية الحركة المسرحية: ألا تستطيع أن تتنقل بأعمالك خارج القدس وألا تتعرف الى التجارب المسرحية المهمة التي تتم في غزة... علينا أن نضيف صعوبة التواصل مع فلسطين الشتات، والعزلة عن العالم العربي. فلسطين مهمشة في العالم العربي لأن البعيد عن العين، بعيد من القلب.

أما في سوريا، حيث يجد المسرح هامشاً له تحت وقع قذائف الحرب التي بلغت عامها الثامن، فهنالك أثرٌ لن يُمحى في المحترف المسرحي للبلاد. تفيد ميسون علي بأن المسرح تحوّل نوعاً ما الى مسرح المنبر، والمسرح، رغم خصوصيته هو جزء من أزمة تشمل الثقافة عامةً، وترى أن "ما نحتاجه الآن هو إعادة هيكلة البنى الثقافية وتغيير البنية الداخلية الراكدة والتقليدية للمسرح، وأن يتوافر داخله مناخ ديموقراطي حقيقي، والشرطان متلازمان لا يمكن فصل واحدهما عن الآخر. فالمسرح ما زال يتحرك ضمن الأطر القديمة، وبالبيئة التحتية والصيغ المسرحية وأشكال الإنتاج ذاتها. وهي صيغ وأشكال، مارس فيها جيل الآباء تجربته، في ظروفٍ مختلفة تماماً عما نحن عليه اليوم". تحدثت علي عن عامل التنوع في الجهات الداعمة، اذ لا يجوز أن تكون الجهة الداعمة واحدة، وهي الجهة الرسمية، لأن هذا بحد ذاته يقتل هامش الحرية والتنوّع. كما لا بدّ من خلق فضاءات مسرحية وثقافية لا تحصر وظيفتها في تقديم عروض. الفضاء هو أيضاً فضاء للحوار والإقامة المحترفات والتعارف وتبادل الخبرات الخ".

وأشارت ايمان عز الدين الى إشكالية أحادية الصوت في المشهد المسرحي، سواء كان الأمر مرتبطاً بالناحية الفكرية أو الفنية: "نحن بحاجة الى مسارح متعدّدة وليس إلى مسرح واحد. تيارات، ومذاهب، وتعدد أصوات وذائقة متدربة على الأشكال المتعددة". ولا يفصل روجيه عساف الإشكاليات العامة عن الإشكاليات الخاصة في كل بلد فالكل متصلٌ ببعضه البعض.

هذا بعض مما ذُكر ونوقش في أحوال المسرح في العالم العربي، من قبل قدامى أرباب هذا الفن، والنقاش لا ينتهي بانتهاء هذه السطور، فهو فعلٌ مستمر وخلاصاته ليست ثابتة، ولا يمكن الوصول اليها الا بمزيدٍ من التشارك والتشابك...

(*) كيف ينظر صانعو وصانعات المسرح الشباب، إلى المسرح وتحدياته، في العالم العربي؟ ترقبوا المقال الثاني.   

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها