آخر تحديث:15:11(بيروت)
السبت 21/12/2019
share

مسلمو الإيغور في معسكر كافكا الصيني

أحمد ناجي | السبت 21/12/2019
شارك المقال :
مسلمو الإيغور في معسكر كافكا الصيني
أمام الانتقادات الدولية والحقوقية التي تواجهها حكومة الصين بسبب معسكرات إعادة "التربية"/غسيل الأدمغة التي تحتجز فيها مئات الآلاف من مسلمي الإيغور، يرد المسؤولون الصينيون بالتجاهل، أو الاندهاش والاستغراب، أو كما قال مسؤول حزبي في الصين: "لماذا كل هذا الضجيج؟".

فما يبدو للعالم المعاصر ضرباً من البشاعة المرعبة، هو جزء من تاريخ الصين ومن بنية النظام الحاكم. التجربة الصينية ما هي إلا سلسلة متتابعة من عمليات غسيل الأدمغة وإعادة برمجة ملايين البشر باستمرار، تبعاً لأجندة الحزب الحاكم. أن معسكرات العمل/أو إعادة "التثقيف" و"التربية"، ليست سجوناً، بل أبشع تجربة انسانية إجتماعية. فالسجن في النهاية مؤسسة عقابية، لكن معسكرات إعادة التثقيف هي عملية الغرض منها إعادة صياغة البشر نفسياً وعضوياً. فعلى سبيل المثال، كشفت قصص وفحوص الناجين من معسكرات الإيغور المسلمين، قيام الصين بجعل النساء عقيمات من خلال إجبارهن على تناول أدوية وعقاقير لم تفصح أبداً عن طبيعتها.

بدأ استخدام معسكرات إعادة التثقيف في الصين، مع ما عُرف بالقفزة العظيمة إلى الأمام (1958-1961) والتي يتراوح تقدير ضحاياها بين 18 و45 مليون إنسان لقوا حتفهم قتلاً أو تعذيباً في معسكرات العمل الشاقة، أو في المجاعة التي تسببت فيها القفزة العظيمة المزعومة.

اعتمدت استراتيجية القفزة العظيمة إلى الأمام، على هدف وضعه ماو تسي تونغ باللحاق بانكلترا وأميركا خلال 15 عاماً. واعتمد استراتيجية الحزب الصيني وقتها، على نزع الملكيات واستغلال التعداد السكاني الضخم لتوظيف السكان جميعاً في مشاريع زراعية وصناعية وإجبارهم على العمل فقط في المشاريع التي تخطط لها الدولة. لكن قبل إطلاق خطته، أعلن ماو عن حملة "المئة زهرة" بهدف تشجيع حرية الرأي والتعبير داخل الحزب وفتح الباب للمناقشات، وهو ما حدث بالفعل حيث انتعش النقاش داخل المجتمع الصيني وسمحت مساحة الحرية الصغيرة بظهور موجة الأدب والفن الستيني الصيني. لكن اتضح أن حملة "المئة زهرة" لم تكن سوى فخ، أعده ماو لرصد المعارضين، وانتهت الحملة بإلقاء القبض على كل المثقفين والعلماء والفنانين الذين أبدوا آراء معارضة لسياسات ماو.


ذات مرة في حديث مع الكاتبة الصينية "يان جي Yan ge"، وصفت المشهد الأدبي الصيني بأنه غابة مظلمة داخلها مجموعة من العميان. في حزن، أوضحت أن الذاكرة الجماعية شبه ممسوحة، فإحدى تقنيات النظام هي حذف التاريخ أو تشويهه، وبالتالي ففي مرحلة مثل "القفزة العظيمة إلى الأمام" لا يمكن أبداً الإطلاع على الوثائق الرسمية أو معرفة ما حدث بشكل قاطع، بل روايات متعارضة ومتباينة. لكن، في هذه الغابة المظلمة، تبرز أهمية التجارب الروائية في محاولة إلتقاط حقيقة التجربة، لا سرد تفاصيل أحداثها. ورواية "يان ليانكه / Yan Lianke" الكتب الأربعة أو "The Four Books" هي قطعة من هذا الظلام.

تدور أحداث الرواية داخل أحد معسكرات العمل، المخصصة للمثقفين والكتّاب والفنانين، أثناء "القفزة العظيمة إلى الأمام"، والهدف المعلن هو إعادة تربيتهم وتثقيفهم، وذلك من خلال العمل البدني الشاق لتخليصهم من آثار البرجوازية، وتحويلهم إلى مواطنين صالحين. المعسكر مقام على ضفة النهر الأصفر، وهو واحد من مئات المعسكرات المقامة على طول النهر حيث يعمل الملايين في الزراعة من أجل رفع علم الصين عالياً حتى تصبح "قد الدنيا".

معسكرات إعادة التربية والتثقيف ليست سجون اعتقال، فلا أسوار ولا حراس.

كل معسكر يشرف عليه مسؤول معين من قبل الحزب، وفي معسكرنا، المسؤول هو "الطفل"، وهذا اسمه وصفته في الرواية. نظرياً، يمكن للجميع أن يهرب، لكن عملياً مستحيل. ففي حالة هروبك من المعسكر سيتم فوراً إلقاء القبض على عائلتك وأصدقائك ومصادرة كل ممتلكاتهم، وأينما ذهبت ستطالب بإثبات حالتك القانونية في لجان التفتيش، ومن دون أوراق سيتم القبض عليك.

هناك أيضاً نظام النجوم الذي تتم السيطرة على المحتجزين من خلاله، فكلما التزمت بالتعليمات أو بذلت جهداً في العمل، تتم مكافأتك بنجمة صغيرة حمراء من الورق المقوى. إذا حصلت على خمس نجمات، يمكنك تحويلها إلى نجمة حمراء متوسطة، وخمس نجمات متوسطة يمكنك تحويلها إلى نجمة كبيرة، وإذا حصلت على خمس نجمات كبيرة يمكنك مغادرة المعسكر والعودة إلى المنزل.

نتيجة لنظام الإدارة هذا، يتحول السجناء إلى حراس، والجميع يراقب الجميع. لأنك إذا أبلغت عن مخالفة زميل لك، تحصل على نجمة تقديراً لوفائك.

لائحة الممنوعات لا تنتهي في المعسكرات، فهناك لائحة محددة بالكتب المسموح بقراءتها، وأي كتاب ليس في اللائحة ممنوع، سواء كان الكتاب المقدس أو رواية مدام بوفاري. ورغم أن المعسكرات تضم الرجال والنساء، لكن الجنس بالطبع ممنوع، وحينما يلقى القبض على اثنين يمارسان الجنس، يتم التشهير بهما وضربهما وتجريدهما من كل النجوم التي حصلوا عليها.

يبنى ليانكه روايته في معمار روائي عبقري. الرواية تتكون من أربعة كتب، وما نقرأه هو شذرات من هذه الكتب. فمثلاً الكتاب الأول هو "سجلات المجرمين" وهو عبارة عن تقارير يكتبها أحد الكتاب في المعسكر متجسساً على زملائه، وبينما نقرأ فيها، ينقطع السرد لينقلنا لمقطع من كتاب "طفل السماء" الذي يروي سيرة الطفل المسؤول عن المعسكري. وهكذا تتقاطع شذرات الكتب الأربعة، لتشكل هرمونية النسيج البديع فنياً للرواية، والكابوسي مضموناً.

لا يتوقف العمل في المعسكر على الزراعة، بل يتم إجبار العاملين على جمع الرمال السوداء من على ضفاف النهر، ثم صهرها في أفران بدائية لتحويله إلى الصلب. بالتالي أصبحوا يعملون في الزراعة في الصيف، وفي صهر الحديد في الشتاء، لذا قُطعت جميع الأشجار في المنطقة لاستغلال خشبها كوقود لإشعال أفران الصهر.


قادت سياسات "القفزة العظيمة إلى الأمام" إلى جرف الأراضي الزراعية وتغيير الطبيعة السكانية والديموغرافية للصين. والنتيجة كانت واحدة من أبشع المجاعات التي ضربت البلاد. وببراعة أدبية، تجعل معدتك تتقلص وأمعاءك تتلوى، يسرد ليانكه تفاصيل المجاعة، وكيف انحدر المحتجزون في المعسكر إلى أكل جثث الأموات. يصرخ أحد المثقفين/المساجين فيهم: "أنتم مثقفو الأمة وعقولها كيف أنحدرنا إلى منزلة آكلي لحوم البشر".

خصوصية أعمال ليانكه تنبع أيضاً من طبيعة حياته والمسار الذي اختاره، فالأدب الصيني المعاصر ينقسم إلى تيارين رئيسيين. الأول، هو الأدب الصيني في المهجر، ومعظمهم يعارض النظام الصيني. والأدب الصيني في الداخل، وهذا يتنوع بين كتّاب ممنوعين من النشر وربما في السجن، أو كتّاب اختاروا العمل ضمن أجندة النظام الصيني وتحت سقفه. وليانكه اختار المسار الأخير، فلسنوات طويلة عمل ليانكة في الجيش الصيني، لكنه صدم الجميع بروايته التي تسخر من بنية هذا النظام ومن تحولاته السياسية.

في روايته "إخدم الشعب/ Serve the people" ينكل في سخرية بكل المقدسات الثقافية الصينية، وفي عمل آخر "قبلة لينين" يقدم تحفة روائية من السخرية السوداء عن تحول الصين إلى نظام السوق. لكن سر نجاته من الاعتقال أنه، كما يقول في معظم حواراته، "يمارس رقابة صارمة على نفسه". ببساطة لأنه لا يريد أن يتسبب في الأذي لنفسه ويريد أن يستمر في الكتابة والنشر.

لكن رغم ذلك، فإن كتب ليانكه ممنوعة، بأمر غير مباشر، من العرض في رفوف المكتبات، ورغم أنه من أبرز الكتّاب الصينيين المرشحين لجائزة نوبل، ويحصل على جوائز عالمية كثيرة، يتم تهميشه وحرمانه من أى شكل من أشكال التكريم محلياً. لكن، من بين كل أعماله، يقول ليانكه عن روايته "الكتب الأربعة" إنها "الرواية الوحيدة التي كتبتها حراً من دون ممارسة رقابة على نفسي أثناء كتابتها". استغرقت كتاب الرواية عشرين عاماً، من الكتابة وإعادة الكتابة والتجريب والحذف، وحينما أتمّها رفضتها كل دور النشر، ولم يتم نشرها بالصينية إلا بعد سنوات حينما تغير الظرف السياسي.

تنبع القيمة الفنية الرفيعة لأدب ليانكه من سعيه الدائم إلى التجديد والابتكار في الشكل وطريقة سرد الحكاية، وليس فقط التأريخ السياسي والاجتماعي. ورغم فوزه بجائز "فرانز كافكا" المرموقة، فالحقيقة أن أعمال ليانكه تجعل أعمال كافكا روايات، وروايات رومانسية وجودية، بالمقارنة مع عالم ليانكه الكابوسي. وما يزيده كابوسية، معرفتنا أنه حدث بالفعل، وما زال يحدث حتى اليوم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها