آخر تحديث:13:37(بيروت)
الثلاثاء 29/01/2019
share

الخلافة الأموية في جدارية قصير

محمود الزيباوي | الثلاثاء 29/01/2019
شارك المقال :
  • الخلافة الأموية في جدارية قصير
    "الملوك الستة" في رسم توثيقي من مطلع القرن العشرين.
  • كتابتان باليونانية تسمّيان كما يبدو النعمة والنصر
    كتابتان باليونانية تسمّيان كما يبدو النعمة والنصر
  • تفصيل من جدارية "الملوك الستة".
    تفصيل من جدارية "الملوك الستة".
  • "الملوك الستة" بعد ترميمها في السنوات الأخيرة.
    "الملوك الستة" بعد ترميمها في السنوات الأخيرة.
خرج "قصير عمرة" من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، ودأب البحاثة على دراسة جدارياته وتحليلها منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. استرعت احدى هذه الجداريات اهتمام البحاثة عند اكتشاف هذا الموقع، ورأوا فيها صورة تشكيلية فريدة تعبّر عن الخلافة الأموية وتختزل طموحاتها وتطلعاتها.


يتألف قصير عمرة من حمّام كبير مكوّن من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، نقع على جدارية تمثل جمعاً قوامه ستة أشخاص، جعل الرسام ثلاثة منهم في الصف الأول، والثلاثة الباقين من خلفهم في الصف الثاني. في حركة واحدة جامعة لا تتبدّل، يمدّ الرجال الذين يحتلون الصف الأول أيديهم اليمنى في اتجاه الخليفة الجالس في أعلى الحائط الجنوبي، وهو بحسب الكتابة المدونة في الأعلى "الوليد بن يزيد"، أي الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.

بحسب الروايات التاريخية، تسلم أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي حكم الدولة الأموية في عام 685، وتوفي في 705، ولم يتمكن من استخلاف ابنه الوليد لصغر سنه، فعقد لأخيه هشام، وجعل الوليد وليًّا للعهد بعد هشام. شيّد "قصير عمرة" أثناء ولاية الوليد للعهد، في فترة زمن خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك، التي استمرت من 724 إلى 743. نجد في جدارية الأشخاص الستة خير تعبير عن مفهوم الخلافة في العهد الأموي. يرتدي هؤلاء الأشخاص ثيابا فاخرة تتميّز بحللها الزخرفية، ويتميّز الرجل الذي في وسط الصف الأول بتاج يعلوه هلال، مما يذكّر بتيجان ملوك الفرس في المرحلة السابقة لظهور الإسلام.

تعلو الرؤوس الستة بقايا كتابات بالعربية واليونانية تسمح بتحديد هوية أربعة من الملوك الحاضرين في الصورة بشكل لا لبس فيه، وهم كسرى ملك الفرس، قيصر ملك الروم، النجاشي ملك الحبشة، وروزريق (رودريك) آخر ملوك القوط في اسبانيا، وهو لذريق في المصادر التاريخية العربية. للأسف، تلاشت الكتابات التي تسمّي الملكين الخامس والسادس، وقد اتفقت التأويلات في تحديد هوية أحدهما، ورأت فيه ملك الصين. واختلفت الآراء في الملك الأخير، فرأى البعض أنه خاقان الترك، فيما رأى البعض الآخر أنه ملك من الملوك الذين حكموا في آسيا الصغرى في الحقبة المعاصرة لزمن آخر ملوك القوط.

من جهة أخرى، سمح حضور اسم روزريق بتحديد زمن بناء القصير الأموي في مرحلة مبكرة، قبل اكتشاف اسم "الوليد" في عام 2012. فالمعروف أن طارق بن زياد تولّى فتح الأندلس "في سنة اثنتين وتسعين ايام الوليد بن عبد الملك، وقتل ملكهم لذريق وسباهم وغنم"، كما كتب المسعودي في "أخبار الزمان". توقف الكثير من مؤرخي الفنون عند اسم روزريق في النصف الأول من القرن العشرين، واعتبروا أن الملك الذي يظهر مستوياً على عرشه تحت قوس النصر في جدارية، ما هو إلا الخليفة الوليد الأول بن عبد الملك الذي حكم بين 705 و715، ورأوا في صورة الملوك الستة الذين اجتمعوا أمامه تعبيرا عن انتصار الدولة الإسلامية التي عاشت في زمنه عهد فتح ويسر للمسلمين، إلا أن هذه القراءة وجدت ما يناقضها تاريخيا وفنيا. فالخلفاء المسلمون لم يهزموا ملوك الحبشة، ولم يخضعوهم، والجدارية التي تمثل الملوك لا تصور الملوك المهزومين راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية.

في الخمسينات، اقترح الباحث أوليغ غرابار قراءة جديدة ترى في لوحة قصير عمرة تعبيرا مجازيا عن روحية الحكم الأموي. استعاد الباحث قولا مأثورا عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد ابن عبد الملك: "أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان"، ورأى في هذا القول تعبيرا عن"أممية" أموية ترمز إليها تشكيليا جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر مؤرخ الفن الإسلامي أن تصوير "الملوك الستة" يتبع تقليدا فارسيا عرفه العالم الفارسي، واستشهد بحديث ياقوت الحموي في "معجم البلدان" عن دكان في قرميسين "اجتمع عليه ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز، وهو دكان مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمرة بمسامير من حديد لا يبين فيها ما بين الحجرين، فلا يشك من رآه أنه قطعة واحدة".

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة كما يبدو تقليدا فارسيا في الرسم، غير ان اللوحة حملت طابعاً محليا تجلى في تدوين الأسماء بالعربية واليونانية، فاللافت هنا ان اسم قيصر الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل باسم "باسيليوس" الذي تبناه البيزنطيون، بل باسم "قيصر" الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. بحسب الرواية التي نقلها الطبري في تاريخه، في عام 627، إثر "صلح الحديبة"، بعث النبي محمد برسائل إلى عدد من الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، ومنهم "هرقل عظيم الروم"، "كسرى فارس"، "النجاشي ملك الحبشة"، "المقوقس عظيم القبط". ونجد في هذه الرسائل تعبيرا عن "أممية" الإسلام في تلك الفترة المبكرة. في جدارية قصير عمرة، حضرت أسماء كسرى ملك الفرس، قيصر ملك الروم، النجاشي ملك الحبشة من دون تحديد هوية أصحابها، وحضر اسم روزريق (رودريك) بشكل فردي، مختزلا سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف عليها علماء المسلمين بشكل عميق، كما أشار عدد من البحاثة الذين دأبوا على دراسة الجدارية وتفنيد عناصرها.

تتقاطع التأويلات في قراءة جامعة. هزم الحكم الإسلامي الأول كبار الملوك، إلا أنه لم يقض عليهم ولم يمح أثرهم، بل كان وارثهم ومكملهم. في "سير أعلام النبلاء"، نقل الذهبي عن الزبير بن بكار قوله: "كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم، وأمر بالنيروز والمهرجان، واتخذ المقاصير في الجامع، وأول من قتل مسلماً صبراً، وأول من قام على رأسه حرس، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول أنا أول الملوك". ونجد في هذا الوصف لأول خلفاء بني أمية تعبيرا عن التطور الذي عاشه المجتمع الإسلامي عند خروجه من حدود الجزيرة العربية ودخوله بلاد العجم والروم، وقد عبّر يزيد بن الوليد عن هذا الواقع الجديد في قوله الشهير الذي تناقله الرواة.

في المقام الأول، تعكس صورة حلقة الملوك المجتمعة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل الذي خلق معادلة جديدة في تاريخ العالم القديم. تشهد لهذا التوجّه الجداريات الأخرى التي تزيّن باقي أنحاء المنتجع المشيّد وسط البادية، وهي بما تمثله من مزيج في الأساليب واللغات المتعددة أشبه بكتاب مفتوح نقرأ فيه أممية المجتمع الإسلامي في عهده الذهبي الأول. في الإيوان الشرقي، تعلو اللوح الجنوبي صور لنساء يجسّدن التاريخ والشعر والحكمة كما تقول الكتابات اليونانية المرافقة. وتحيط القامات الثلاث بنافذة تعلوها كتابة بالعربية تقول: "اللهم بارك على الأمير كما باركت على داوود وإبراهيم وآل ملته".

في الرواق الجنوبي، يحضر صاحب القصير على الحائط الجنوبي، ممددا فوق سرير طويل، بين جارية ترفع مروحة، ورجل ملتح يعتمر خوذة ويحمل في يده عصا. تظلل ولي العهد خيمة يعلوها طاووس في الجهة اليمنى، وآخر في الجهة اليسرى، مع كتابتين باليونانية تسمّيان كما يبدو النعمة والنصر. تقترن هذه الكتابات اليونانية المتفرّقة بالكتابات العربية، وتدعو للحاكم بالنعمة والنصر في حضور التاريخ والشعر والحكمة.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها