آخر تحديث:11:33(بيروت)
الأربعاء 12/09/2018
share

الراب العربي والفلوس: ذَهَب الملك أو حديد السجن..خيارات مغربية

أحمد ناجي | الأربعاء 12/09/2018
شارك المقال :
  • 0

الراب العربي والفلوس: ذَهَب الملك أو حديد السجن..خيارات مغربية الرابر المغربي "مسلم"
طاردت الشرطة التونسية مغنّي الراب التونسي بمثابرة، طوال العامين 2011 و2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي. القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكاماً بالسجن تجاوزت أحياناً العامين. قضى مغنو الراب التونسي، مثل "كلاي.بي" أو "ولد الكانز"، سنوات ما بعد الربيع العربي مطارَدين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.


حرب الشرطة التونسية على مغني الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فحسب، بل سببها أن موسيقى الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغني الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمي، أحياناً كل ما يريدونه قد يكون "سيب اللعبة" وحرية تدخين الحشيش.


في هذا الوقت كان مغنو الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية. ثم سريعاً، مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام عبدالفتاح السيسي، انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية. أما في السياسة، فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية المرعية من قبل المنظمات الدولية، كأن تغني للهجرة غير الشرعية لصالح منظمة اليونسيف.

عاد الراب المصري سريعاً إلى المنتديات، والجحور السرية في موقع "ساوند كلاود". والآن، إذا أردت أن تستمع إلى راب مصري مختلف، فليس أمامك سوى عالم راب "الساوند كلاود". صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهران بشكل جلي. فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتي أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن ذلك في المقابل منحه حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، وإن من دون قاعدة إنتاج تدعم الفنان، إنما حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغاني لفناني راب الساوند كلاود عرضة لظروفهم المادية والشخصية.


رغم الإعلانات والفيديو كليبات التي تغرق "يوتيوب" براب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي النوع. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود، هي تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث قد تتطور إلى تحدٍ ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، فينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب ويجتمع مستمعو ومحبو الراب ويظهر المغنيان. يتقدم واحد من الجمهور، ضامّاً قبضتي يده إلى فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاعاً (beat box)K وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين المغنيين، والمنتصر هو من يحافظ على الإيقاع بينما يرص الكلام، مُعرّياً الآخر. ومن أشهر تلك المعارك هي تلك التي نشبت بين "أبويوسف" و"عفروتو".


في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية. وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة، مع إيقاع الموسيقي والكلمات، تظل العيون تراقب الأجواء المحيطة، حيث تظهر الشرطة أحياناً لينصرف الجميع راكضاً، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الإمساك بأحدهم.

هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر، يختلف عن وضع الراب في بقية الدول العربية. فكما نعلم، مصر ليست مثل تونس، أو السعودية. ومعارك الراب التي تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وفي وسط مختلط.

وبينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس، في وقت متزامن تقريباً من العام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مساري البلدين، أكثر من وضع الراب وموسيقى الهيب هوب فيهما. فنجوم الراب التونسيين، الذين كانوا منبوذين في العام 2011 ومطارَدين من الشرطة، أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى في مواقع توزيع الموسيقى في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، وجزء من إقتصاد الانتاج الفني، أسسوا لقواعد متينة لثقافة الراب واقتصاده.


المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات. وحتى قبل انتشار الانترنت، ظهرت من مدينة سلا، فرق الراب التي تغني بالفرنسية. وفي بداية الألفية، ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم "عود الليل". فُتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التي حاربت الراب، أفسح له النظام المغربي مجالاً في منصات الفنانين الرسمية للدولة. الملك شخصياً عبّر عن رضاه، وكرّم عدداً من مغني الراب بأوسمة ملكية، تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية، وأبرزهم مغني الراب المغربي "مسلم".

لكن جنّة الملك المغربي لا تتسع للجميع. فقد دعم النظام المغربي تياراً محدداً من الراب المغربي، ومغني الراب "الشاطر" هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك، ليتحول من راب الشباب إلى راب القصور. فـ"مسلم" بدأ مشواره منتقداً الأوضاع الطبقية، والفروق بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب "المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور". لكنه تحول إلى أغانٍ تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب، حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية، كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات، وسجل فيديو يقول فيه ما معناه "أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن أتورط في معارك المقاطعة، بل أنتظر معركة أعمق وأشرس".

والمعارك الأشرس يقودها نجوم الراب المغربي من السجون، مثل "الحاقد" الذي سُجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزي ابن الـ17 عاماً والذي سُجن ثلاثة شهور في سجن القاصرين، بسبب محتوى أغانيه، حيث اتهم بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تعاطي المخدرات.


لكن بعيداً من الجدل السياسي والصدام مع السلطة، ينمو الراب المغربي والتونسي اقتصادياً بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور، وتجبر صناعة الموسيقى والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد. وينجح الكثير من مغني الراب في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فـ"مسلم" المغربي حصل من الملك على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغاني كلاي من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها، عشرات الملايين، سواء في "يوتيوب" أو منصة "أنغامي". أما في لبنان، فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة. وعلى عكس مؤسسات الإنتاج الثقافي المستقلة التي تنبذ الراب في مصر، فمؤسسات تمويل ودعم الإنتاج الفني والموسيقى في بيروت تحتضن أعمال نجوم الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيليكون اللواتي يتصدرن المشهد الفني في لبنان. أما نجوم الراب في مصر فليس لهم إلا "ساوند كلاود" أو التسول عند عتبات وكالات الإعلان.

مهما كان تمرد مغني الراب، فقواعد الإنتاج الفني والشروط الاقتصادية لسوق الموسيقى، تفرض قيمها على محتوى ما يغنيه. لذا، وبينما زاب ثروت يغنى أغنية مدعومة من المعونة الأميركية، صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية، السفارة النرويجية، ومنظمة اليونسيف عن الهجرة غير الشرعية (لا أعرف ما هي علاقة اليونسيف بالهجرة!) ويردد فيها منشورات الدعاية الحكومية قائلاً: "يا فارس دا انتحار/ ازاى لنفسك تبرر/ أهوال هتعديها ازاى في مركب صيد". نجد كلاي من تونس تحتل أغنيته المرتبة الأولى بعدد مرات مشاهدة واستماع تتجاوز الـ15 مليون مشاهدة في "يوتيوب" وحده، وبلا دعم أو تمويل من أى جهة حكومية، ويرد على أكاذيب زاب ثروت قائلاً: "ماشي نعوض عمرى اللي خسرته في بلادي/ ماشي نجيب اليورو ونفرح أخواتي.../ نمشي لبلاد الروم هايم/ وحدى في الغربة نعيش/ خليت لأمي حيرانة/ اتفكرت ولاد حموتي/ أهلي وأحبابي وجيراني/ وحشة ما تفارق نومتى.

لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا ضرورة لتلبس خطاب السلطة وترداد جُمل من نوع "بكرة هيبقي أحسن" على طريقة "أسفلت"، وأحمد مكي، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة، وكلمات قوية لا تخشى التعبير الحر، وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم، وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من شركات الإعلانات، فإن أرقام الراب التونسي والمغربي تتعدى عشرات الملايين، بل إن بعضها، مثل أعمال بلطي تتجاوز مئات الملايين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع، لأغاني الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفني بل وحتى إخراج الفيديو كليب لأغاني الراب المغربي.

لعل من أسرار النجاح الجماهيري للراب المغاربي، اعتماده على مزيج (ظهر خلال السنوات الأخيرة) بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه المصري "أم.سي أمين" مع مغني "المهرجانات". لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطي من تونس ما يظل يغني /نعيش في سيستم يحكموهن ولاد المتحايلة".    


يتلطّى مغنو الراب المصري خلف "ساوند كلاود"، فيما الراب المغربي يحتل "يوتيوب" بمعدل إنتاج شبه شهري، ويندر أن تمر ثلاثة شهور من دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونس. والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطي وحوماني، الذين كانوا رواد الراب التونسي بعد الثورة، يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال أخرى، مثل كاسترو وعلاء A.L.A، تغني على إيقاعات الراب، وتهاجم موسيقى وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.

أما في لبنان، فنظراً إلى أن المنافسة في سوق الإنتاج الفني شرسة بطبعها، وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فقد نجح مغنو الراب في لبنان في تقديم أنفسهم كفنانين مستقلين ليصبحوا جزءاً من الساحة الفنية التي تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغني راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبناني والسوري، من "الراس" إلى بوكلثوم، يحتل تلك التظاهرات، بأغان وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها