آخر تحديث:12:26(بيروت)
الثلاثاء 09/10/2018
share

شذا شرف الدين لـ"المدن": سلبتُ "المدام" مخيلتها ومنحتُها لخادمتها

روجيه عوطة | الثلاثاء 09/10/2018
شارك المقال :
  • 0

شذا شرف الدين لـ"المدن": سلبتُ "المدام" مخيلتها ومنحتُها لخادمتها أردتُ إظهار التماهي الشكلي، قاصدةً تسليط الضوء على ما لا يمكن التماهي معه، أي الفوارق الطبقية والصلة بالقوانين
يفتتح غاليري "أجيال"، الخميس المقبل، معرض "mesdames" للفنانة شذا شرف الدين، وذلك، بعد تقديمه لمعرضيها "كوميديا إلهية"، و"خفة المشاهد التي لا تحتمل"، ويستمر المعرض الجديد حتى 10 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
عن معرضها، وتصويرها، هنا مقابلة لـ"المدن" مع الفنانة.


- إنه معرضك الفوتوغرافي الثالث، وما زال التصوير في حسبانك سبيلاً فنياً ناجعاً، فكيف قررتِ اختيار هذا السبيل؟

* في الواقع، استخدام التصوير الفوتوغرافي فرض نفسه منذ البداية كوسيلة لتحقيق فكرة معرضي الأول، "كوميديا إلهية"، حيث أردت دمج صور أشخاص معينين مع رسوم مأخوذة من منمنمات إسلامية تعتمد على الرسم والتلوين. إذ، بحكم الفارق الأساس بين الوسيطين (التصوير والتلوين)، ظهر أيضاً التباين بين "البُراق" الذي نراه في تلك المنمنمات بوصفه ملاكاً، وفكرة المعرض الذي أردت منه القول بأن الأشخاص من ذوي الجنسانية الملتبسة، هم مرادف للكائن الميثولوجي ذاك. بكلام آخر، هم "الملاك الحديث". فصار الجزء الإنساني للبُراق، صورة فوتوغرافية تمثل الشخص صاحب الجنسانية الملتبسة أو "الكوير"، وصار الجزء "الحيواني-الملائكي" مرسوماً، كما نراه في المنمنمات نفسها. هذا العمل اعتمد بطبيعة الحال على تقنية الفوتومونتاج.
معرضي الثاني، "خفة المشاهد التي لا تحتمل" الذي تمحور حول الصورة الذاتية ("self-portrait")، كان من الممكن تحقيقه بالرسم والتلوين من دون الاستعانة بالتصوير، لكني بكل بساطة لا أجيد الرسم وأحب التصوير. أما في معرضي الحالي، فالصورة الفوتوغرافية أساسية لتحقيق الفكرة.


- غالباً، وعندما تعملين على موضوع جديد، تعمدين إلى تقديمه سينوغرافياً، فقبل فعل التصوير، تشيدين مشهداً بكامله. هل التصوير يستلزم، بالنسبة إليك، هذا البناء المشهدي، على اعتبار أن الموضوع الذي تريدين تصويره لم يكن موجوداً مسبقاً؟

* خلق السينوغرافيا يفرضه العمل ذاته. في "خفة المشاهد التي لا تحتمل" لم أستخدم سوى الماكياج على وجهي، ولوح الألومينيوم الذي تم تصوير انعكاس وجهي فيه. أما في عمل "mesdames" الحالي، فكانت السينوغرافيا أساسية من زاوية أن المراجع التي اعتمدتها، أكانت دوقة أوروبية أو أميرة عربية أو ممثلة أو أيقونة للموضة، تستدعي جميعها خلق مناخ يلائم الظرف والزمن والبيئة المطلوبة. أي أنني، عندما أريدها أن تكون دوقة، فلا بد لي أن أضعها في ديكور يلائم الحقبة التي عاشت فيها الدوقة. لكن، ربما كان هناك جانب آخر لاختياري هذا النمط من التصوير: فالصورة التي أحب العمل عليها، هي الصورة المصنوعة من ألفها إلى يائها، لا الصورة التي قد تلتقطها لما فيها من إضاءة أو مشهد أو مشاعر خاصة. التصوير بالنسبة اليّ، هو الوسيط الذي ألتقط من خلاله المشهد الجاهز أصلاً في رأسي، مع ترك مساحة كافية طبعاً للارتجال. لكن لبّ الصورة، معناها، إضاءتها، تكون مقررة مسبقاً في رأسي. بهذا المعنى، أنا أستعمل الصورة كوسيط لتحقيق فكرة، لا كتقنية فنية بذاتها ولذاتها.
 



- ما موضوع معرضك الحالي؟ ولماذا اهتممتِ به؟
 

عندما تعيش في لبنان، من المستحيل ألا تنتبه إلى الأزمة القائمة بين العاملات الأجنبيات ومخدوميهن، وخصوصاً مخدوماتهن أو "المدام" التي استوحيت منها موضوعي. هذا الموضوع تتناوله وسائل الإعلام يومياً تقريباً، وتغطي المآسي التي تتعرض لها تلك العاملات في بلدنا. من ناحيتي، أردت أن أضيء على جانب آخر من العلاقة القائمة بين السيدة "المدام"، وخادمتها، وتحديداً عندما تكون العلاقة "جيدة". و"جيدة" هنا تعني امتناع السيدة عن إهانتها أو أذيتها بأي طريقة، أو قمعها أو تجويعها، بل قد تقول المدام إنها تعامل خادمتها كابنتها. من نافل القول بأن هذا كلام كاذب. فالعلاقة بين الخادم والمخدوم، تحتاج الى الكثير لكي تستوي على غير كونها استعباداً، وأول ما تحتاجه أن يصيرا متساويين أمام القانون وأن يُعامل الخادم/ الخادمة بوصفه إنساناً مساوياً، يؤدي وظيفة ما، وأن يتعامل معه المستخدِم على هذا الأساس. أردتُ إذاً النظر في هذه العلاقة، وما راقبتُه كان مثيراً للغاية، حيث أن ما يحصل بين الامرأتين جدير بالدراسة عن كثب.
أولاً، لاحظتُ أن الخادمة التي تدخل كنف العائلة، حين تكون في أوائل العشرينات من العمر أو أصغر، تتماهى، مع مرور الوقت، مع مستخدمتها، ليس فقط باستدخال عادات الأخيرة في ما خصّ الروتين البيتي، إنما أيضاً تتماهى مع خصوصيتها: طريقة لبسها وألوان أحذيتها، بل قد يصل الأمر إلى استدخال نبرة صوتها أو ضحكتها. كذلك ستحاول قدر الإمكان التشبه بها، ربما لإرضائها، لكن أيضاً، ربما، لأنها ترى في ذلك مصلحة أعلى: فحين تكون "المدام" مثلاً طباخة ماهرة، فستعمل العاملة الأجنبية ما في وسعها لتصبح مثلها، وإن كانت مهووسة بالنظافة والترتيب فهي تصير كذلك أيضاً. وقد تصبح متديّنة وتذهب إلى الكنيسة، أو تمارس طقوس الصلاة الإسلامية إن كانت مسلمة. بل قد ترتدي الحجاب بملء إرادتها في بعض الأحيان، في حال كانت مخدومتها ملتزمة دينياً. هذا التماهي الشكلي هو ما أردتُ إظهاره في هذا العمل، قاصدةً – بين أمور أخرى – تسليط الضوء على ما لا يمكن التماهي معه في المضمون، أي الفوارق في الوظائف الطبقية والصلة المتفاوتة بالقوانين وسائر ما يؤسس العلاقات العنصرية مما لا يمكن تجاوزه بسهولة.
لقد تساءلتُ كثيراً بعد إنجاز هذا العمل: هل شعَرَت الفتيات اللواتي عملتُ معهن، بامتلاك سلطة تبعاً للشبه الظاهري الذي ينشأ بينهن وبين مخدوماتهن؟ في الوقت نفسه، أتساءل عما إذا باتت "المدام"، بعدما صارت خادمتها "تشبهها"، مستعدة للنظر إليها ككائن مساوٍ لها، أم أن "الشبه" استفز فيها عنصرية، أو غيرة ما؟


- كيف أنجزتِ المعرض؟ ما طريقة عملك عليه؟ 


* في البداية كان عليّ إيجاد نساء يستطعن الخروج بحرية من منازل مستخدميهن وقبول العمل خلال أيام عطلهن. مُساعِدتي في المشروع، وهي سيدة سريلانكية أعرفها منذ أكثر من ثماني سنوات، اقترَحَت أن تتصل بالنساء اللواتي يعملن "على حسابهن"، وهي تعرف عاملات من جنسيات مختلفة. وفي يوم أحد، جاءت مع ثماني سيدات، ثلاث منهن أثيوبيات، وكاميرونية، وأربع سريلانكيات، بالإضافة إليها. أما السيدة الفلبينية، فتعرفتُ إليها من البناية التي أسكن فيها وانضمّت إلى السيدات التسع. 
آلية العمل كانت، باختصار، أني صنعتُ كاتالوغاً من صور لنجوم عالميين ومحليين من حقبات مختلفة، ولوحات فنية، بعضها معروف والبعض الآخر غير معروف. وهي لوحات تصوّر سيدات بلباس وديكورات تعود إلى حقبات تاريخية وثقافية متعدّدة. الاختيارات التي قمت بها كانت مبنية على ما أظن أنه يعجب السيدات اللبنانيات من أعمار وطبقات مختلفة. من السهل معرفة مخيلة السيدة/الفتاة اللبنانية، تبعاً لمظهرها. يكفي أن تراقب الإعلانات الدعائية الضخمة المنتشرة في الطرق، من أقصى الشمال اللبناني إلى أقصى جنوبه، والتي تروّج لنمط معين من المرأة "المثالية". ابتداء من طريقة الماكياج المبالغ فيها، والنظرة الشهوانية، والبلهاء في أغلب الأحيان، وصولاً إلى الوقفة التي تظهر استدارة المؤخرة أو الثديين. لكن هناك أيضاً، في الإعلانات الترويجية ذاتها وبحسب المناطق التي تتجول فيها، نساء ينفين أجسامهن بحيث تتصدر وجوههن الصورة مع نظرة ملائكية (بلهاء أيضاً). لكن مصنع المخيلة لدى اللبنانيات في العموم هو الأعراس. ففي أعراس الأثرياء، وحتى الأقل ثراءً، ترى ثيمة معينة للعرس. هذه الثيمة تتراوح بين حريم السلطان، وباليه دو فرساي في القرن الثامن عشر، وأجواء لاس فيغاس، أو جيمس بوند. وكأن ليلة الزفاف، بالنسبة للفتاة والشاب اللبنانيين، هي ليلة حلم يريدان من خلاله تحقيق فانتازيا الحد الأقصى (أولتيم). احتوى الكاتالوغ إذاً على صور تمثل نساء بألبسة ووضعيات مختلفة، وطلبتُ من كل عاملة/موديل اختيار صورتين تلائم مخيلتها، التي، في رأيي، تحاكي مخيلة "المدام". بمعنى ما، أردتُ سلب مخيلة الأخيرة وجعل العاملة تلبسها.
بالنسبة إلى إنجاز العمل، تعاونتُ مع أشخاص عديدين، إذ كان من المستحيل تحقيق هذه الصور بمفردي. استعنتُ بخبرات المصمم والمسرحي بشارة عطاالله الذي اهتم بتصميم وإنتاج الملابس بمساعدة الخياط عدنان جابر، وبرولاند أشايد، وهو مصمم سينوغرافي ألماني، وغريغ ديمارك وهو مصور فرنسي اهتم بتصميم الإضاءة، وليلى عطاالله مصممة الماكياج، ونور ادلبي مصفف الشعر. هؤلاء كانوا أساسيين لتحقيق هذا العمل. التقطنا 20 صورة، خلال 4 أيام فقط. لقد كانت أياماً طويلة ومضنية، خصوصاً أني أتعامل مع سيدات لم يسبق لهن الوقوف أمام الكاميرا بشكل محترف، أي أن التصوير كان يستغرق وقتاً أطول من المتاح لي أخذه، وخلاله كنت أحاول التخفيف من قلق "الموديل" للحصول على اللقطة المناسبة.


- من موّل هذا المشروع؟

* قدمت هذا المشروع لمؤسسات معنية بالشأن الثقافي والإنساني، لكني للأسف لم ألق دعم أحد، باستثناء "دار المصور" الذي قدم لي الاستديو مع معداته للتصوير، لمدة 4 أيام من دون مقابل. وهذا كان أساسياً، إذ لم يكن في استطاعتي تحمل كل هذه النفقات بمفردي. أما من القطاع الخاص، فحالفني الحظ بالحصول على دعم شركة "سيراي مكتبي" للسجاد التي أعارتني 10 سجادات من أجمل الأنواع، لاستخدامها في السينوغرافيا طوال الأيام الأربعة، وكذلك مؤسسة "سكاف" للأقمشة التي قدمت لي أنواعا فاخرة من القماش استخدمتها لخياطة بعض الفساتين، كما أعارتني قماشاً رائعاً للسينوغرافيا. وفي هذه المناسبة أود أن أعبّر عن شكري وامتناني الخالصين لهذه المؤسسات الثلاث التي لولاها، لكان، على الأرجح، من المستحيل تحقيق هذا المشروع.



- أنتِ كاتبة أيضاً، وغالبا ما تدور كتابتك في مجال البيوغرافيا، وتبدو بطريقة ما، تصويرية، فكيف تربطين بين كتابتك وفوتوغرافيتك؟
 

* لا أعرف إن كان هناك رابط بين الاثنين، إذ لم أفكر في الأمر من قبل. ربما كان المشترك هو حب التعرف إلى حياة الآخرين من كثب، ومن داخلها بمعنى ما.

- لقد قدمتِ عروضاً راقصة لفترة طويلة، فماذا بقي من فنك هذا؟
 

* في المعارض كلها التي أنجزتها، أشعر أن هناك دوراً للرقص من ناحية التركيز على الجسد، أكان هذا الجسد حاملاً للهوية الجنسانية في "كوميديا إلهية"، أو بوصفه الجسد/الوجه كانعكاس لما يدور داخل الروح، كما في "خفة المشاهد التي لا تحتمل" أو في "ميدام" حيث التركيز على الجسد الذي يستعرض مخيلات العاملات وكذلك مستخدماتهن.

- قبل معرضكِ الحالي، كنتِ قد انشغلت بتصوير النوم، لكنك لم تعمدي إلى عرض سلسلته الفوتوغرافية، لماذا؟
 

* هذا المشروع عملت عليه لمدة سنتين من دون الوصول إلى خاتمة، إذ كان من الصعب جداً عليّ أن أعمل على صور أبدو فيها كالميتة. لكن المثير في هذه القصة، ليس فقط أني لم أستطع اتخاذ قرار في كيفية إخراج هذه الصور، إنما شيء آخر: فبعدما انتهيت من تنفيذ 15 صورة تقريباً (أي بعدما أضفت على الصورة مكونات من خارجها لكي تصبح مشهداً كاملاً وليست فقط صورة شخص نائم)، حصل عطل في الكمبيوتر الخاص بي، اضطرني للقيام بعملية "فورماتينغ". بطبيعة الحال، نسخت المحتويات كلها على "هارد ديسك" خارجي، قبل القيام بتلك العملية. لكنْ، عندما عاد الكومبيوتر من التصليح، وشبكتُ عليه "الهارد ديسك" الخارجي لكي أنزل الملفات، رأيت أن ملف الصور الـ15 إياها، اختفى. يبدو أني لم أحفظ الصور على "الهارد ديسك"، وأرسلتها مع الكمبيوتر الذي مُسحِت ذاكرته بالكامل. هل كان ذلك فعلاً غير واعٍ أردت عبره التخلص من صورتي كميتة؟ ربما. الصور الأصلية ما زالت لديّ، لكن ليس الصور الـ15 التي كانت جاهزة للطباعة. هل سأحاول البداية من جديد على العمل نفسه؟ لا أعرف.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب