آخر تحديث:14:04(بيروت)
الأربعاء 05/07/2017
share

آن الأوان لوداع الطهطاوي

أحمد ناجي | الأربعاء 05/07/2017
شارك المقال :
  • 0

آن الأوان لوداع الطهطاوي نُصب الطهطاوي صنماً للعبادة لدى أجيال من المثقفين المصريين والعرب
لدى عودته من فرنسا إلى مصر ونزوله الإسكندرية، تشرف رفاعة رافع الطهطاوي بمقابلة إبراهيم باشا، ابن حاكم البلاد وقتها، محمد علي باشا. استقبله إبراهيم باشا بحفاوة واهتمام وسأله عن بيت آبائه بطهطا حيث كان لإبراهيم باشا معرفه بهم، ولما بلغته نجابة رفاعة في البعثة العلمية، حيث كان إماماً ومرشداً وناصحاً لعدد من الطلبة الذين أرسلوا الى فرنسا لتلقي العلوم الدنيوية، فقد منحه حديقة نادرة المثال في الخانقاه تبلغ مساحتها 33 فداناً. أما حينما وصل إلى القاهرة فقد استقبله محمد علي وعيّنه مترجماً في مدرسة طرا، تحت رياسة ناظرها سكورا بك الفرنساوي.

بدأت مسيرة "رائد التنوير" مثلما تلتها مسيرة أولاده من مثقفي الاستنارة. فعلمه وشخصيته التي ستتشكل من مقابلة الآخر تدفعه للذود عن هويته القومية واختراعها، إن لم تكن موجودة حتى. فبعد بضع سنوات من عمله تحت إدارة الخبير الفرنسي، تقدم رفاعة الى الدولة بمشروع لتأسيس مدرسة ألسن، ينتفع بها الوطن ويستغني بها عن الدخيل –الدخيل الذي علّمه- فأجابه إلى ذلك ووجه به إلى مكاتب الأقاليم لينتخب منها من البلاد ما يتم بها المشروع فأسس المدرسة، التي صارت بعد ذلك مدرسة الألسن والترجمة.

تزخر كتب الطهطاوي بالمديح المنظوم والمنثور في عائلة محمد علي وأعضائها، لكنه مع ذلك لم يتوقف عن الحديث في "البولوتيقية"، كما كان يسميها ويبين في مواضع كثيرة حدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويترجم بين وقت وآخر نصوصاً من القانون المدني الفرنسي، أو من الدستور، في شكل نصائح للحاكم، حول السبل التي بها يتم ملكه ويستقر ويزدهر. مثله مثل مئات المثقفين والكتّاب حتى الآن، الذين يكتبون المقالات في الصحف تحت عناوين "رسالة إلى الرئيس"، "همسة في أذن الرئيس"، إذ يصبح الدفاع عن الحق عتاباً خفيفاً ووشوشة في أذن القيادة السياسية لترفع الظلم، حتى لا يحتقن المجتمع فيستقر ملكها ويدوم.

لكن الأيام قذفت الطهطاوي بمن هو بهيمة أكثر من أبيه، فجاء الخديوي عباس الذي أغلق مدرسة طهطاوي وحل مجالس التعليم والكثير من دوائر الإدارة والتنظيم، بل ونظراً لكلام الطهطاوي عن الدستور وشروط طاعة الرعية للراعي، فقد نُفي إلى السودان.

ما الذي يفعله المثقف في المهجر؟ سؤال طرحه الطهطاوي على نفسه، واستمر السؤال يطرح نفسه على أجيال من المثقفين المصريين والعرب الذين اضطرتهم الظروف للهجرة أو المنفي. خارج مجاله السياسي المحلي، يعجز المثقف العربي عن الانخراط في أي قضية سياسية أو تنويرية أخرى، بل ينصرف بكل جوارحه إلى الإبداع والفن بكل أشكاله، إلى جوهره الحقيقي الباحث عن الحرية، الذي قاده أصلاً إلى حلبة الصراع السياسي وتسبب في نفيه. فعكف الطهطاوي على ترجمة عمل أدبي كلاسيكي هو رواية "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" لمؤلفها الفرنسي القس فينيلون Fenelon، وقد كتبت في القرن السابع عشر.

لكن حينما أتى الخديوي إسماعيل للحكم، أعاد الطهطاوي وقد صار مثقفاً قديراً، كرّمته الدولة، لكن دوره الإداري والتنفيذي هُمّش بسبب ماضيه السياسي، وأوكل إسماعيل لعلي مبارك (نموذج المثقف الأمني المخلص في وفائه) مهمة إكمال مسيرة الطهطاوي وتحديث منظومة التعليم في مصر. فما كان من الطهطاوي إلا أن جلس كما أي مثقف في نهاية أيامه، ليكتب كتاباً يجمع بين السيرة الذاتية والنقد الثقافي يضع فيه الوصايا المناسبة نحو شعب أكثر استنارة، فكان كتابه البديع "مناهج الألباب المصرية، في مباهج الآداب العصرية".

الكتاب أشبه بدليل تشكيل المصري الحديث، والذات والهوية الوطنية الحديثة التي ينشدها رفاعة وذريته من بعده. يبدأ بذكر فضل مصر وتاريخها، لكنه على عكس الكتب العربية الأخرى، لا يبدأ التاريخ المصري من الفتح الاسلامي، بل يعتمد على الاستكشافات الأثرية التي حدثت في عصره ليقدم لقارئه المصري سرداً تاريخياً لتاريخه العريق. لا يتحدث عن ديانة هؤلاء المصريين القدماء، ولا يصف التماثيل بالمساخيط كما يفعل المقريزي، بل يفصل السياسية العسكرية في مصر القديمة، ومجال القضاء والإدارة، ويقارن بينها وبين الواقع الحالي ليحث المسؤولين الذين يتوجه لهم في كتابه على الأخد بالتمدن.

ثم ينطلق في سرد تفاصيل لتاريخ الدولة في زمن محمد علي، والذي هو في الوقت ذاته تاريخه الشخصي. فهو من ترجم كتب التعدين التي درسها طلبة أصبحوا بعد ذلك موظفين في مصلحة "المعدنجيه". ومن التاريخ ينطلق في سرد أحلامه وتصوراته عن طريق السعادة للدولة المصرية، حيث حرية الأديان مكفولة، محذراً من محاولة فرض الحاكم دينه على المحكومين، وفي جواز مخالطة أهل الكتاب ومعاشرتهم، ثم ينتقل إلى "البوليتيقة" وهي العلم بالسياسة وأحوال الناس، وضرورة تدريسها لأبناء الأهالي لكي يكونوا جاهزين للعمل في الحكومة وإدارتها. بل ويضع خطة بعنوان "مطلب تحويل مصر إلى حالة مستحسنة في نحو عشرين سنة".

أما العائق لخطة الطهطاوي الطموحة، فيكمن في طبقة الملاك وأصحاب الرتب الذين يستحوذون على الأرض ويحتكرون الصناعة فيتركون أهل البلد في جوع وفقر. أما خطة الطهطاوي لتجاوز ذلك فهي إلغاء الرتب غير المستحقة عن عمل وجهد، وتأكيده في أكثر من موضع من الكتاب أن الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلأ، والنار، ولا يجوز احتقار أي منهم.

هل تحول الطهطاوي في آخر أيامه إلى الاشتراكية؟ يلمح أنور عبد الملك إلى أن الطهطاوي كان متابعاً منتظماً للكتابات الاقتصادية، وبالتالي هناك احتمال كبير أن تكون قد وصلته كتابات ماركس وإنغلز، التي كانت تخيم على أوروبا كشبح. حين ينفي لويس عوض الاشتراكية عن الطهطاوي، نظراً لانجذابه وترجمته لمقتطفات من أعمال اقتصاديي الليبرالية في ذلك العصر، وتحديداً برودون وجون ستيوارت ميل. وما يؤكد وجهة نظر لويس عوض إشارة د.مصطفي لبيب في دراسته عن "مناهج الألباب" بأن كلمات الثورة والتمرد وتحذير الحاكم، التي كانت تظهر في أعمال سابقة للطهطاوي، اختفت في نهاية حياته، حينما كتب "مناهج الألباب" لتظل كل أحلامه بالغد المشرق لوطنه مصر معلقة بإرادة الحاكم الشجاع القادر على استخراج خيرات البلاد واستنهاض أهلها.

نُصب الطهطاوي صنماً للعبادة لدى أجيال من المثقفين المصريين والعرب خلال القرن الماضي، هو صورة المثال الأعلى. المثقف السيزيفي الرابض في حراسة الوالي، والمستعد لمعاونته والساعي أيضاً إلى خلق هوية قومية لجماعته المتخيلة، ليصبحوا مصريين لا مجرد رعايا أو فلاحين أو قبط. لكن الآن بينما تنهار حدود الدول القومية، ويتعرض مفهوم الوطنية لضربات عنيفة من دول تدعم الأساس الديني والطائفي لوجودها، ربما يكون اسم آخر من عصر الطهطاوي جديراً بالتفكير: أحمد فارس الشدياق، المسيحي ابن الشام، المنفي إلى مصر، ثم تونس، فصقلية، ففرنسا، المتحول إلى الإسلام، العابر للهويات والحدود القومية والذي بحث لسنوات عن حاكم يحنو عليه مثل الطهطاوي فلم يجد مكاناً أو ربما كان أكبر من أن يجلس تحت أقدام أحدهم. الشدياق الذي، رغم المنفى ورحلته وتحولاته، لم يكن ما تركه لنا خططاً وأحلاماً لتطوير إدارة الدولة، كما الطهطاوي، بل تحديث كامل للغة العربية، ونحت واشتقاق مئات المفردات والكلمات الجديدة.

لم يترجم الشدياق فقط، بل نقل اللغة العربية إلى مدينة القرن التاسع عشر، وضع الكلمات التي تشكل أساس الخطاب الثقافي حتى اليوم من "الاشتراكية" حتى "الجامعة".

في زمن لا مكان فيه لخطاب العقل في هذه البلاد، وحيث سلطة الرشاش الآلي، السيف يجز الرقاب، والمذابح ترتكب من دون حتى إدانة للمجرم بدعوى أن الدم يغطي أيدي الجميع، ربما يكون هذا هو الوقت لنودع الطهطاوي الذي لطالما سبقت اسمه على أغلفة كتبه ألقاب مثل "أوحد زمانه، ونادر عصره وأوانه، المُجدّ في نفع وطنه بنشر المنافع". ولنبحث في تاريخنا عن نموذج يليق بعصر الثقافة العربية في المنفى المقبل علينا سريعاً وبالكثير من الدماء.  
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها