آخر تحديث:10:46(بيروت)
السبت 15/04/2017
share

"مطربة القُطرين"... لماذا انطفأ نجمها؟

محمود الزيباوي | السبت 15/04/2017
شارك المقال :
  • "مطربة القُطرين"... لماذا انطفأ نجمها؟
    في عهدها الذهبي
  • مع فريد الأطرش، 1946.
    مع فريد الأطرش، 1946.
  • -فتحية في بداية حياتها الفنية.
    -فتحية في بداية حياتها الفنية.
  • "بنت الشبندر"، 1926.
    "بنت الشبندر"، 1926.
  •  مطربة القطرين.
    مطربة القطرين.
تحت عنوان "فتحية أحمد مطربة القطرين"، يستعيد الباحث المصري محب جميل، مسيرة فنانة لمعت في عشرينات القرن الماضي، ونافست منيرة المهدية وأم كلثوم على عرش الغناء العربي، وتزعّمته لفترة قصيرة، ثم راحت تتراجع تدريجياً، قبل أن تدخل في دائرة النسيان، لتصبح صوتاً من أصوات الماضي في الخمسينات. تأتي هذه السيرة الموثّقة في كتاب صدر حديثا عن "دار الجديد" في بيروت، وتتألّف من مقدّمتين وستّة فصول وأربعة ملاحق تستكشف حياة "مطربة القطرين" ونتاجها الفني المنسي. 


في كتاب "الغناء المصري" الصادر سنة 1966، تحدّث الناقد الموسيقي كمال النجمي عن أصوات اختفت بعدما لمعت، وأصوات لمعت واستمرّت في اللمعان، ورأى أن "بين الأصوات التي يغدر بها الزمن، والأصوات التي يخضع لها الزمن، تقف مجموعة من الأصوات لا يغدر بها الزمن ولا يخضع لها، بل تتراجع إلى الوراء سنة بعد سنة، حتى تبتعد عن دائرة الضوء، وتقف في الظل، وربما في الظلام". وأضاف: "في العشرينات كان كثير من المستمعين يرون أن فتحية أحمد هي صاحبة الصوت الأول، قبل منيرة المهدية وقبل أم كلثوم. ولم يكن صوت أم كلثوم في ذلك الحين قد استكمل نضجه، لكن نضجه السريع المبهر، دفع بصوت فتحية إلى الخلف، فأصبحت المطربة الثانية، وعاشت في هذا المركز، وهو مركز ممتاز، فترة طويلة، ثم استراحت في الظل، وعاشت فيه متقاعدة أو شبه متقاعدة".


قبل صدور هذا الكتاب بفترة وجيزة، نشر أحمد ابو الخضر منسي، كتابه "الأغاني والموسيقى الشرقية بين القديم والجديد"، واستعاد فيه سير أبرز الفنانين "القدامى الذين مضوا"، وتساءل: "أنكتب في فتحية، وهي، أطال الله بقاءها تعيش معنا، ولا تبرح تغني؟"، وكتب سيرة مختزلة لهذه المطربة التي "كانت من أبرز فحول القديم وفي حلبة الفن والطرب لا يلحقها أحد"، لأن عدم ذكرها مع مَن ذكره مِن "مشهوري المغنين والمغنيات" يشكّل نقصاً في كتابه. وقال مستدركاً: "لكن جلى اليقين عندنا عن الحيرة، إذا قارنّا بين ماض لفتحية وحاضر، فلم نجد شبهاً ولا صلة، فهي في قديمها كأنها فارقتنا وفارقت دنيانا، لأصالة قديمها وسمو فنها. فهي على هذا حقيقة أن تكتب فيها ونسجل. أما حاضرها فهي تغني ما يلحن لها اليوم ملحنو الجديد، وهو كعجالة الراكب، عادي زهيد لم يرشحه شيء لأن يتبوّأ مكانه في الفن الرفيع. وهي للعيش ومجاراة لهذا الزمان الذي يخالف زمانها الذي كانت فيه تجول وتصول، مكرهة أن تغنيه. وشتان بين قديم كان للفن وفي الفن خالصاً، وجديد للضرورات ومطالب العيش".

رأى كمال النجمي أن فتحية تراجعت إلى المرتبة الثانية بعد نضوج صوت أم كلثوم. في المقابل، رأى أحمد ابو الخضر منسي أن فتحية تفوّقت على أم كلثوم بفضل "عبقرية" أدائها، وقال في مدحها: "فنانة من طبقة الشيوخ ومن مطربي القديم، وفيها ابداع وعبقرية، والعبقري يسمو على النابغ طبقات، إذ النابغ يأخد ما لقنه فيقيمه أصولاً وفروعاً، ويؤديه بحذق وإجادة، أما العبقري فيتعدى الحدود ويبدع في ما أخذ، ويرسم لنفسه ما يلهم به محسناً متفوقاً في إحكام. فأم كلثوم في رأينا تؤدي الذي طرح عليها في استواء واستقامة وبراعة، مع صوت قد استوفى شروط القوة والجمال، وإن كانت تعاب بالغناء المردد. فهي لا تبرح تعود عوداً على بدء، أعني أنها تكرر عشرات المرات قطع اللحن وشطوره نغماً ولفظاً بعينها، لا تنويع فيها ولا تبديل، وتزينه بحركات وأداء مستظرف، وتجول فيه بما تلهم، مع احتفاظها بالأصل الذي لقنته. وأم كلثوم يرفدها ويقويها في غنائها تخت حوى أبرع العازفين كالقصبجي وأمثاله، ومن وراء ظهرها أعوان من أساطين الملحنين، وأما فتحية فبنفسها كانت تقوم، وبأي تخت كانت تهيج من طربك، وتستحوذ على لبّك، وقد سمعتها في بعض الليالي الغوابر، وقد توسطت تختا من العازفين العاديين غير البارعين، ففكانت تارة تثير في رجالها اليقظة فيتبعونها مستجيبين، وتارة لا تبالي أن تخليهم وعجزهم سادرين".


يعود محبّ جميل إلى فتحية أحمد، والدافع الأوّل شغفه بهذا الصوت، وتناقض المعلومات المكتوبة عنها، فالمعلومة المكتوبة في مصدر ما "تنافيها معلومة كتوبة في مصدر آخر، حتى تلك التي عاصرت حياة فتحيّة"، كما أشار في المقدمة. شرع الكاتب في التنقيب "عن كل ما يتعلّق بها من أخبار، ومقالات، وحوارات في الصحافة المصرية، بداية من عام 1918 حتى عام 1975"، واستمع إلى جميع ما أُتيح له "من تسجيلات تجارية أو إذاعية، في محاولة لرسم خطّ بياني واضح لصوتها، ومسيرتها الغنائية". في أربعة فصول مترابطة، يستكشف الكاتب سيرة "هذه المطربة التي بدأت حياتها الفنية طفلة صغيرة على مسرحي نجيب الريحاني وعلي الكسّار، ثم رحلت إلى سوريا عدّة سنوات، وعادت إلى مصر بمرافقة تخت عازفين. وبعدها قامت بتسجيل مجموعة من الأسطوانات التجارية قبل أن تلتحق بالإذاعة المصرية اللاسلكية، وتدخل عالم السينما لاحقاً".


في الفصل الثالث، يسلّط الباحث الضوء على أسلوب فتحية المميّز في الغناء، ويستعرض نتاجها مع كبار الملحنين الذي رافقوها في مسيرتها. في المرحلة الأولى، لمعت فتحية مع سيّد درويش وأبو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي وداود حسني ومحمد القصبجي وصَفر علي. في العام 1934، دخلت "مطربة القطرين"، الإذاعة المصرية، في أوّل عهدها، واستمرّت في الغناء فيها أكثر من ربع قرن، وتعاونت مع رياض السنباطي وزكريا أحمد في الحقبة التي سبقت سقوط الملكية مرحلة التسجيلات الفنية، بعدها غنّت من ألحان محمد عفيفي وأحمد صدقي وأحمد عبد القادر ومحمود الشريف ومحمد الموجي، و"عندما بدأت الإذاعة المصرية تحتشد بنجمات ونجوم آخرين من أجيال مختلفة، قرّرت الانسحاب بهدوء، والبقاء في منزلها حتى آخر حياتها".

خصّص محب جميل الفصل الرابع للأفلام السينمائية التي شاركت فيها فتحية، وهي ثلاثة، أوّلها "عايدة" من بطولة أم كلثوم، وفيه "شاركت بصوتها بعد إجراء الدوبلاج، ووُضع صوتها على حركة شفاه الممثلة فردوس حسن". بعدها، شاركت فتحية للمرة الثانية عن طريق الدوبلاج الصوتي على حركة شفاه مديحة يسري في فيلم "أحلام الشباب"، وغنت من ألحان فريد الأطرش ثلاث أغنيات، "وانقطعت عن السينما سنتين حتّى ظهرت للمرة الأولى على الشاشة في دور البطولة في فيلم حنان، وفيه حظيت بأربعة الحان بديعة وضعها رياض السنباطي ومحمد القصبجي وصَفر علي".


في الفصل الخامس، نتعرّف على فتحية في سنوات المجد، يوم كانت الشام بيتها الثاني بعد مصر، ولُقّبت بـ"مطربة القُطرين". وفي الفصل السادس، نستكشف نجاحها الفني وفشلها الاجتماعي، بحسب تعبير الكاتب. عاشت فتحية أيامها الأخيرة "بين صفحات الماضي واسطوانات مجدها الفني"، ورحلت في نهاية العام 1975، وشيّعت إلى مثواها الأخير "في جنازة متواضعة غاب عنها معظم رجال الفن".

يضم الملحق الأول باقة من المقالات تشهد للمكانة العالية التي بلغتها فتحية أحمد في عصرها الذهبي، منها مقالة من العام 1977، استعاد فيها مصطفى أمين قصة المنافسة التي قامت بين منيرة المهدية وفتحية أحمد وأم كلثوم. ونجد في الملحق الثاني كتابات تؤرّخ لهذه المنافسة، وتشهد لتفوّق فتحية واحتلالها المركز الأوّل في العام 1926. بعدها، انتصرت أم كلثوم، ودفع هذا الانتصار بصوت فتحية إلى الخلف، "فأصبحت المطربة الثانية، وعاشت في هذا المركز فترة طويلة، ثم استراحت في الظل"، كما كتب كمال النجمي العام 1966.

يبقى السؤال مطروحاً، ولا نجد له الجواب الشافي: لماذا انطفأ نجم فتحية أحمد سريعاً في نهاية الأربعينات، ولماذا لم يمدّها زكريا أحمد بألحانه حين قاطع أم كلثوم على مدى عشر سنوات، ولماذا توقّف كبار الملحنين عن التعاون معها بعدما قدموا لها باقة من أجمل ألحانهم في الماضي؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها