آخر تحديث:14:42(بيروت)
الثلاثاء 19/12/2017
share

"دار المتوسط": سيرة دونكيشوت عربي في إيطاليا

يوسف بزي | الثلاثاء 19/12/2017
شارك المقال :
"دار المتوسط": سيرة دونكيشوت عربي في إيطاليا
دونكيشوت على دراجة هوائية. هذا هو شعار "دار المتوسط"، الذي صممه صاحبها خالد الناصري، واختاره هوية لمؤسسته، الوليدة منذ سنتين فقط.

بنظرة سريعة إلى إصدارات الدار ومنشوراتها وكراساتها، يدرك واحدنا أن هذا الشاب الفلسطيني السوري هو نفسه دونكيشوت متهور، يسعى لإحياء زمن تلك المغامرات الرومانسية، التي كانت تتسم بها مشاريع نشر الكتب.

في العام 2005، كان في جيب خالد الناصري 200 دولار أميركي (150 من فخري كريم، صاحب دار المدى، و50 من يوسف الناصر)، ليغادر دمشق ويتجه إلى بيروت. بعد ليلتين من السهر في حانات بيروت، أفلس الناصري الذي كان يقيم موقتاً في شقة صديقة مسافرة. خلال أسبوع بات بلا مأوى ولا مال. قصد مخيم صبرا، ليقيم عند أحد معارفه، وبدأ يعمل كمصمم أغلفة ويحاول نشر قصائد أو مقالات في الصحف، ثم حاول السكن في غرفة داخل مخيم شاتيلا، لكنه تعرض للسرقة، فعاش أياماً متشرداً على كورنيش الروشة، إلى أن انتشله أحد سكان صبرا الذي رآه بالصدفة هناك وآواه في بيته، في حين كانت بيروت تعيش زمن الاغتيالات والتفجيرات الليلية والريبة الشديدة من الشبان السوريين والفلسطينيين.

سنة من العوز والجوع والتشرد، لتأتي بعدها الصديقة الأميركية (من أصل باكستاني) وتنقذه من شوارع بيروت القاسية، وتعيده إلى دمشق.

في حارة اليهود، بباب توما، عاد خالد الناصري إلى مهنة الغرافيك والتصميم الفني، وسعى إلى تنظيم مشاريع ثقافية باحثاً عن جهات تمويل ودعم.

في العام 2007، دُعي الشاعر خالد الناصري إلى مهرجان شعري في السويد. هناك، قدم اقتراحاً لـ"المعهد السويدي" الثقافي، لمشروع ترجمة شعراء سويديين إلى العربية ودعوتهم إلى دمشق، فتبنى المعهد الفكرة ومولها. وفي العام التالي، حين كانت دمشق "عاصمة للثقافة العربية"، ولا مكان لإقامة أي نشاط إضافي، انتبه الناصري إلى محطة الحجاز التاريخية، التي تم ترميمها وتجديدها للتو بمناسبة الذكرى المئوية لإنشائها. في هذه المحطة، نظم الناصري مهرجان "أيام الشعر السويدي". هكذا، بين نباهة الشاعر و"عبقرية" المكان، تحققت واحدة من أفضل الأعمال الثقافية في ذاكرة دمشق. السفير السويدي الذي دمعت عيناه بسحر تلك الأمسيات، ضمن لخالد الناصري العام 2009 الخروج من سوريا إلى استوكهولم، بعدما تدهورت الأمور وتفاقمت القبضة الأمنية والسياسية في سوريا.

مكث الشاب في العاصمة السويدية 15 يوماً فقط، ثم انطلق إلى إيطاليا ليلاقي حبيبته، الفتاة الإيطالية التي عاش معها سنتين في دمشق. وفي العام 2009، بدأ العمل مع صديق إيطالي بإصدار مجلة باللغتين العربية والإيطالية متخصصة في قضايا الهجرة، إلى أن توقف تمويلها بعد سنتين.

عاد الناصري إلى فكرة المشاريع الثقافية. وبصحبة أصدقاء عرب وإيطاليين، تأسست جمعية "المتوسط" للتبادل الثقافي، ونُظمت دورات لمهرجان شعري متوسطي يصدر عنه كتاب مختارات شعرية للمشاركين فيه. وأتاح هذا النشاط للناصري أن يجد عملاً مع دار "نون" الإماراتية، التي لم تكن قد أصدرت سوى خمسة كتب لشعراء مغمورين تماماً. خلال سنة ونصف السنة من إدارته "نون"، أصدر أكثر من 120 عنواناً. وفجأة، استيقظ ذات يوم ليجد أن شريكته الإماراتية أرسلت له إيميلاً تعلمه فيه أنها أوقفت عمل الدار وسحبت كل موجودات المستودع في عمان إلى الإمارات.

مرة أخرى، وجد خالد الناصري نفسه عاطلاً عن العمل ومفلساً. يقول: "لدي دراجة هوائية، وبيتي قريب من مزارع الأرزّ. ذهبت إلى هناك في نزهة تأمل وتفكير. كنت أعرف أن مشروع "نون" ناجح، ثم تذكرت تجربة جمعية المتوسط. وقدحت الفكرة في ذهني كحلم دونكيشوتي.. هكذا ولدت صورة دونكيشوت على دراجة، وولدت معها دار المتوسط".

اتصل الناصري بأصدقائه الكتّاب، تواصل مع صديقه طارق البرجي صاحب مطبعة في بيروت، والذي تكفل بالطبع وتسهيل الأمور. في نهاية العام 2015، تأسست "دار المتوسط" في ميلانو، ونشرت دفعة واحدة 12 كتاباً، منها رواية "الكافرة" لعلي بدر، كتابان لمحمد الجرطي عن إدوارد سعيد وتزيفتان تودوروف، وكتاب "يهود العراق" لكاظم حبيب، فيما المفكر سلامة كيلة يؤلف خصيصاً للدار سلسلة كراسات ماركسية. وتشارك الدار في معرض الشارقة بـ30 عنواناً.

خلال السنتين المنصرمتين، بات لـ"المتوسط" 264 عنواناً، معظمها أدب وفكر. وفي هذه الأثناء، أنجز خالد الناصري فيلمه الوثائقي "أنا مع العروسة" الذي حصد أكثر من 130 جائزة عالمية، ما وفر له مالاً ساعده في دعم ميزانية الدار وديمومة المغامرة.

يقول الناصري: "للحفاظ على الاستمرارية، تعاملتُ مع دار المتوسط بوصفها مؤسسة غير ربحية. تجربة غير موجودة تقريباً في العالم العربي، ومألوفة أوروبياً. لا أرباح لي شخصياً، فقط أتقاضى راتب 2000 يورو بالضبط. كل المدخول يذهب إلى تمويل إصدار كتب جديدة..".

مع رواية "لا تقولي أنكِ خائفة"، للكاتب الإيطالي الشاب جوزيبه كاتوتسيلا (حيث يسرد سيرة العدّاءة الصومالية الشهيرة سامية أحمد، والتي غرقت في البحر أثناء محاولتها الهجرة غير الشرعية)، حققت "دار المتوسط" مبيعات قياسية. ويؤكد الناصري أن كثرة الإصدارات الجديدة وتنوعها وجودة محتواها، تؤمن باستمرار مبيعات لا بأس بها.

بدا كلامه بالنسبة إلي غير مقنع. إذ كيف لدار نشر أن تربح من إصدار كتب شعر، لشعراء شبان وشاعرات شابات؟ وكتب يوميات وقصص قصيرة؟ لكن خالد الناصري، وإذ يقر بأن المغامرة الأكبر هي الشِّعر، يقول: "ثمة تواطؤ بين الناشرين، حدث في لحظة تاريخية من الصعب تحديدها، للترويج لفكرة أن الشعر لا يباع. ونكتشف أن الناشرين الذين روجوا لها استفادوا منها، عبر فرض معادلة أن على الشعراء تمويل إنتاج كتبهم، وبالتالي يكسب الناشر ربحه سلفاً من دون أي كلفة. ومع هكذا علاقة بين الناشر والشاعر، لا يُوزّع الكتاب ولا يُعمل على ترويجه. فيصير كتاب الشعر حقيقة غير مباع". يضيف الناصري: "قررت ألا أتقاضى أي مال من الشعراء. أختار فقط ما يناسبني وأتعب عليه تسويقاً ونشراً. كل ألف نسخة كطبعة أولى، مداها خمس سنوات في السوق.. ويبدو أن هذا الرهان يأتي بنتائج طيبة، فلدي شعراء شباب أصدرت كتبهم للمرة الأولى، ثم أصدرت لهم طبعتين ثانية وثالثة في أقل من سنتين".

ما لم ينتبه له الكثيرون من الزوار والصحافة في معرض بيروت، أن "دار المتوسط" دعت واستضافت، أثناء أيام المعرض، ثلة من كتّابها: سلامة كيلة، رشا عمران، هالة محمد، غياث المدهون، مروان علي، عدي الزعبي، سوزان علي، سناء عون، وفاتنة الغرة.. أتوا من الشتات الأوروبي ومن مصر وسوريا، بالإضافة إلى الشاعر السوري المقيم في بيروت علي جازو، والشاعر اللبناني فيديل سبيتي، لتحتفي الدار بإصداراتهم الجديدة، على نحو يومي، بقراءات وحفلات توقيع وجلسات تعارف.

هكذا، بدا جناح الدار الصغير، بكتبه الجديدة والنضرة، والعصرية فعلاً، أشبه بمهرجان أدبي سري. وربما لهذا السبب، يمكن القول أن "دار المتوسط" هي البشرى السارة في عالم صناعة الكتاب العربي اليوم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب