آخر تحديث:12:41(بيروت)
الأربعاء 04/05/2016
share

"حدائق تحكي" لتانيا خوري: هزيمة الأبد بالموت والصوت

روجيه عوطة | الأربعاء 04/05/2016
شارك المقال :
  • "حدائق تحكي" لتانيا خوري: هزيمة الأبد بالموت والصوت
    الأموات يسردون أحوالهم وأحداثهم بالصوت
  • يتكلمون
    يتكلمون
لزائر العرض الصوتي التفاعلي، الذي قدمته تانيا الخوري ضمن فعاليات "مهرجان الربيع"، بعنوان "حدائق تحكي" (يُعاد تقديمه الخميس والجمعة ونهاية الأسبوع)، أن يتأكد من كون نظام بشار حافظ الأسد لا يقتل السوريين كي يميتهم بل كي يقتلعهم من الوجود. ذلك، أن الفنانة جمعت في عملها سير عشرة أشخاص، أرداهم البعث قتلى قبل أن يمنع أصدقاءهم ورفاقهم وأقاربهم من دفنهم في المقابر من جراء استهدافه الجنائز، ما أدى إلى مواراتهم في الثرى في الحدائق المنزلية والعامة. فقد غمرهم ذووهم بتراب محروث ومنشعب، ولم يرفعوا الشواهد فوقه، بل تركوه بلا تلك الأحجار المستطيلة التي تدل على أصحاب الجثث المطمورة تحتها. كما لو أن كل واحد من هؤلاء المدفونين في الجنائن كان نبتةً، وقد غارت في مكانها، وراح المأنوسون بها يزرفون الدمع عليها كي تنفذ إلى أرضها بأناة وسكينة.

جمعت الخوري القتلى في حديقةٍ واحدة، أضافت أسماءهم إلى أضرحتهم، وجعلتهم يتقابلون شاهداً لشاهد. طلبت من زوارهم أن يوغلوا في ليلهم، أن يلبسوا رداءات بيضاء، وأن يحملوا مصابيح إلكترونية، يفتشون في إثر ضوئها على كل قتيل ظهر باسمه في الأوراق التي سحبوها من إحدى السلات. يدخل الزوار حديقة القتلى، ينيرون أمامهم، ثم، يسيرون نحو القبور، حيث يجلسون على جوانبها، يحفرونها قليلاً، ثم يستمعون إلى الصوت الآتي منها. لقد قتلتهم أجهزة الأبد، حاولت إهلاكهم، واستئصالهم، وبعد ذلك، سعت إلى تزوير محقهم، ناشرةً عبر مؤسساتها الإعلامية والأمنية شائعات تلقي باجتثاثهم على عاتق "العصابات الإرهابية المسلحة". فتلك الأجهزة تحسب أنها لم تقتل أياً من السوريين، لكنها، وفي حال قررت الإخبار عنهم، تتهم غيرها باغتيالهم، وتجبر ذويهم على الإعتراف بروايتها. تالياً، تريدهم قتلى، قتلى معدومين فقط، خصوصاً عندما تحظر دفنهم في المقابر.

إلا أن إستقرار جثثهم في الحدائق التي تستحيل مدافن لهم، تعبّر عن مقاومتهم النظام وسلطاته، بحيث أن طمرهم في جوار النبات والشجر، ينقلهم من حال المعدومين إلى حال الأموات. فقد  سعت أجهزة الأبد، من خلال قتلهم، إلى إيقافهم في ما قبل حياتهم وموتهم على حد سواء، ولكن، مع دفنهم، استرجعوا موتهم منها. تؤكد الفنانة ذلك من خلال رد أصواتهم إليهم، إذ يعمد كل واحد منهم إلى قصّ حكايته وسرد وقائع قتله على مسامع زواره، الذين يستلقون بقربه، ويصغون إلى حديثه عبر إلصاق الأذن بالأرض.

ثمة، في هذا المشهد، اختلاط بين المستضافين والمستضيفين، بين المستلقين فوق الأرض والراوين من تحتها، فلأن الأموات يتحدثون، هم، بهذا الفعل، أقرب إلى الأحياء، ولأن الزائرين هامدون فوق أضرحتهم، يظهرون كالأموات. عبارة من "أبو خالد"، وهو قاطن من قاطني الجنينة، تشير إلى أن الميت وحده مَن يتمم راحته ورواحه، كما لو أن المستمع إليه، الذي، في لحظةٍ ما، يلتئم بالثرى، يعتريه شعور بقلق القيام وعنائه، بحيث يجد في صوت السارد سبيلاً إلى التؤدة والألفة. ذلك، أنه، أخيراً، اطمأن إلى أن الذين عمل النظام على إعدامهم، قد هزموا أبده بموتهم أولاً، وعبر صوتهم ثانياً، ومن خلال النطق بحكاياتهم ثالثاً.

رادفت اللغة العربية بين الشاهد، بما هو حجر القبر، والشاهد، بما هو حاضر في الواقعة وعليها، والشاهد، بما هو مخاط ينزل من الرحم مع المولود فيه ومغادره. ومن الممكن سحب هذه المرادفة على عرض الخوري، حيث أن الأموات لا يحتاجون إلى من يروي عنهم قصصهم، بل في مقدورهم أن يشهدوا على إعدامهم بأنفسهم، متغلبين عليه بتأدية شهاداتهم. مثلما أن أصواتهم تبارح قبورهم لتتصل بآذان زوارهم، وبهذا الفعل، يولدون من جديد في قلوب المستمعين إليهم، ويخففون من غلائلهم، ويكملون مواساتهم.

الأموات يسردون أحوالهم وأحداثهم بالصوت، أما، الذاهبون إليهم، وبعد أن يلتقوا بهم من خلال آذانهم واضطجاع أجسادهم، فيكتبون لهم رسائل، ويطمرونها في تراب الحديقة، لعلّ الذين، في يوم ما، عاودوا الثورة على الأبد في موتهم، يقرأونها بعيون ذويهم، أو حتى بعيونهم. كل شيء في حديقة تانيا خوري كان مطفأً إلا صوت الأموات، الذي أثبت أن الأصوات لا تموت، ولا سيما لما تبلغ، في النهاية، صموتها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها