آخر تحديث:11:54(بيروت)
الأربعاء 28/04/2021
share

هل روسيا قادرة _وراغبة_بحماية ناقلات النفط الإيرانية؟

العقيد عبد الجبار العكيدي | الأربعاء 28/04/2021
شارك المقال :
هل روسيا قادرة _وراغبة_بحماية ناقلات النفط الإيرانية؟
أعاد الحريق الذي نشب في ناقلة النفط الإيرانية في مرفأ بانياس السبت، الحديث مجدداً حول قدرة روسيا على تنفيذ وعودها بحماية الشحنات الواردة من إيران الى سوريا، وكان لافتاً تضارب المعلومات التي قدمتها وسائل إعلام إيران والنظام من جهة، والروس من جهة ثانية حول سبب الحريق، هذا التضارب الذي وصل حد السجال، ما يجعل من الحريق أكثر من مجرد حدث عادي.
يعيدنا هذا السجال بين "الحلفاء" إلى ما أعلنت عنه وكالة الانباء الروسية "سبوتنيك" في 17 نيسان/أبريل، حول تشكيل غرفة عمليات مشتركة لمرافقة وتأمين وصول شحنات النفط الإيراني إلى موانئ النظام بعد تعرضها لهجمات عديدة في عرض البحر، على أن تضم هذه الغرفة، حسب الوكالة، كلاً من روسيا وإيران بالإضافة للنظام، وأن الهدف منها "تأمين تدفق آمن ومستقر لإمدادات النفط والقمح وبعض المواد الأخرى الآتية على متن ناقلات إيرانية، من خلال مرافقة وحماية السفن الحربية الروسية".
تضارب المعلومات حول أسباب الحريق بدأ عقب تأكيد قناة "روسيا اليوم" أن الحادث سببه إهمال في شروط الأمان وعدم مراعاة عوامل السلامة أثناء عمليات تلحيم أنابيب على متن الناقلة بعد رسوها، في نفي كان لافتاً من حيث سرعته لرواية إعلام النظام، حيث نقلت "سانا" عن وزارة النفط قبل ذلك بساعات أن "الناقلة تعرضت لما يعتقد أنه هجوم من طائرة مسيرة قدمت من اتجاه المياه الإقليمية اللبنانية"، ما يوحي بخشية موسكو من التشكيك بوعودها حماية هذه الشحنات.
لكن التضارب في المعلومات لم يتوقف عند هذا الحد، حيث عادت موسكو لتقدم رواية أخرى جديدة عن الحادث، لا تخرج في النهاية عن رغبة ملحة برزت لديها في دحض أي سردية عن تعرض الناقلة لهجوم متعمد، وصولاً إلى حد التشكيك بمساعدة القوات الروسية المتواجدة في سوريا على إخماد الحريق.
فقد نشر موقع "RusVesna" الروسي الأحد، صوراً ومقاطع مصورة تظهر حجم الأضرار التي لحقت بالناقلة الإيرانية. ويظهر المقطع الذي التُقط عبر طائرة "درون" وجود آثار حريق على الجزء الأوسط من متن الناقلة بعد أن تم إخماده. مقدماً رواية جديدة لسبب الحريق عازياً إياه إلى حدوث مسّ في الشبكة الكهربائية الخاصة بالناقلة.
الموقع الروسي ادعى كذلك أن القوات الروسية في المنطقة ساهمت في إخماد الحريق، مشيراً إلى مشاركة مروحية من نوع "مي-8" مزودة بجهاز إطفاء، في عملية السيطرة على الحادث، بعد أن كان إعلام النظام قد نسب الفضل في إخماد الحريق إلى فرق الإطفاء التابعة له بشكل كامل، دون الحديث عن أي مشاركة روسية، وهو تفصيل ليس عادياً، ويمكن وضعه في سياق التقليل المستمر من جانب إعلام النظام وإيران من الدور الروسي في سوريا، حيث سبق وأن وجه هذا الإعلام اتهامات للروس بعدم المشاركة في إخماد حرائق الغابات التي نشبت في منطقة الساحل السوري صيف العام الماضي، ناهيك عن الانتقادات الحادة التي اعتاد توجيهها لعدم تفعيل القوات الروسية في سوريا نظام الدفاع الجوي (إس-300) للحد من الغارات الجوية الإسرائيلية في سوريا.
إمكانيات سلاح البحرية الروسية على حماية الناقلات
كل ما سبق هي تفاصيل لكنها مهمة على هامش الموضوع الرئيسي هنا وهو وعود موسكو بتأمين حماية الشحنات الإيرانية إلى سوريا. ولنفترض أن إيران قادرة بالفعل على مواصلة تأمين احتياجات النظام من النفط والقمح، وهذا مستبعد في ظل ظروفها الحالية ووضعها الاقتصادي الصعب نتيجة العقوبات الأميركية المفروضة عليها، إضافة إلى إفلاس النظام وعدم قدرته على تسديد ديونه التي تجاوزت الأربعين مليار دولار حسب بعض المسؤولين الإيرانيين الذين ما فتئوا يطالبون بها، فهل روسيا قادرة على حماية الشحنات والناقلات في عرض البحار عسكرياً ولوجستياً، حيث الخط البحري الطويل الممتد عبر الخليج العربي والمحيط الهندي مرورا بالبحر الأحمر، عابراً قناة السويس الى مرفأ طرطوس وبانياس؟
مسار طويل ومكلف مادياً وعسكرياً، يحتاج إلى عدد كبير من القطع البحرية والكوادر البشرية، وهو غير متاح لدى سلاح البحرية الروسية الذي يقتصر تواجده الأساسي في الشرق الأوسط على عدد محدود جداً من النقاط والقطع البحرية، تتمركز في مياه المتوسط قبالة السواحل السورية، حيث الأسطول الحربي الروسي الذي لا تتجاوز السفن القتالية والمساعدة التابعة له عشر قطع صغيرة، بالإضافة الى سفينة الإنزال الكبيرة "ساراتوف" التي تحركت مع بداية العام الجاري من البحر الأسود باتجاه المياه الدافئة.
فيما لا تملك موسكو أي تواجد في الخليج العربي، مقابل تواجد ضعيف جداً في المحيط الهندي، ومحطة إمداد في بورتسودان على البحر الأحمر، وهذه المعطيات تصعب من مهمة الروس في تنفيذ وعودهم بمرافقة وحماية هذه الشحنات في مسارها الطويل.
بروباغندا إعلامية
من الواضح أن هذه الوعود الروسية بتأمين الحماية العسكرية، لتكون إيران قادرة على تنفيذ وعودها بتأمين شحنات النفط للنظام، لا تعدو كونها بروباغندا إعلامية تُصرف في الانتخابات الرئاسية التي سيجريها نظام الأسد، ناسفاً بذلك العملية الدستورية والعملية السياسية برمتها، ومتحدياً المجتمع الدولي الذي يستمر بضرب عرض الحائط بقراراته.
هذه الوعود من الواضح أنها جاءت تزامناً وخدمة للترويج الإعلامي الكبير وتصريحات مسؤولي النظام للإجراءات التي يدعي القيام بها لمكافحة الفساد وتشديد المخالفات على التجار والمحتكرين والمستغلين، للسيطرة على الوضع الاقتصادي المتدهور، وتأمين الوقود ورغيف الخبز الذي أصبح أكبر حلم للمواطن السوري!
ما الغاية من الحماية؟
 السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كل هذه الإجراءات الاحترازية إذا كان في الأصل النفط والقمح وكل المواد الغذائية والطبية غير مشمولة بالعقوبات الغربية على النظام؟
والواقع أن هذا السؤال كان قد طُرح في كل مرة تعرضت فيها شحنات النفط الإيرانية المتوجهة إلى سوريا لهجمات، ما يزيد الشكوك حول أن تكون هذه الشحنات تحوي داخلها أسلحة ولوازم تصنيع حربي يستخدمها الإيرانيون لتطوير برنامج الصواريخ في مراكز البحوث التي يسيطرون عليها في سوريا.
وإلى جانب ذلك، فإن الأمر يخفي في طياته أبعاداً سياسية وعسكرية، بينها استعراض روسي للقوة، فسوريا أصبحت ساحة صراع وصندوق بريد لتبادل الرسائل بين روسيا وإيران من جهة والولايات المتحدة والغرب وإسرائيل من جهة أخرى، وهو استعراض يمكن وضعه في إطار الرد على الإجراءات الأميركية الأخيرة ضد موسكو، بعد أن أدرجت واشنطن شركات روسية جديدة في القائمة السوداء وطردت دبلوماسيين روس ومنعت البنوك الأميركية من شراء السندات السيادية من البنك المركزي الروسي والصندوق الوطني للثروة ووزارة المالية.
على العموم وبغض النظر عن قدرة روسيا على تنفيذ وعودها بحماية هذه الشحنات من عدمها ألا أن الهدف الحقيقي لهذه الخطوة يعتقد أنه يتركز حول توجيه رسائل روسية لمختلف الأطراف تتعلق بملفات أخرى.
- أول هذه الرسائل أن هذه الخطوة الروسية (التحرك في مياه الشرق الأوسط لحماية شاحنات نفط إيرانية) تعبر عن إرادة موسكو بخرق خطوط اللعبة والسيطرة التي تم رسمها منذ منتصف القرن الماضي في المنطقة.
- الثانية للقول إن الروس باتوا اليوم أشد تمسكاً بالنظام من أي وقت سابق، وما إقامة الاحتفال بعيد الجلاء في قاعدة حميميم العسكرية الروسية إلا إشارة لفرنسا وأوروبا والولايات المتحدة، بأن روسيا أصبحت تحتل مكانهم في المنطقة التي لطالما اعتُبرت ساحة نفوذ غربي، ما يعزز من موقف موسكو في الملفات الأخرى المشتبكة فيها مع الغرب، مثل الملف الأوكراني.
- يشجع روسيا على كل ما سبق، أن الرهان على تصعيد الموقف الأميركي الغربي في الشرق الأوسط، بما يتجاوز التصريحات أصبح رهاناً ضعيفاً، في ظل وجود إدارة بايدن وسياستها الذاهبة نحو عقد مساومات وصفقات على حساب القضية السورية والقضايا العربية في المنطقة، خاصة في الملف النووي الإيراني.
لكن رغم كل ما سبق، فإن من اللافت للنظر بحق أن يكون حليفا روسيا الرئيسيان في المنطقة، النظام السوري وإيران، هما من يشكك بقدرة موسكو على القيام بما تعد به وعلى تنفيذ ما تحلم به، فهل هو تشكيك بهدف تشجيع روسيا على التصعيد والبدء بترجمة عملية لتصريحاتها ورسائلها، أم رغبة في الحد من النفوذ والهيمنة الروسية في سوريا؟
يبدو موضوع استهداف السفن جزءاً من الصراع الدولي الكبير، خصوصاً بعد كشف إسرائيل عن استهدافها لعشرات السفن الإيرانية خلال الفترة الماضية، لكن إسرائيل لا ترغب بخنق النظام وإضعافه لدرجة السقوط وخاصة قبل الانتخابات.
وإن صحّت المعلومات أن إسرائيل هي من استهدفت ناقلة النفط الإيرانية في مرفأ بانياس بطائرة مسيّرة، فما الفائدة من الترفيق والحماية الروسية لهذه الناقلات، اذا كانت سُتضرب في عقر دار النظام، فالسماء السورية والأراضي السورية مُستباحة لسلاح الجو الإسرائيلي الذي لا يُمرر أسبوع دون أن يقصف المواقع الإيرانية ومواقع حزب الله ومطارات النظام وقواعده الجوية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها