آخر تحديث:11:08(بيروت)
السبت 16/02/2019
share

سوريا: تحرير قطاع الطاقة.. وأزمة المحروقات المفتعلة

علي أسعد | السبت 16/02/2019
شارك المقال :
سوريا: تحرير قطاع الطاقة.. وأزمة المحروقات المفتعلة (انترنت)
تمضي الحياة رتيبة في مناطق سيطرة النظام، رغم العيش على وقع أزمات متلاحقة باتت مزمنة، كانقطاع المحروقات والكهرباء. ومع تفاقم أزمة قطاع الطاقة العام، يبدو أن جزءاً منها مفتعلاً، بغرض تحريره كلياً، أو الدخول بشراكة مع القطاع "الخاص".

أزمة الغاز، التي تسبب بها "المواطنون الشرفاء" حيناً و"الجشعون" أحياناً، بحسب تبريرات الحكومة، لم تحل رغم مرور ثلاثة أشهر عليها. وطوابير المنتظرين للغاز تمتد لكيلومترات. أطول طابورين شهدتهما مدينتا اللاذقية وجبلة، الخزان البشري للجيش والقوات المسلحة.

الحكومة أعلنت في أكثر من مناسبة، أن سبب أزمة الغاز هو مفاعيل العقوبات الدولية، واعتراض سفن محملة بالوقود متجهة إلى سوريا في قناة السويس. ورغم تأثير العقوبات على شواحن الغاز إلى سوريا، إلا أنها لا تفسر أزمة بقية المشتقات النفطية.

حقول الغاز التي عادت إلى الخدمة، بعد استعادة قوات النظام السيطرة عليها، لا تغذي محطات الطاقة الكهربائية، لأسباب مجهولة. وتتناوب وزارتا النفط والكهرباء، على رمي الاتهامات بالتقصير، بينهما.

الكهرباء في أسوأ أحوالها منذ بداية الحرب. التقنين، بحده الأدنى للمناطق المتوسطة والشعبية، بات يتجاوز 12 ساعة يومياً، عدا الأعطال المتكررة. وتنقطع الكهرباء عن بعض المناطق لأيام، قبل اصلاح الأعطال. وقد تنقطع الكهرباء بشكل نهائي عن بعض مناطق المخالفات الشعبية، أو تلك التي كانت خارج سيطرة النظام حتى فترة قريبة، بحجج واهية. ويعود ذلك إلى مخططات إعادة الاعمار، التي هي في العمق استملاك لمناطق العشوائيات وطرد للسكان منها.

نعمة المازوت أصبحت من المنسيات، إذ يحق للعائلة الواحدة 200 ليتر سنوياً للتدفئة. وعدا عن قلة الكمية الرسمية المخصصة للعائلات، فالأزمة بأنها لا تصل إلى مُستحقيها، وإن وصلت فهي متأخرة، وبعد دفع الرشوات للجهات المسؤولة.

أزمة البنزين قادمة لا محالة، بعدما تم تحديد حصص يومية للسيارات العامة والخاصة، ومحاولة "ضبط الاستهلاك والتهريب" من خلال "البطاقة الذكية" المرتبطة بالانترنت، في بلد يعاني فيه قطاع الاتصالات من مشاكل جمة أولها عدم انتظام الخدمة. الحديث يجري حالياً عن تقنين الغاز المنزلي بالبطاقة الذكية أيضاً.

وقبل اجبار السيارات على استخدام "البطاقة الذكية"، طُبّقت الفكرة على "بطاقة الطاقة المنزلية" التي تُمنح للعائلات فقط. إذا لم تكن متزوجاً، فأنت محروم من البطاقة، وبالتالي الطاقة.

وإن كان البعض يحيل الأزمة الطاقية إلى مفاعيل "الحرب الكونية" على سوريا، فإن هذه الأزمات مستمرة منذ ما قبل اندلاع الصراع، وربما كانت أحد أسبابها. فأزمات الطاقة كانت تتواتر سنوياً، لفترات قصيرة، وكانت "الحكومة" تبررها دوما بالطريقة ذاتها؛ العقوبات، الحرب في العراق، أزمات استيراد، ارتفاع الاسعار العالمية، ارتفاع فاتورة دعم المشتقات النفطية.

السبب الأبرز للأزمة، هو محاولة لبرلة قطاع الطاقة منذ منتصف العقد الماضي. وتمّ التسويق حينها، لتحرير قطاع الطاقة بشعارات مختلفة، من "ايصال الدعم إلى مستحقيه"، قبل تطبيق النظرية البديعة في "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وصولاً للتشاركية مع القطاع "الخاص" السوري. والقطاع "الخاص" السوري، هو شريحة رجال أعمال مقربين من دائرة النظام المُصغّرة، ممن يحظون باحتكار موارد الانتاج، والغاء المنافسة، وتسخير مؤسسات الدولة لخدمتهم.

واليوم، على ضوء أزمة الطاقة، يُعاد طرح التشاركية، بمعنى دخول القطاع "الخاص" إلى توليد الكهرباء واستيراد وشراء المشتقات النفطية، بالأسعار العالمية. ويعني ذلك، بيع الكهرباء المنزلية والصناعية، بالأسعار العالمية. هنا، تبدو أزمة قطاع الطاقة قابلة للتفسير، بأن جزءاً منها، على الأقل، مفتعلٌ.

تحرير قطاع الطاقة السوري، أو تطبيق التشاركية، سيتسبب بانهيار ما تبقى من الزراعة والصناعة. إذ سيخفض ذلك الميزة التنافسية لقطاعي الزراعة والصناعة، بسبب زيادة الفاتورة الطاقية. وكان رفع أسعار المحروقات والأسمدة قد ساهم بموجة نزوح مليونية منذ العام 2007 من أرياف الحسكة وديرالزور والرقة باتجاه المدن الكبرى. وترافق ذلك مع أكبر موجة جفاف عاشتها سوريا منذ منتصف العقد الماضي. الغاء الضرائب الحمائية تسبب بتدمير الصناعة السورية، التي عجزت عن المنافسة بعد فتح الأسواق للمنتجات الاسيوية والتركية.

تحرير قطاع الطاقة سيعمل على تصعيد الأزمات المعيشية للسوريين المنهكين اقتصادياً. أجور العاملين متآكلة أصلاً بسبب انهيار الليرة، وزيادة الأجور اللاحقة، المفترضة، لتغطية الزيادة في فاتورة الطاقة ستضيف المزيد من الضغوط على الصناعة والزراعة.

هذه الحزمة من رفع أسعار الطاقة، والضغوط الاقتصادية المتواترة والمتتالية، ستؤدي حتماً إلى قفزات تضخمية، لن تجد حلاً لها إلا بتعويم سعر صرف الليرة السورية. وهذا ما يبدو أنه مخططاً من قبل "المركزي السوري"، الذي لم يحرك ساكناً لمواجهة الانخفاض التدريجي في سعر صرف الليرة منذ شهور.

تحرير قطاع الطاقة، وبيعه لحيتان رجال الأعمال المقربين من النظام، أو مشاركتهم به بالحد الأدنى، سيتسبب بالمزيد من الأزمات، ليس أقلها الانهيار الاقتصادي.

لكن القطاع "الخاص" السوري أضعف من أن يموّل مشاريع محطات توليد الكهرباء، التي ستكلف بناها التحتية مليارات الدولارات. وعدا عن ضعف قدرة القطاع "الخاص" الفنية والمالية، فإن تأثير العقوبات الغربية الأخيرة، التي ضمّت أبرز رجال أعمال النظام، قد يعيق دخول الشركات الأجنبية في شراكة معهم، أو تمويل مشاريعهم من قبل مؤسسات دولية.

وفي كل ذلك، ليس أمام السوري إلا أن التأقلم مع شظف العيش، ما دامت "حكومته" منفصلة عن الواقع، لا تفكر إلا بالمشاريع الكبرى و"إعادة الإعمار" المحابية للقطاع "الخاص". وذلك، في وقت لا تستطيع ايصال الكهرباء إلى مناطق رئيسية في العاصمة دمشق، وتدير اقتصاد بلد منهك، بعقلية الدكنجي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها