لا "شاي لاتيه" بعد اليوم

حنين شبشول
الخميس   2016/10/06
طلبت "الشاي بالحليب" المفضل لدي وكانت آخر حصة لديهم من نصيبي (المدن)
جئت إلى بيروت في أيلول 2011. لم أكن حينها على ما أنا عليه اليوم. أذكر جيداً ذاك اليوم الذي أوصلني أهلي فيه إلى الجامعة لأبدأ حياة جديدة في بيروت. كنت بحالة من التأهب والتشوق لما ينتظرني. فقد سمعت كثيراً عن بيروت والحياة فيها. كانت شقيقة صديقتي أيام المدرسة تسكن في بيروت. كنت أنظر إليها بطريقة غريبة وأرسم قصصاً في مخيلتي. لم تكن الابتسامة تفارق وجهها، وكانت تتحدث كثيراً عما كانت تفعله في بيروت، وكيف هي الحياة هنا. بدأت مخططاتي لبيروت منذ ذلك الحين. 


لم تكن الأمور في البداية كما تخيلتها. لم أقدر أن أستوعب فكرة الصخب والزحمة، وكيف أن هذه المدينة لا تنام. لم أشعر أن وجودي فيها أحدث فارقاً، مثلي مثل أي كائن آخر. وكان صعباً أن أتقبل ذلك. لم أكره بيروت وقتها، لكن شعرت بالغربة. كنت أبحث عن الانتماء ربما. عندما تركت بعلبك تركت ورائي الكثير، فلم تعد هذه المدينة تشبهني لا بناسها ولا أجوائها. فقدت شعوري بالانتماء إليها وتأملت أن تُحدث بيروت الفرق.

لكن الواقع كان مختلفاً في البداية. أذكر جملة قالها لي أستاذي الذي كنت أشكو إليه ما أعانيه هنا. قال لي: "يبدأ شعورنا بالانتماء عندما نخلق روتيناً معيناً لحياتنا في المكان الذي نعيش فيه. عليكِ أن تخلقي هذا الروتين". أخبرني أنه عندما كان يعيش في الخارج كان يقصد المقهى نفسه يومياً، في وقت محدد، ويطلب الطلب ذاته. لم يعد بحاجة لأن يردد للعاملين طلبه، أصبحوا يحضرونه فور دخوله.

اقتنعت بما قاله لي أستاذي وبدأت رحلة البحث عن المكان الذي سيشعرني بالانتماء إلى هذه المدينة لأخلق فيه روتيناً يومياً. كنت على يقين أنه سيكون في الحمرا. فرغم كل شيء لم أشعر قط بالغربة هناك. جربت أماكن كثيرة. من مطاعم، إلى كوفي-شوب، إلى مقاه، شارع الحمرا منذ بدايته حتى نهايته.

"ستاربكس: ما فينا ندعم الإمبريالية. كاريبو: عجقة، ومش مريح. دانكن: كله فنانين. يونس: تجمع المثقفين. كوستا: كتير مفلسفين". لم يكن أمامي سوى كوفي بين.

غريبة كانت طبيعة العلاقة مع هذا المكان. كنت أذهب في الأسبوع مرتين تقريباً للدراسة أو القراءة، ولم أكن قد اعتدت على فكرة أن أقصد مكاناً ما وحيدة. سرعان ما تطورت العلاقة مع المكان والأشخاص. بات العاملون هناك يعرفونني، وصرت أخوض معهم أحاديث يومية. نعم، صرت أذهب كل يوم. وأقضي هناك ساعات طويلة. بدأت أتعرف على الأشخاص الذين كنت أعرف معظمهم من خلال العالم الافتراضي.

في السنوات الثلاث الماضية، أصبح هذا المكان الجزء الوحيد الثابت من روتيني اليومي. ولفترة، كان الروتين الوحيد. كونت علاقة مع المكان بحد ذاته قبل الأشخاص الذين يرتادونه بشكل دائم، مثلي. لقد استطعت حفظ كل تفصيل فيه. من دوام العاملين، إلى دوام الزوار، إلى مواعيد التنظيف، إلى آخره. حتى أنني كنت ألاحظ عندما يغيرون مكوناً في قهوتي أو يغيرون نوع المعقم الذي يستعملونه في التنظيف، وكونت قدرة لأعرف الطاولة التي يجب إصلاحها أو الكرسي المريح، وصرت أسأل العاملين عن ذاك الرجل المسن، الذي يأتي كل يوم وكنت قد حفظت مواعيده، وصرت أتحاشى الجلوس بالقرب منه لأنه كان يزعجني في الحقيقة. كنت أراقب كل تفصيل. الأكيد، أنني كنت أقضي في ذاك المكان وقتاً أكثر مما كنت أقضي في منزلي. لدرجة كان رفاقي يقولون لي إن الإدارة أحق من صاحب منزلي بالايجار الذي أدفعه.

"جماعة الكوفي بين"، هذه هي التسمية التي يطلقها الناس علينا. فنحن قد اتفقنا ضمنياً على أن نلتقي كل يوم في هذا المكان. البعض منا يطلقون عليه اسم "الصالون". فشكل جلساتنا، وطبيعة أحاديثنا، وحتى الطريقة التي نجلس فيها لا تختلف عن كوننا في صالونات بيوتنا. ولاحقاً، صرنا نحضر رفاقنا من خارج هذه الدائرة لنعرفهم إلى "فقاعتنا الشخصية" ونشرح لهم تقاليدنا وطقوسنا. خلال النهار، ترانا ننهي أعمالنا التي لا يمكن أن نقوم بها هناك ونذهب من دون أن نفكر.

الأربعاء، في 5 تشرين الأول، كان اليوم الأخير لكوفي بين في الحمرا. سيغلق المقهى لأسباب مادية، كما يقول العاملون فيه. لقد كان هذا الكلام يتردد في الآونة الأخيرة بيننا، لكن لم يكن أكيداً. منذ أسبوعين أكدوا لنا أنهم تبلغوا الخبر وأن المقهى سيقفل.

البارحة، ذهبت لأودع المكان والأشخاص. طلبت "شاي لاتيه" المفضل لدي، وكانت آخر حصة لديهم من نصيبي، وكنت آخر من غادر بطبيعة الحال. لقد حجز هذا المكان موقعاً أساسياً في تكوين انتمائي للمدينة، بل انه شكل جزءاً أساسياً منها. لا أخفي أنني سأشعر بنوع من الغربة مجدداً كوني فقدت هذا الروتين. ولا أستطيع حتى الساعة أن أعرف أين سأختبئ عندما تمطر في الشتاء، وأين سأترك أغراضي عندما يكون لدي اجتماع ما، وأين سأسهر لأنهي مقالاً أو أخوض نقاشات مع أشخاص لا أعرفهم في الواقع، لكن يجمعنا هذا المكان. الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني سأغادر عملي اليوم وأنا آمل أن يكون الاقفال أحد مقالب الكاميرا الخفية، لأذهب وأستمتع مجدداً بكوب "شاي لاتيه".