اميركا والمعضلة الروسية

حسين عبد الحسين
الأربعاء   2017/09/13

تداولت الاوساط الحكومية الاميركية تقارير مفادها ان موسكو تساهم في تأزيم الوضع الدولي مع كوريا الشمالية. وافادت التقارير ان اجزاء كبيرة من الصواريخ الكورية الشمالية التي تم تجريبها مؤخرا كانت روسية الصنع. ويعتقد الاميركيون ان موسكو تشارك في صناعة المشكلة الكورية حتى تلعب دورا في الحل، كما بدا في استضافة روسيا للقاء هدف لتسوية مع الكوريين الشماليين. اما هدف موسكو الأبعد، فادارة ديبلوماسية دولية من دون واشنطن.


والتصرف الروسي في كوريا الشمالية لا يختلف عمّا فعلته، وماتزال تفعله موسكو، في الشرق الاوسط، حيث تتدخل عسكريا لمصلحة الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا، وتحاول ان تصنع منه حليفا يعتمد عليها، ثم تسوق ديبلوماسيتها، المبنية على نفوذها لديه، للتوصل الى تسوية سورية، ايضا من دون الاميركيين، وهي تسوية ظهرت بوادرها في الاتفاقيات الروسية الايرانية التركية، من دون الاميركيين، لرسم مناطق خفض تصعيد وضمان الهدنة فيها.


ومن كوريا الشمالية وسوريا الى الخليج، حيث تعتقد وكالات حكومية اميركية ان موسكو ساهمت في الاشراف على قيام دولة الامارات العربية في الاختراق الالكتروني ضد وكالة الانباء القطرية (قنا)، وهو الاختراق الذي اشعل أزمة الخليج قبل ستة اسابيع، ليطلّ وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف في زيارة لعواصم الأزمة، مقدما نفسه كصانع سلام.  


الاسلوب الروسي في محاولة انتزاع صدارة الديبلوماسية العالمية ليس حديثا، بل هو من زمن السوفيات، وهو الاسلوب الذي تبناه وبرع به الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي كان يدعم حركات التحرر العالمية بيد، ويقبض على ناشطيها وقادتها باليد الأخرى، ويسلمهم للغرب على انهم ارهابيون، فتصبح قيمته غربيا عالية، وتتم دعوته الى كل مؤتمرات السلام العلنية، ولقاءات الاقبية الاستخباراتية.


حتى ان الأسد استخدم الصراع العربي الاسرائيلي برمته في سياق تسويق نفسه صانع سلام عالميا، فهو كان يشعل حدود لبنان مع اسرائيل، فيما يضبط الجولان ويرسل وزير خارجيته فاروق الشرع ليتسامر ورئيس حكومة اسرائيل السابق ايهود باراك في منتجع كامب دايفد الرئاسي الاميركي.


اسلوب الأسد هذا وضعه في مواجهة مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، اذ لم يألُ الأسد جهدا لتقويض عرفات وتقديم نفسه بديلا عن القيادة الفلسطينية، والتفاوض مع اسرائيل والغرب باسم الفلسطينيين. هذا يعني ان كل طلقة قدمها نظام الأسد الى ”حركات التحرر“ العالمي، بما فيها بعض الفصائل الفلسطينية، كانت بهدف توريط هؤلاء في مواجهات ضد الغرب، ثم تقديمهم قرابين زعامته الاقليمية، حتى اتى اليوم الذي وجد الأسد الابن نفسه مدعوما من قوى تسعى نفسها للسيطرة على قراره، وبناء زعامتها الدولية على حسابه.


والاسلوب الروسي السوري هو نفسه الذي تبنته ايران امام اميركا في افغانستان والعراق، فاجبرت الرئيس جورج بوش الابن على ايفاد سفيره ريان كروكر سرا الى جنيف للقاء كبار المسؤولين الايرانيين، وفتح قناة ديبلوماسية مازالت قائمة حتى اليوم، على جثث عرب سوريين وعراقيين كثيرين، وما استمرار النزاع في الجنوب السوري الا مباراة بين ايران والأسد وروسيا حول من يمسك بحدود سوريا مع اسرائيل، حتى يبتز الغرب وأميركا، ويصبح نجم الديبلوماسية الدولية، وصانع سلام الحروب التي يشعلها.


الولايات المتحدة تدرك ان روسيا تشاغب لتسيطر على الديبلوماسية العالمية. على ان مشكلة اميركا تكمن في انها تدرك ان اللعبة الروسية اصابت القلب الاميركي في الصميم: رئيس في البيت الابيض مدين ماليا للمافيا المالية الروسية، ومتواطئ مع الروس في اختراق الحسابات الالكترونية الاميركية والتلاعب بالعملية الانتخابية.


وحتى يحسم الاميركيون مصيرهم بالتخلص من دونالد ترامب والكابوس الروسي، ان هم نجحوا في ذلك، ستبقى زعامتهم العالمية مهزوزة، وهو ما يسمح لموسكو بالمزيد من التوسع وصناعة تحالفات مع دول تحكمها مجموعات تشبه الحكم الروسي في تسلطه داخليا ومشاغبته دوليا.