"الأعشاب المتألمة"

سليم البيك
الثلاثاء   2013/03/19
 لم يحن الوقت ربما لإنتاج أفلام تتناول الثورة السورية التي دخلت عامها الثالث، والمستمرة بزخم قد يفوق كل ما اختُبر في مراحل سابقة. أما الأفلام التي تتناول مرحلة معينة من هذه الثورة، فأمر آخر، وهو ما قامت به المخرجة البرازيلية/الكورية، إيارا لي، في شريطها الوثائقي "الأعشاب المتألمة: عندما تتقاتل الفيَلة، فإن العشب هو الذي يتألم".
لا يحكي الفيلم عن الثورة ككل، بل عن مراحلها الأولى، السلميّة تحديداً، مقدّماً بوادر المقاومة المسلحة والانشقاقات الأولى التي ولّفت "الجيش الحر"، إضافة إلى نقله مخيمات اللاجئين في تركيا، حيث صوّر، قبل المعاناة، إصرارهم على العودة إلى قراهم ومدنهم وقد حُرّرت من "احتلال جيش النظام" كما يقولون. كذلك، تنقل المخرجة بعضاً من ردود أفعال الناس العاديين في الغرب، والذين سنكتشف أنهم لا يعرفون شيئاً عن الثورة واللاجئين حينما يُسألون عن ذلك. ويتوقف الفيلم عند تظاهرات أممية للتضامن مع السوريين وثورتهم.
تقول إيارا لـ"المدن"، عن تصويرها مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا، "إن العقبة الأساسية في ذلك كانت الإجراءات البيروقراطية التركية التي أخّرت التصوير، ثم الحراسة الأمنية المشددة على المخيمات، والتضييق على الزائرين غير الرسميين"، مثلها. أما بخصوص اللاجئين أنفسهم، وبعد الوصول إليهم، "فلم يترددوا إجمالاً في الحديث عن تجاربهم المريعة مع النظام، وأوضاعهم الحالية والسابقة تحت القصف، وهجمات النظام وقواته". كانت غالبية مَن قابلتْهم من الناشطين السلميين، ممن اضطروا إلى اللجوء إلى تركيا، إضافة إلى آخرين ممن شاركوا في العمليات المسلحة "للجيش السوري الحر".
إيارا، المؤيدة لأساليب النضال السلمية من حيث المبدأ، بغض النظر عن القضية، تقول إنها لاقت صعوبة أثناء المونتاج، في اتخاذ قرار بشأن المساحة التي ستمنحها في الفيلم لمؤيدي عمليات "الجيش الحر". لكنها في النهاية نقلتها، كما نقلت صوراً لعناصر "الجيش الحر" في حمص وغيرها، موضحة بأن ذلك "نتيجة منطقية للعنف الذي يمارسه النظام على المدنيين"، وهو الرأي الغالب بين اللاجئين.
هدف إيارا الأساسي، كمخرجة وثائقية، هو تحريض الناس على العمل من أجل أن يسود السلام والعدالة في هذا العالم. تسعى إلى ذلك من خلال أفلامها، محاولةً إقناع الناس بأن يقوموا بشيء ما، لا أن يكتفوا بالنقاش حول علل المجتمعات ومدى حاجتها إلى العدالة. لا شك في أن الأفلام الوثائقية من الوسائط الأكثر فاعلية في إيصال حقائق للناس، لكن الأهم أن يطرح الوثائقي أفكاراً ويستثير نقاشاً. وهذا ما نلحظه في «الأعشاب المتألمة»، حيث تحث المخرجة المشاهدين، في الغرب تحديداً، على التفكير جدياً في الوسائل الأنسب لخدمة هذه الثورة، أكانت إنسانية أو سياسية أو فنية ثقافية.
في فيلمها الأول "ثقافات المقاومة"، تقدّم إيارا لي مداخل متتالية لقضايا ونضالات لم يسمع بها كثيرون، وتحديداً في أميركا اللاتينية وإفريقيا. فيلم كهذا لا بدّ من مشاهدته لمعرفة المزيد عن تلك القضايا. هذا ما حاولتْه إيارا في "ثقافات المقاومة"، ثم في فيلمها الأخير عن الثورة السورية، والموجّه إلى المُشاهد الغربي أساساً، وتحديداً المُشاهد الذي لم يسمع بثورة في سوريا، أو بلاجئين تفيد الأمم المتحدة بأن عددهم بلغ المليون.
يحتوي الفيلم على الكثير من البديهيات بالنسبة إلى مُشاهد عربي. قد يكون رتيباً في حديثه عن بدايات الثورة، في مقاربة مراحل تطورها. لكنه أساسي لمشاهدين مثل أولئك الذين التقتهم المخرجة في شوارع أوروبا وسألتهم عن الثورة واللاجئين، ولم تعرف غالبيتهم شيئاً عما يحصل في سوريا، بل هناك من لم يعرف أين تقع دمشق.
ربما تجنّب الفيلم الغوص عميقاً في مسألة النضال المسلّح، ليركز على المقاومة السلمية والثقافية في المقابل. لم يكن ذلك صعباً، إذ يتناول "الأعشاب المتألمة" السنة الأولى من ثورة بدأت سلمية واستمرّت كذلك إلى حين، بل إن بعضاً من تلك السلمية مستمر إلى اليوم. لكن اللاجئين قاربوا الموضوع في شكل مختلف نوعاً ما، فتساءلوا ببساطة: ما الذي يمكن أن نفعله إذاً؟ اليوم، وفي المراحل المتقدمة من هذه الثورة، لم يعد السؤال يُطرح بهذه الطريقة، والجواب بطبيعة الحال صار حاسماً.
*عُرض الفيلم في العديد من البلدان والمهرجانات والمراكز الإنسانية والثقافية، مثل "أمنيستي" و"بينك كود" وغيرها. ويعرض خلال آذار الجاري في أكثر من مهرجان، في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وأندونيسيا وغزة.
‫—