بدايات الإسلام في عهدة مؤرخين غربيين

زكي بيضون
الإثنين   2015/04/20
نقش تاريخي يدل على امرؤ القيس
في كتابها الأخير "بدايات الإسلام، أوتاد لتأريخ جديد"، تقدم المؤرخة الفرنسية الرائدة فرونسواز ميشو (Micheau) قراءة موسوعية ونقدية لكل ما كتب في العقود الأخيرة حول هذا الموضوع الإشكالي في الأوساط الأكاديمية الغربية.

قبل البدء بالعرض وتفادياً للإلتباس، من المفيد التوضيح أن كاتب هذه السطور ليس إلا ناقل محايد يحاول أن يكون أميناً. منذ البداية، توضح ميشو أن المؤرخين لم يتوصلوا بعد إلى رواية متماسكة وموضع اتفاق حول حقبة بداية الإسلام، الأمر الذي سبق أن أنجزوه بنجاح نسبي مع المسيحية واليهودية. هذا التاريخ يبدو لهم اليوم أشبه بورشة واعدة، وإن كان من المبكر التكهن بالشكل النهائي الذي ستفضي إليه، فالأرضية التي أرستها تتناقض بوضوح مع الرواية التراثية.

يكتشف القارىء مثلاً أن المؤرخين الغربيين يميلون بغالبيتهم العظمى إلى اعتبار تاريخ العرب قبل الإسلام، كما نقلته المصادر التراثية، رواية مفبركة وفولكلورية. بدلاً من بادية الجاهلية بقبائلها الهائمة وفرسانها الشعراء وثقافتها الشفوية، هم يقدمون لنا تاريخاً حضرياً غنياً وحافلاً بالإمارات والممالك والإمبراطوريات التي ترك كل منها إرثاً مكتوباً. في المقابل، يميزون بين تاريخ جنوب شبه الجزيرة، وتاريخ شمالها. وفقاً لهم، الجنوب كان على الدوام متقدماً ومهيمناً على الشمال، لكن في الفترة التي سبقت حقبة الغزوات العربية، أدى انهيار الحضارات الجنوبية، وأهمها امبراطورية حِميار التي اعتنقت اليهودية وضمت إليها كل الممالك الجنوبية وبسطت سلطانها على الشمال، إلى انتعاش وازدهار المراكز الحضرية التجارية الشمالية وتقوية شوكتها. يبقى أنهم يعتبرون، في معظمهم، أن هذا التاريخ العريق لم يكن عربياً بالمعنى اللغوي والهوياتي، أي أن الحضارات والجماعات التي صنعته تكلمت وكتبت العديد من اللغات التي ترتبط بصلات قرابة مع العربية، إلا أن العربية القرآنية كما نعرفها لم تأخذ صيغتها النهائية وتتمأسس إلا في وقت متأخر من العهد الأموي، كما أن الحضارات والجماعات المعنية لم تكن تطلق على نفسها تسمية "العرب".

لدى حضارات الشرق الأوسط القديمة، وبينها حضارات جنوب شبه الجزيرة العربية، كان هذا اللفظ يستعمل  للإشارة إلى جماعات البدو التي تعتاش من تربية الجمال في البراري والصحاري الممتدة من النيل إلى الفرات. من جهة أخرى، وبعد ضمهم إلى مملكة النبطيين، أطلق الرومان اللفظ على محافظة أنشأوها في الضفة الغربية وسيناء وشمال غربي شبه الجزيرة العربية. اللفظ إذاً كان يستعمل من الخارج للدلالة على جماعات متعددة لا ندري كيف كانت تسمي نفسها. يعتبر المؤرخون أن الشواهد القليلة جداً على تجوين (من جواني) التسمية، على غرار النقش الضريحي الذي يقدم الملك امرؤ القيس بوصفه "ملك كل العرب"، لا تكفي وفق المعايير التأريخية للدلالة على وجود جماعة سمت نفسها بهذا الإسم قبل الإسلام، وبالتالي هم يميلون إلى اعتبار أن غالبية الغزاة القادمين من شمالي شبه الجزيرة العربية لم تكن تسمي نفسها كذلك. هؤلاء لم يكونوا بعيدين ثقافياً وحضارياً عن الحضارات التي غزوها وهم أتوا من المراكز الحضرية الشمالية وهوامشها التي تنبهنا ميشو أنها لم تكن تضم مجتمعاً قبلياً بالمعنى المتعارف عليه، فما يوحّد أفراد القبيلة لم يكن رابط الدم، بل أمور أخرى على غرار المصالح مشتركة أو الولاء لزعيم واحد أو عبادة الآلهة نفسها (يتبع أن الفرد كان بوسعه أن يغير قبيلته عند الحاجة). هي تعتبر كذلك أن مؤرخي العصر العباسي ألحقوا الإضافة "بنو" بأسماء القبائل الي كانت تحيل في الأصل إلى أسماء أمكنة وأسماء علم وليس إلى جد مشترك.

فقط عندما نفهم المصطلح "قبيلة" بالمعنى الأول (أي بمعنى جماعة أو عصبة)، يسعنا القول أن الجيش الغازي كان يتألف من كونفدرالية قبائل يرجح معظم المؤرخين أن يكون محمد التاريخي قد أرساها. على ذمة هؤلاء، هذا الكيان الكونفدرالي كان في حال انقسام وتنازع مستمر بين أقطابه منذ موت أبيه المؤسس ووصول أبي بكر في سياق مأزوم إلى السلطة (بخلاف الرواية التراثية) حتى نهاية العهد الأموي. في هذا السياق، توعز ميشو أن أسطورة الجاهلية، كما ترسخت في العصر العباسي، إنما تحاكي على نحو رمزي واقع وتاريخ هذا الكيان المأزوم الذي روجت الدولة العباسية لنفسها بوصفها خلاصه الموعود.

أما عن شخص محمد التاريخي، فيميل المؤرخون إلى اعتبار السِيَر النبوية روايات فولكلورية، لكنهم ينسبون بعض الصدقية إلى القرآن ووثيقة المدينة بهذا الشأن. هم لا يستبعدون البتة أن يكون هذا الزعيم الذي فرض نفسه حكماً بين القبائل كان كذلك داعية استخدم الوازع الديني، لكنهم يعتبرون بمعظمهم أنه خاطبها بلغتها ومعتقداتها المتأرجحة بين اليهوديات التبشيرية والمسيحيات والمانوية ولم يسع لإحداث تغيير جذري فيها. تلك الكونفدرالية القبلية التي أرساها محمد (وترجح ميشو بالإستناد إلى القرآن أن اسمه الفعلي كان أحمد و"محمد" لم يكن في البداية سوى صفة تبجيل) صار يعرّف أفرادها عن أنفسهم باسم المؤمنين. ويعتبر عدد كبير من المؤرخين أن المصطلح في الأساس لم يكن يحيل إلى الإيمان بالله، بل هو مشتق من "يَأمن لِ" ويعبر عن عقد الأمان المشترك الذي التزمت به القبائل المتنازعة في يثرب بإشراف محمد. كذلك هم يميلون إلى اعتبار الإسلام، كدين مستقل، نتاجاً متأخراً للعهد الأموي. وفقاً لهم، لم تكن لأمة المؤمنين الأولى هوية دينية واضحة المعالم ومعتقداتهم لم تكن تتمايز عن محيطهم، بل كانت أقرب إلى يهودية تبشيرية مطعمة بالمسيحية تتخذ من القدس والنبي ابراهيم والمراجع التوراتية وجهتها من دون مرجع مؤسساتي.

في هذا الإطار، يظهر عبد الملك بين مروان في عرف المؤرخين بوصفه خليفة الإسلام الأول ومؤسسه الفعلي. بالإستناد إلى الكشوفات الأركيولوجية، هم يعتبرون أن عبد الملك هو الذي غيّر اتجاه القبلة من القدس إلى مكة، وكرّس نبوة محمد، وجعل منهما المرجعين الأساسيين لدين جديد مستقل مَأسسه وطوّبه باسم الإسلام وبنى عليه سلطة مركزية ثيوقراطية (على عكس الرموز والشعارات اليهودية والمسيحية، لا يوجد أي أثر لمحمد أو لشعارات بحت إسلامية في الوثائق والنقوش الرسمية والدينية لأمة المؤمنين قبل عهد عبد الملك). هو كذلك من أعطى القرآن والعربية الفصحى صيغتهما النهائية ومَأسسهما وعرّب المؤسسات وهو أول من أطلق على نفسه لقب "خليفة الله" بين أمراء المؤمنين، اللقب الذي أحل علماء العصر العباسي محله "خليفة رسول الله".

من جهة أخرى، ينسب المؤرخون الغربيون لتاريخ النص القرآني أهمية محورية، فهم يعتبرون هذا الأخير، في مراحل تشكله الغاية في التعقيد، سابقاً على الإسلام واللغة العربية الفصحى وشاهداً على الحاضنة الإجتماعية والثقافية التي خرجا منها. مثلاً، اعتمد كريستوف لوكسنبورغ (وهو اسم مستعار) منهجاً يقوم على إحالة العديد من التعابير القرآنية إلى جذرٍ سرياني والإستعاضة به عن المعنى العربي المكرس، الأمر الذي سمح باضفاء معنى واضح على العديد من المقاطع الغامضة والملتبسة، على غرار سورة الكوثر (اللفظ "كوثر" الذي حيّر الفقهاء يحيل في السريانية ـ الأرامية إلى المثابرة، المواظبة، أو الدأب، أما لفظ "الأبتر" فيحيل إلى "المغلوب").

على رغم التباين الكبير لطروحات الإختصاصيين في أصل القرآن، فالرأي الغالب، الذي تتبناه ميشو، يعتبر أن الأحاديث المنقولة عن محمد تشكل المادة الخام للجزء الأكبر (أو على الأقل لجزء كبير) من النص القرآني، وإن كان أصحاب هذا الرأي يسلّمون بأنه كان على تلك المادة الخام أن تخضع لمحصلة معقدة من الانتقاء والاجتزاء والتنقيح والتعديل والتحريف والترجمة (من اللسان الأول الذي نطق به محمد إلى العربية الفصحى المستحدثة) والإضافات اللاحقة قبل أنه تصل إلى صيغتها القرآنية (في المقابل نجد مؤرخين بارزين مثل لوكسنبورغ وفانسبروغ (Wansbrough) ونيفو (Nevo) وأوليغ (Ohlig) وبوين (Puin) يستغنون عن أي دور لمحمد في تاريخ القرآن، إلا أن هذا الرأي يبقى أقلوياً). بخلاف الرواية التراثية، تطلعنا ميشو أن الخليفة عبد الملك هو صاحب الفضل الرئيسي في جمع وتوحيد النص القرآني وفرض طبعة مقونَنَة أرسلت إلى كافة أنحاء الإمبراطورية (وفقاً لها، من المرجح أن يكون الحجاج بن يوسف هو من أشرف على هذه المهمة بأمر من الخليفة)، إلا أنه على الرغم من جهود السلطات لفرض قرآنها الرسمي، استمر تداول القرَائين الأخرى المنافسة لقرون، ولم يمنع إلا في القرن الميلادي العاشر.