تحالفات تركيا الجديدة بين "بيرقدار" و"إقنجي":دبلوماسية المسيّرات

بسمة بوزكري
الثلاثاء   2021/05/04
"رصاصة سحرية رخيصة وفتّاكة"... هكذا تصف صحيفة "دي فيلت" الألمانية المسيّرات التركية، التي تقول إنها حققت "ثورة" في الحروب العسكرية ووضعت تركيا في مصاف الدول المتقدمة في مجال التكنولوجيا العسكرية والدفاعية.

وبينما أنفق العالم عام 2020 حوالي تريليوني دولار على التسليح، وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، تمكنت المسيّرات التركية، التي تستخدم تكنولوجيا رخيصة، من قلب موازين القوى في ثلاثة حروب في المنطقة، كما تجاوزات الصادرات العسكرية التركية ملياري دولار العام الماضي، وفق أرقام رسمية.

لكن المراقبين يتحدثون أيضا عن دور آخر حققته المسيرات التركية، حيث ساهمت على مدى سنوات في منع هجمات واسعة من قبل قوات النظام السوري وشركائه الروس والإيرانيين على مدينة إدلب، وهو ما حال دون تدفق المزيد من اللاجئين على تركيا، التي تعاني حاليا صعوبات اقتصادية وخاصة في ظل تفاقم أزمة وباء كورونا.

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان كشف في آذار/مارس الماضي عن طلب السعودية شراء طائرات مسيّرة من أنقرة. وهو ما يعني أن المسيّرات التركية غيرت أيضا خريطة تحالفات تركيا في المنطقة، ويبدو أن الرياض القلقة من جارها الجنوبي، باتت تدرك جيدا أهمية التعاون مع أنقرة لمواجهة هجمات المسيّرات الحوثية التي نجحت أخيرا في الوصول إلى العمق السعودي.

وفي حديثه لـ"المدن"، يؤكد الباحث والمحلل السياسي التركي جاهد طوز أن الطائرات المسيّرة باتت تشكل "القوة الضاربة" بالنسبة لتركيا، وقد غيّرت موازين القوى في المنطقة بدءاً بشمال سوريا والعراق ومرورا بليبيا وليس انتهاء بإقليم "قره باغ" الأذربيجاني، مشيرا إلى أن طائرات "بيرقدار" و"إقنجي" وغيرها باتت منافساً حقيقياً للطائرات العسكرية التقليدية، وهذا ما يفسر الإقبال الكبير عليها من قبل دول عديدة كأذربيجان وأوكرانيا والمغرب وغيرها.

وهو ما ذهب إليه المدير الفني لشركة "بايكار" التركية للصناعات الدفاعية سلجوق بيرقدار في رده على شطب تركيا رسميا من برنامج الطائرات الأميركية المقاتلة "إف-35". 

بيرقدار قال في تغريدة، إن تركيا تستعد لسباقات المستقبل وتركز على تطوير طائرات حربية بدون طيار منخفضة التكلفة ومجهزة بذكاء اصطناعي، بدلاً من إنتاج طائرة شبيهة ب"إف-35" في غضون 15 إلى 20 عاماً، مشيراً إلى أن هذ سيجعل بلاده واحدة من الدول الرائدة في هذا المجال.

ويقول طوز: "قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم كانت تركيا تنتج 16 في المئة فقط من حاجتها للأسلحة، وكان الإنتاج حينها مقتصراً على الأسلحة الخفيفة، أما اليوم فإن 78 من الأسلحة التي يستخدمها الجيش التركي هي صناعة محلية. وهذا التطور العسكري سيؤثر مستقبلاً على سياسات تركيا وعلاقاتها مع الدول الأخرى، التي ستأخذ هذه التطورات بعين الاعتبار".

لكنه يتحدث عن دور آخر تقوم به المسيّرات التركية ويتعلق بمكافحة "الإرهاب". فبحسب طوز "كان عناصر حزب العمال الكردستاني متواجدين داخل البلاد ويقومون بعمليات عسكرية داخل الأراضي التركية، ولكن بعد التطورات التركية في المجال العسكري، تمّ دحر هذه العناصر إلى شمال العراق وسوريا، فيما تواصل المسيّرات التركية مراقبة هذه المنظمات في المنطقة حتى لا تشكل تهديداً للأمن القومي التركي".

طوز يرى أيضاً أن التدخل العسكري التركي في إدلب والدعم المتواصل للمعارضة السورية "حال دون تنفيذ مجزرة جماعية من قبل قوات الأسد المدعومة من الميليشيات الإيرانية والطيران الروسي ضد ثلاثة ملايين سوري محاصرين في هذه المدينة السورية المنكوبة".

وساهمت العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، التي بدأت مع "درع الفرات" وانتهت بـ"درع الربيع"، في إجبار قوات النظام السوري على الانسحاب من مناطق خفض التوتر على الحدود مع تركيا.

ويبدو أن خيار المسيّرات أثبت نجاعته في توسيع حدود المنطقة الآمنة، والتي شهدت أخيرا عودة أكثر من 200 ألف لاجئ سوري، وفق مصادر تركية، فضلاً عن حماية الحدود الجنوبية من هجمات حزب العمال الكردستاني.

ويرى الباحث المتخصص في الشأن التركي طه عودة أوغلو أن المسيّرات التركية "حققت خلال العامين الماضيين ثورة في مجال تطور الصناعات الدفاعية التركية وذلك عقب إطلاق قنبلة ذكية بوزن 340 كيلو غراماً وحملها صواريخ جو-جو.".

ويضيف ل"المدن"، "بجب أن لا ننسى نجاحها في قلب موازين القوى لصالح حكومة الوفاق الوطني في ليبيا على حساب قوات حفتر، فضلا عن الانتصار الكبير الذي حققته أذربيجان على أرمينيا في معارك قره باغ، بفضل المسيّرات التركية".

أوغلو يؤكد أن التفوق العسكري الذي حققته المسيّرات التركية في المنطقة يجعلها "الدعامة الأساسية لسياسة تركيا الخارجية التي تركز على الأمن، فضلا عن رفع مكانتها في المنطقة وجعلها في موقف قوي في التفاوض والتسويات. وظهر ذلك بوضوح بعد عملية درع الربيع التي شنتها أنقرة في شباط/فبراير 2020 في شمال سوريا وغيرت من المعادلة العسكرية في المنطقة لحساب أنقرة ضد روسيا والنظام الأمر الذي دفع الروس للجلوس مع الأتراك وإبرام اتفاق جديد في 5 آذار/مارس 2020 لتثبيت وقف إطلاق النار في إدلب".

ويبدو أن نجاح المسيّرات التركية في حسم المعارك في كل من ليبيا وأذربيجان وشمال سوريا، قد يدفع أنقرة لاعتماد "دبلوماسية المسيّرات" في أي تسوية سياسية أو عسكرية في المنطقة، وخاصة في ظل الانفتاح الحذر تجاه عدد من خصوم الأمس على غرار السعودية ومصر والإمارات.