خطف الحوارنة في السويداء: خطف مضاد واتجار بالبشر

همام الخطيب
الأحد   2018/02/04
بدأت جريمة الخطف تأخذ طابع الجريمة المنظّمة (انترنت)
أصبحت جرائم الخطف في محافظة السويداء ظاهرة مستقرّة في مجتمع محافظة السويداء؛ فمن النادر أن يمرّ يوم من دون وقوع جريمة خطف. ووثق ناشطون من السويداء تعرّض أكثر من 350 شخصاً لجرائم خطف خلال العام 2017، أكثرها وقعت في الريف الغربيّ من المحافظة. ويعود ذلك إلى قرب تلك المنطقة من محافظة درعا، ما يسهّل عمليّة تهريب البشر ومقتنياتهم بين المحافظتين، وبسبب انتشار شبكة منظّمة في تلك المنطقة تحترف الجريمة والاتجار في البشر.

وفي مطلع العام 2018 بدأت جرائم الخطف تأخذ طابع العلنية على مرأى من المارّة والناس وبالقرب من المحال التجارية. وغالباً ما يتّخذ الأشخاص الذين تقع أمامهم تلك الجرائم موقف الحياد، وذلك لعلمهم أنّ ما يحدث ليس عملاً فرديّاً يمكن مواجهته أو الحيلولة دون وقوعه، بل هو عمل منظّم تقف خلفه عصابة ما، قد تأخذ شرعيتها وسلطتها من أحد فروع الأمن المنتشرة في المحافظة، وذلك بحسب ما جاء على لسان أحد الذين قابلتهم "المدن"، وكان شاهداً على وقوع إحدى تلك الجرائم.

وإلى الآن لم تتشكّل قوّة أهليّة في السويداء تمنع تلك الجرائم، خاصة بعد ضرب حركة "مشايخ الكرامة" ومقتل زعيمها الشيخ وحيد البلعوس في أيلول/سبتمبر 2015. فضلاً عن تخلّي المتبقي من أجهزة النظام الأمنية عن دورها المفترض في حماية رعاياها.

النظام كان قد اعتمد على القاع المجتمعي في قمع الاحتجاجات منذ انطلاقها عام 2011، فجلب العاطلين عن العمل والمهمّشين وأطلق المجرمين من سجونه، لتتأسّس بذلك طبقة "الشبيحة"، التي تمّ تسليحها وتنظيمها، وفق عقود لمصلحة الفروع الأمنية، خاصة فرعي "الأمن الجوّيّ" و"الأمن العسكريّ". ومع دخول إيران إلى مركز القرار والتحكّم في سوريا تأسّست مليشيا "الدفاع الوطني" وغيرها، لتبدأ أعمال التهريب والخطف والنهب والابتزاز، ومحاصصة الفروع الأمنيّة على غنائمها. إلّا أنّ هذا لم يدم طويلاً، خاصة بعدما شعرت تلك المليشيات بتفكّك النظام، فتنمّرت عليه وأخذ أفرادها يشكّلون العصابات ويعملون لمصلحتهم ويرمون الفتات للأجهزة الأمنيّة والحواجز. وصار من الصعب على النظام السيطرة على تلك المافيات، كما أنّها لا تستطيع لملمة السلاح الذي نشرته. لكن جلّ ما باستطاعتها فعله هو استثمار الفوضى الناجمة عن تلك المافيات في ترويج البروبغندا التي تقول: "إنّ الحلّ الوحيد لمواجهة الفوضى في المحافظة هو اللجوء إلى الدولة ودعم الجيش السوري، وعودة المنشقين والممتنعين عن الخدمة إلى أحضانه".

وبدأت جرائم الخطف بين محافظتي السويداء ودرعا، في كانون الأوّل/ديسمبر 2011، عندما اختطفت "جبهة النصرة" آنذاك 16 شخصاً من السويداء، بينهم وجهاء على رأسهم جمال عزالدين. الجريمة التي عدّها ناشطون آنذاك بداية لمحاولات النظام اختلاق فتنة بين المحافظتين عبر عملائه في درعا من "جبهة النصرة". بينما رأى فيها آخرون عقاباً لجمال عزالدين لرفضه طلب رئيس "الأمن الوطني" علي مملوك، إصدار بيان ضدّ الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، الذي طلب من دروز سوريا الانفكاك عن النظام، في مقابلةٍ تلفزيونية. وتوالت عمليّات الخطف في هذا السياق الأمنيّ الخالص، لأن سلطات النظام كانت لم تتهتك بعد، ولأنّ الخاطفين لم يكونوا قد بدأوا في طلب الفديات بعد.

في أواخر العام 2015، بدأت ظاهرة الخطف بالتصاعد وبدأ الخاطفون يطلبون الفديات، فنشأت ظاهرة الخطف المضاد؛ إذ يقوم أهالي الضحيّة المخطوفة من محافظة السويداء باتجاه محافظة درعا، بخطف نازحين عن درعا متواجدين في محافظة السويداء، وبعدها تتمّ مبادلتهم أو أخذ الفدية من ذويهم ثم تعطى للخاطفين في درعا ليصار إلى إطلاق سراح ابنهم.

في الأعوام الأخيرة بدأت جريمة الخطف تأخذ طابع الجريمة المنظّمة عبر شبكة منظّمة قوامها أشخاص من محافظة السويداء، بدو ودروز، وأشخاص من محافظة درعا. وتُستهدَفُ الضحيّة من قبل أفراد العصابة المتواجدين في السويداء، ويتمّ نقلها عبر البدو لسهولة حركتهم بين المحافظتين. وبعد أن تصل الضحيّة إلى محافظة درعا يتم طلب الفدية من ذوي المخطوف، وراوحت قيمة الفديات المطلوبة من ذوي المخطوفين بين 20 إلى 70 مليون ليرة سورية.

وتختلف ردات فعل أهل الضحية بين من يخطف ليبادل، ومن يجمع المبلغ ويفاوض على إطلاق سراح الضحيّة. "المدن" رصدت حالات استثمار لأشخاص ليس لهم علاقة، لا من قريب أو بعيد، بالضحية المخطوفة في درعا، إلّا أنّهم قاموا بالخطف ليحصلوا على الفدية. وذهب بعض الناشطين للقول إنّ بعض المخطوفين من أبناء محافظة السويداء لم ينقلوا مؤخّراً إلى درعا، بل يتم احتجازهم في مناطق مجهولة ضمن حدود السويداء. والدليل على هذا أن هناك تسجيلات فيديو بثت لمخطوفين تظهر لهجة مختلفة عن لهجة أبناء درعا وأقرب إلى لهجة منطقة الساحل السوري، أو لهجة أبناء السويداء أنفسهم، رغم محاولة الخاطفين تغيير طريقة كلامهم.

الخطف بدأ يأخذ طابع العلنيّة والسطو المسلّح، لا على مقتنيات الأشخاص فحسب، بل عليهم أنفسهم؛ فخلال كانون الثاني/يناير 2018، خُطف أكثر من 10 أشخاص من نازحي درعا إلى السويداء، على مرأى من الناس وفي وضح النهار في أوقات وأماكن متفرقة، وادّعت العصابة التي اختطفتهم أن لها أقرباء مخطوفين في محافظة درعا. ولم يتسنّ لـ"المدن" التحقّق من هذه الادّعاءات.

ويحمّل البعض المسؤوليّة كاملة للأجهزة الأمنيّة المنتشرة في محافظة السويداء، ويرى هؤلاء أن الأجهزة الأمنيّة هي التي سلّحت أفراد هذه المافيات، وساهمت في فوضى السلاح، وضربت نويّات المجتمعين الأهليّ والمدنيّ. إضافة إلى أنّ النظام هو من بدأ، عبر عملائه في درعا والسويداء، بجرائم الخطف ضمن إستراتيجيته العامّة في تفتيت الشعب السوري وخلق الفتنة بين مكوّناته، لسحق الثورة. هذا بالإضافة إلى سعي عناصر النظام الدائم لابتكار وسائل النهب والسرقة ضمن آلية اقتصاد الحرب القائم على الكسب "المافيوزي". ولهم في الحواجز المنتشرة على الطرق خير دليل. حاجز "المسمية" انتقل عناصره من الرشوة وسرقة بعض حمولة سيارات الشحن التي تنقل الخضروات والفواكه وغيرها، إلى فرض إتاوات على السائقين وصلت حدّ 50 ألف ليرة سوريّة على كلّ عبور، وفق إيصالات رسميّة، وأطلقوا على تلك العمليّة "الترفيق" وعلى الحاجز اسم "المعبر".

ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أنّ عناصر هذه الحواجز أنفسهم اتّجهوا إلى الخطف وسرقة السيارات وغيرها من الجرائم بعدما ألغى النظام ظاهرة "الترفيق"، وتساعدهم على هذا المافيات المنتشرة في السويداء، ولاسيّما تلك المنتشرة في مدينة شهبا وقراها، والتي كان أفرادها أصلاً مرتبطين بالأجهزة الأمنية.

في حين يُحمّلُ البعض الآخر المسؤوليّة عن الفوضى والانفلات الأمني إلى المتمرّدين على "الدولة"؛ فالدولة لا تستطيع اعتقال أيّ شخص في محافظة السويداء، بحسب زعمهم. ومن ناحيةٍ أخرى يطالبون الشباب بالالتحاق بالخدمة العسكرية ويطالبون المجتمع بالوقوف إلى جانب "الدولة" كي تتمكن من استرداد هيبتها في المحافظة. وعلى رأس هذا الاتجاه بعض الزعامات التقليدية، والمؤسّسة الدينية الرسمية "مشيخة العقل" التي طالبت مؤخّراً بدخول الجيش إلى السويداء لضبط الأمن فيها، خلال زيارة رسمية قام بها "مشايخ العقل" إلى دمشق التقوا فيها وزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج، في تشرين الأول/أكتوبر 2017.