التفكك الداخلي للغوطة الشرقية

عمر بهاء الدين
الإثنين   2017/05/15
لم ينحصر النزاع بـ"جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن" (انترنت)
عاد "جيش الإسلام" وشنّ هجوماً، صباح الإثنين، على مقرات "فيلق الرحمن" في الأشعري وبيت سوا، واتهم الفيلق الجيش باستخدام مقاتليه لسيارات الإسعاف في الهجوم على الأشعري وحمورية.

وعاشت غوطة دمشق الشرقية، خلال الشهرين الأخيرين، اقتتالاً داخلياً بين فصائل المعارضة المسلحة، وعمليات خطف وسلب وقنص للمدنيين واعتداءات متكررة، بالإضافة إلى تضاعف الأسعار وفقدان بعض المواد من الأسواق.

وترافق كل ذلك مع إطباق النظام للحصار على الغوطة، بشكل مختلف هذه المرة؛ إذ أغلق معبر مخيم الوافدين نهائياً، وكذلك المعابر من حي برزة المهادن، الذي كانت تصل إليه الأنفاق من الغوطة لتأمين حركة المدنيين والبضائع. وتلا ذلك سيطرة قوات النظام على أحياء دمشق الشرقية؛ برزة وتشرين والقابون، خلال اليومين الماضيين، بعدما استثنيت من اتفاق مناطق "خفض التصعيد"، فكان نصيبها التهجير القسري والدخول في اتفاقيات "تسليم" و"مصالحة". وبعدما سيطرت قوات النظام على الأحياء الشرقية أعادت فتح معبر مخيم الوافدين بشكل ضئيل لإدخال بعض البضائع. هزيمة المعارضة في برزة وتشرين والقابون، جاءت في وقت كانت فيه فصائل الغوطة منشغلة بمشاكلها الداخلية واقتتالاتها، بعدما أمنت جانب النظام في اتفاقية آستانة الأخيرة.

الحصار المطبق صار عامل خوف للمتقاتلين مما ينتظر الغوطة، ولذلك لم يجد "جيش الإسلام" أفضل من القضاء على خصومه لضمان قدرته على التحكم في سيرورة الأمور، ولتصبح الغوطة كلها رهن كلمته. فبدأ عملية للسيطرة على الغوطة تحت ذريعة القضاء على "جبهة النصرة"، فتصدى له "فيلق الرحمن" الذي هوجمت مقراته من قبل "جيش الإسلام" أيضاً، الذي كان متجهاً إلى مركز قيادة "الفيلق". وانقلبت العملية على "جيش الإسلام" بعدما تحالف "فيلق الرحمن" مع بقايا "جبهة النصرة". واستطاع "جيش الإسلام" القضاء على أكثر من 80 في المئة من قوة "النصرة"، قبل أن يخرج من كل المناطق التي سيطر عليها في هجمته الأخيرة.

موازين القوى في الغوطة شهدت تحولاً سريعاً خلال الفترة القصيرة الماضية، ولم ينحصر النزاع بـ"جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن". فعادت "ألوية المجد" إلى "فيلق الرحمن"، وانضم "فجر الأمة" إلى "أحرار الشام". "فيلق الرحمن" كان قد هاجم "الأحرار"، و"جيش الإسلام" هاجم "تحرير الشام" و"أحرار الشام" و"فيلق الرحمن".


(المصدر: LM)

ووقع مئات القتلى من العسكريين والمدنيين ومئات الجرحى في الاقتتال الداخلي. فيما تفاقمت حالة الفوضى مع نهب عناصر الفصائل لمحلات وبيوت ومؤسسات مدنيّة، وتم إطلاق الرصاص على المتظاهرين المطالبين بوقف الاقتتال من قبل "جيش الإسلام" وسقط جرحى بينهم الطبيب أبو محمود، أحد آخر ثلاثة أطباء متبقين في الغوطة، والأستاذ أبو يامن زكريا مدير "المكتب التعليمي" في مدينة سقبا.

واعتقل كل فصيل مئات المحسوبين على الفصيل المعادي، كما أغلقت المعابر أمام السيارات وانتشر القناصون على مناطق التماس. وحدثت حالات قتل لمدنيين في مناطق التماس من القناصين، بينهم امرأة وطفل. وقد تبادل كل من "الفيلق" و"الجيش" الاتهامات في ما بينهما عن سقوط المدنيين. ويؤكد شهود عيان أن قناصي الطرفين يقومون باستهداف المدنيين، وقد تعرض طبيب الجراحة الصدرية الوحيد في الغوطة حسام حمدان، لمحاولة قنص، أثناء محاولته الوصول إلى العناصر المتقاتلة لإقناعهم بالتوقف وفتح الطريق أمام المدنيين. كما تعرض طبيب الأوعية الوحيد عماد قباني، والطبيبين يوسف هارون ومحمد جرادة، إلى اعتداء بالضرب المبرح من قبل عناصر حاجز "فيلق الرحمن"، وتعرضت حافلة تُقل ممرضات لألفاظ مشينة من العناصر، ما دفع "المكتب الطبي الموحد" إلى تعليق عمله ليوم واحد في مراكز الرعاية الصحية واقتصاره على استقبال الإسعافات، احتجاجاً على ذلك الاعتداء.

وبعد أن قام "الفيلق" بإصدار بيان اعتذار، تعالت الأصوات التي تؤكد أن كرامة كل البشر متساوية وليست خاصة بالأطباء وحدهم، فالكثيرون من المدنيين يتعرضون يومياً لتلك الاعتداءات على حواجز الطرفين. وقد أكد "المكتب الطبي" في بيان له على المساواة بين كرامات المدنيين وضرورة وقف جميع الاعتداءات والتجاوزات بحقهم.

ورغم كثرة المبادرات المدنية الساعية لإيجاد مخرج من انسداد الطريق الذي تسير فيه الغوطة، وكثرة البيانات المنددة هنا وهناك باعتداء فصيل ما على مؤسسة مدنية، فلا تظهر فاعلية أي مدني أمام صوت السلاح، خاصة في ظل الاستقطاب الفعلي لمعظم الأطراف المدنية.

الاقتتال الداخلي يحدث وقوات النظام لا تصعّد من هجماتها، بل تُطبق حصارها فحسب، وتُدخل النزر اليسير من البضائع التي تدر على النظام أرباحاً خيالية مع انهيار سعر صرف الدولار في الغوطة بالنسبة لدمشق وتضاعف أسعار المواد الغذائية وعمولات الحوالات التي يجنيها تجار النظام.

ولا يبدو أن هناك أي كبح لعوامل التفكك الداخلي التي تتجه لتصبح آثارها غير قابلة للعكس. وهو ما يعني عطالة أي مبادرة، ولو كانت منصفة أو توافقية، يمكن أن تصدرها أي جهة مدنية، لتخويف أي طرف عسكري من النوايا المبيتة التي يمكن أن تنتج عن الموافقة على مبادرة من جهة محسوبة على الطرف الآخر.

وكما لا تبدو إمكانية إجراء أي تحقيق لحالات قتل المدنيين ونهبهم وسرقتهم ممكنة، فذلك يعني انهيار ما تبقى من المنطق في علاقة المدنيين بالعسكريين. ولا يبدو أيضاً أن الأطراف العسكرية المتناحرة راغبة في تصحيح العلاقة والتنسيق في ما بينها، علاوة على فقدانها التام للثقة المتبادلة، من دون الاكتراث لأي أهمية لذلك.

ورغم قساوة ما حدث في حلب، فالغوطة تبدو ذاهبة إلى سيناريو أقسى وأبشع مع تنامي عوامل التفكك الداخلي. ولا يحميها حتى الآن إلا قرار خارجي قد يتغير عند عقد أي صفقة مغايرة.